الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

تقديرات أولية: ما تكلفة إعادة إعمار غزة بعد العدوان الإسرائيلي؟

  • مشاركة :
post-title
أثار الدمار في قطاع غزة - أرشيفية

القاهرة الإخبارية - رضوى محمد

أكد البيان الختامي للقمة العربية الإسلامية غير العادية التي انعقدت في الرياض 11 نوفمبر الجاري، "على ضرورة حشد الشركاء الدوليين لإعادة إعمار غزة والتخفيف من آثار الدمار الشامل للعدوان الإسرائيلي فور توقفه"، كذلك الدعوة لإنشاء صندوق لإعمار غزة، وعليه يبقى السؤال هو: ما التكلفة التقديرية للخسائر التي يتكبدها القطاع جراء القصف الإسرائيلي، وما آليات حل الأزمة تمويليًا وسياسيًا، في ضوء واقع القطاع قبل الهجوم الإسرائيلي في السابع من أكتوبر الماضي؟. 

يُذكر أن عملية "طوفان الأقصى" تسببت في إحداث تدمير كبير في قطاع غزة، نتيجة القصف الإسرائيلي المُتزايد على القطاع منذ السابع من أكتوبر الماضي، والذي يستهدف العديد من الأحياء والمنازل والمقرات الحكومية، إذ يستخدم الاحتلال الإسرائيلي قنابل غير موجهة من طراز " إم 117"، التي أحدثت دمارًا كاملًا للمباني وإخفاءها بالكامل من على وجه الأرض، وهو الأمر الذي جعل العديد من المُحللين والخبراء يتوقعون تكلفة إعادة إعمار القطاع بعشرات المليارات من الدولارات.

واقع القطاع:

يُستدل على الواقع الفعلي لقطاع غزة قبل عملية "طوفان الأقصى" من خلال عدد من المؤشرات الرئيسية وهي:

(-) حجم التجارة الرسمية: حقق الميزان التجاري لفلسطين نسبة عجز من الناتج المحلي الإجمالي تُقدر بحوالي (-43.1%) في عام 2022، إذ بلغت نسبة الصادرات من الناتج المحلي الإجمالي 18.9%، بينما بلغت نسبة الواردات 62%، ومع اشتداد الحصار على قطاع غزة ارتفعت احتمالات السيناريو المُتشائم بارتفاع عجز الميزان التجاري إلى 45.5%..

(-) حجم القطاع غير الرسمي: يتضح من قراءة بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أن العمالة غير الرسمية تُشكل أكثر من نصف إجمالي العاملين الرسميين، إذ يعمل 95% في القطاع غير الرسمي، بينما يعمل 5% فقط في القطاع الرسمي، إذ يتوزع عدد العاملين بواقع 185 ألف عامل في المشاريع المنزلية، بينما يعمل 221 ألفًا في المنشآت غير المسجلة، وفي قطاع غزة انخفضت مساهمة اقتصاد القطاع في الاقتصاد الفلسطيني، إذ بلغت مساهمته 18% وفقًا لبيانات البنك الدولي؛ وهو ما يرجع إلى النقص الحاد في إمدادات الكهرباء والمياه وخدمات الصرف الصحي، وهو الأمر الذي عمل على توسع القطاع غير الرسمي داخل غزة.

(-) عدد محطات الكهرباء والمياه: يمتلك قطاع غزة محطة وحيدة للكهرباء، تم تنفيذها في أبريل عام 2017، وتبلغ طاقتها القصوى 120 ميجا واط، إذ إنها تعمل على إمداد القطاع بثلث الطاقة اللازمة له، وتشتري غزة باقي احتياجاتها من الطاقة من إسرائيل، وبالنسبة لمحطات المياه تنتشر محطات تحلية مياه البحر في القطاع؛ نظرًا لتسرب مياه البحر إلى مياه الخزانات الجوفية، إذ يبلغ إجمالي عدد هذه المحطات 97 محطة، منهم فقط 52 محطة مرخصة.

(-) عدد المدارس والمستشفيات: يوجد في قطاع غزة عدد من المدارس يُقدر بـ 550 مبنى مدرسيًا، منها 303 مبانٍ مدرسية حكومية، و182 مدرسة تابعة للأونروا و65 مدرسة خاصة، وقد تحولت المدارس التابعة للأونروا، إلى ملاجئ في الفترة الأخيرة نتيجة الهجوم المتزايد لقوات الاحتلال الإسرائيلي على القطاع، إذ أشارت المنظمة إلى أن أكثر من 340 ألف فلسطيني نزحوا من منازلهم إلى ملاجئ الأونروا بعد عملية طوفان الأقصى، وبالنسبة لعدد المستشفيات، فإنه يوجد 35 مستشفى، منهم 13 مستشفى من مستشفيات وزارة الصحة في قطاع غزة.

