جاءت قمة المتابعة العربية الإسلامية غير العادية بعد مرور عام على حراك دبلوماسي قادته مجموعة وزارية مصغرة لدفع سُبل الحل الدائم للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كما تزامنت مع فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية لتلقي الضوء على أهمية تلك الآلية الموسعة في إجهاض المخطط الإسرائيلي وإعادة الاعتبار للطرف الفلسطيني في أي تسوية محتملة للصراع الإقليمي الراهن بمراعاة مبادئ الشرعية الدولية.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي مخرجات القمة العربية الإسلامية غير العادية وانعكاساتها المحتملة على مسار حل الصراع في غزة ولبنان وإعادة ضبط التوازن الإقليمي في ضوء ما تطرحه من أدوار للقوى العربية والإسلامية الفاعلة.
توجهات متقاربة
إلى جانب الحضور رفيع المستوى لقادة وزعماء الدول العربية والإسلامية وأميني عام جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، شهدت كلمات القادة توافقًا على مبادئ وإجراءات موحدة لوقف العدوان على النحو التالي:
(*) تصعيد دبلوماسي: أجمع القادة المشاركون على إدانة حرب الإبادة التي يشنها جيش الاحتلال الإسرائيلي على غزة عبر القصف والحصار والتجويع الممنهج وامتداد نيران الصراع إلى لبنان وإيران، إذ كان من اللافت إدانة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للقصف الإسرائيلي للأراضي الإيرانية. كما تضمنت كلمات القادة تلويحًا باتخاذ مزيد من الإجراءات للضغط على إسرائيل وحلفائها وداعميها الغربيين عبر التمسك بمسار المبادرة العربية للسلام وتأكيد ربط التطبيع بتطبيق حل الدولتين، وهو ما يأتي عقب تدشين تحالف دعم حل الدولتين بالعاصمة السعودية نهاية أكتوبر الماضي بناءً على منجزات اللجنة الوزارية العربية الإسلامية المنبثقة عن القمة الأولى في الرياض 11 نوفمبر 2024، التي دفعت بتسع دول من أمريكا اللاتينية وأوروبا للاعتراف بالدولة الفلسطينية.
وأشار البيان الختامي في بنده الثالث إلى ضرورة اضطلاع مجلس الأمن الدولي بمسؤولياته في حفظ السلم والأمن عقب وقوع العدوان استنادًا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وإلزام القوة القائمة بالاحتلال بوقف إطلاق النار الفوري وإدخال المساعدات الإنسانية وتطبيق القرارات ذات الصلة بوقف العدوان وإعطاء العضوية الكاملة لدولة فلسطين، ووقف الاستيطان وفرض عقوبات على الحركات الاستيطانية وتصنيفها تنظيمات إرهابية.
وتشمل تلك التحركات على المستوى الدولي من أجل تعزيز الضغوط على الجانب الإسرائيلي الدعوة لتجميد مشاركة إسرائيل في الجمعية العامة للأمم المتحدة والكيانات التابعة لها وتوجيه 52 دولة خطابًا للأمم المتحدة بضرورة وقف تصدير الأسلحة والذخائر لإسرائيل التي قد تستخدمها ضد الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة. كما شملت التوجه للجمعية العامة للأمم المتحدة لإنهاء الاحتلال للأراضي الفلسطينية والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وإعطائها العضوية الكاملة في المنظمة الأممية.
وتوجهت القمة بالتضامن والدعم الكاملين للجمهورية اللبنانية في مواجهة العدوان الإسرائيلي والتمسك بدعم المؤسسات الدستورية اللبنانية في أداء مهامها لضمان وحدة واستقرار لبنان وبسط سيادته على جميع أراضيه وتوسيع مهام اللجنة الوزارية العربية الإسلامية لتشمل دعم جهود وقف العدوان على لبنان، وقد شددت كلمات القادة وبصفة خاصة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على دعم الجيش اللبناني.
(*) رؤية إقليمية: رسخت مخرجات القمة العربية الإسلامية الثانية أدوار عدد من الدول العربية الرئيسية في المنطقة ضمن ملامح رؤية قيد التبلور للقوى الإقليمية في مسار محاصرة العدوان وتعزيز السلطة الوطنية الفلسطينية وخلق الظروف الملائمة لميلاد الدولة الفلسطينية ذات السيادة، وفيما تضطلع بدور رئيسي في جهود الوساطة لإنهاء الحرب مع الجانب القطري (والجانب الأمريكي) تتولى القاهرة مسؤولية جمع الأطراف الفلسطينية لتحقيق المصالحة الوطنية ودعم دور منظمة التحرير كممثل شرعي وحيد عن الشعب الفلسطيني، شدّد الرئيس المصري على الخطوط الحمراء لبلاده في العدوان الإسرائيلي الحالي بالتصدي لجميع مخططات تصفية القضية الفلسطينية ممثلة في محاولات التهجير أو النقل القسري لأهالي غزة أو تحويل القطاع إلى مكان غير صالح للحياة.
ويتوازى مع ذلك تمسك الرياض بثوابت موقفها من القضية الفلسطينية وتجديد التزامها بمبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبد الله بن عبد العزيز "المبادرة العربية للسلام"، والتحرك على المستوى الدولي لتوسيع الاعتراف بالدولة الفلسطينية بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي والنرويج في "التحالف الدولي لحل الدولتين"، إلى جانب جهود المجموعة الوزارية العربية الإسلامية المنبثقة عن القمة التي لعبت دورًا مهمًا في إعلان 9 دول اعترافها بالدولة الفلسطينية منذ مايو الماضي. كما جددت القمة التأكيد على أهمية الحفاظ على هوية القدس المحتلة والوضع القانوني والتاريخي للمسجد الأقصى المبارك بكامل مساحته كمكان عبادة خالص للمسلمين فقط وخاضع للوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
(*) تعددية الأطراف: راهنت القمة بشكل كبير على دور الجنوب العالمي في إعطاء زخم دولي لجهود حل الصراع وإنهاء الاحتلال والعدوان الإسرائيليين، في ظل ما تمثله تلك الدول التي تنتمي إليها دول العالمين العربي والإسلامي، وبالتوازي مع التحرك المشترك مع الاتحاد الأوروبي في "التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين".
وبارك البيان الختامي الآلية الثلاثية بين جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الإفريقي لدعم القضية الفلسطينية وشجّع الدول الأعضاء على إشراك أكبر لجهات فاعلة أخرى في الجنوب العالمي، وذلك في وجه ازدواجية المعايير التي تحكم سلوك الدول الغربية والقوى الكبرى التي تقيد تحركات مجلس الأمن الدولي في صراعات المنطقة وفقًا لمصالح وحسابات الخمس الكبار، وهو ما مثّل دافعًا للتحرك في إطار الجمعية العامة للأمم المتحدة لإنفاذ مفاعيل قرار "الاتحاد من أجل السلام" في تعزيز الضغوط على مجلس الأمن في مواجهة الإجماع الأممي على إيجاد صيغة للحل النهائي تقوم على السلام الشامل والعادل في المنطقة واحترام قواعد القانون الدولي ومقررات الشرعية الدولية.
تقدم حذِر
على الرغم من تاريخ منطقة الشرق الأوسط الذي لا يخلو من تدخلات القوى الخارجية في ترسيم خرائط النفوذ، إلا أن تجربة القمة العربية الإسلامية المشتركة سعت لتحقيق اختراق يضمن انخراط القوى العربية والإسلامية الفاعلة في إعادة التوازن الإقليمي وفرض رؤية دول المنطقة حول شكل التسوية المأمولة ومنها؛ التمسك بالدولة الفلسطينية الموحدة وفق مقررات الشرعية الدولية وفي إطار دعم السلطة الوطنية وتوفير شبكة أمان مالي لمنع انهيارها، وإبراز التضامن مع الطرف الإيراني في انتهاك سيادته رغم الخلافات الكبرى حول تدخلاته في دول المنطقة، وتزامن ذلك مع زيارة رئيس الأركان السعودي لطهران في إطار تطبيع العلاقات بين البلدين وذلك بعد مناورات بحرية سعودية إيرانية في بحر العرب أكتوبر الماضي.
ويمثل هذا الاصطفاف في وجه العدوان الإسرائيلي عاملًا ضروريًا وإن واجهت تحديات مستجدة في ظل توسع نطاق الصراع بوتيرة أسرع من التحركات الجماعية للدول العربية والإسلامية وآلياتهم في حشد الدعم الدولي، كما تظل دول المنطقة بحاجة لتولي أدوارًا أمنية رئيسية واتخاذ إجراءات بناء ثقة وتدابير سياسية وأمنية واقتصادية مشتركة لحلحة باقي الملفات العالقة في الإقليم من لبنان وسوريا إلى الأزمة اليمنية.
وإجمالًا؛ أبرزت قمة المتابعة العربية الإسلامية وقوف الدول الأعضاء صفًا واحدًا في وجه أهداف العدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان والتصدي لمخططاته الخبيثة في تصفية القضية الفلسطينية، عبر تعزيز مسارات الحل ابتداءًا من ملف المصالحة الوطنية الفلسطينية والجهود الدبلوماسية لوقف الحرب بالمفاوضات ومعاقبة الاحتلال على جرائم الإبادة المرتكبة في غزة ولبنان بالضغط لفرض عقوبات على المستوطنين ومحاسبة قادة الحكومة أمام الجنائية الدولية وحظر الأسلحة والذخائر عن جيش الاحتلال.
وتبقى اللجنة الوزارية العربية الإسلامية أبرز منجزات القمة بالتوازي مع الجهود المستمرة لكل من مصر والسعودية وقطر في توحيد الصف الوطني الفلسطيني ومفاوضات وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات ودعم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، والتمهيد لإقامة الدولة الفلسطينية الموحدة المتصلة جغرافيًا في الضفة الغربية والقدس وغزة تحت إدارة سلطة وطنية من رحم منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.