(-) المساحة الزراعية: تبلغ المساحة المزروعة في الأراضي الفلسطينية حوالي 1513 كم2، حيث تبلغ نسبة المساحة المزروعة من المساحة الكلية في فلسطين 18.9 %، بواقع 10.6 % في قطاع غزة، وذلك في عام 2021، وعلى مستوى المحافظة ووفقًا للشكل رقم (1) يتضح أن نسبة المساحة المزروعة في غزة تقدر بحوالي 1%، وهي أقل نسبة بعد القدس، وهو ما يوضح معاناة أهل القطاع بشكل كبير.

الشكل رقم (1) يوضح التوزيع النسبي للمساحة المزروعة حسب المحافظة

وفي ضوء ذلك يُمكن القول، إن واقع قطاع غزة يُعاني من نقص شديد في الخدمات الأساسية والمساحات الزراعية، فهناك محطة كهرباء واحدة و35 مستشفى فقط تخدم أكثر من 2 مليون شخص، وهو ما يوضح أن قصف الاحتلال الإسرائيلي للقطاع سيجعله على حافة الانهيار، وسيحمل القطاع تكاليف باهظة لإعادة الإعمار، وهو ما سوف نوضحه في الجزء التالي.

تكلفة تقديرية:

يُمكن تقييم تكلفة إعادة إعمار غزة وفقًا لافتراض استمرار الحرب حتى تقضي على النسبة الأكبر من المباني والبُنى التحتية في القطاع، وهو ما سيتم توضيحه على النحو التالي: -

الجدول رقم (1) يوضح التكاليف التقديرية للدمار في قطاع غزة

(-) تكلفة هدم المباني: دمر الاحتلال الإسرائيلي العديد من المنازل والأحياء في قطاع غزة، إذ دمر حي الفرقان باستهداف 450 هدفًا داخل الحي، بالإضافة إلى تدمير الأبراج السكنية في حي الرمال وأشهرها برج فلسطين وإزالة تجمعات سكنية بالكامل، إذ قام الاحتلال الإسرائيلي بتدمير 8 أحياء سكنية تضم 352 شقة سكنية، بالإضافة إلى 40 بناية عسكرية، فضلًا عن تدمير حي الشيخ رضوان وحي النصر وحي الكرامة، كما شهدت مدينة عبسان قصفًا كبيرًا جدًا، أدى إلى تدميرها، إذ بلغت عدد الوحدات السكنية المدمرة 41,030 وحدة في اليوم الـ 38 من الحرب على غزة، ويُذكر أن 92% من منازل قطاع غزة تدمر جراء القصف الإسرائيلي، ولذلك نتوقع أن يتم تدمير معظم الوحدات السكنية في القطاع التي تقدر بـ 334.710 وحدة مع نهاية الحرب، وفي ظل ارتفاع الرقم القياسي لأسعار تكاليف البناء في غزة، إذ بلغ 119.66 في يناير 2023، تترفع تكلفة إعادة إعمار هذه المباني بشكل كبير، إذ يوضح الجدول رقم (1) أن التكلفة التقديرية لهدم معظم المباني تُقدر بـ 33.5 مليار دولار.

(-) تكلفة هدم المدارس: تعرضت 241 مدرسة من مدارس القطاع إلى التدمير الكلي في اليوم الـ 38 من القصف الإسرائيلي على غزة، فمع تعنت الجانب الإسرائيلي في استمرار القصف، نتوقع أن يتم تدمير الـ 550 مدرسة في القطاع، فوفقًا لتكلفة بناء مدرسة في القطاع التي تُقدر بحوالي 3.8 مليون دولار أمريكي، حسبما أشارت منظمة الأونروا في عام 2022، فعليه تبلغ تكلفتها التقديرية حوالي2.1 مليار دولار أمريكي وفقًا للجدول رقم (1)، وهو ما يوضح التكلفة الكبيرة لهدم هذا العدد من المدارس.

(-) تكلفة تدمير المستشفيات: يُركز الاحتلال الإسرائيلي في قصفه لقطاع غزة على القطاع الصحي بشكل كبير، إذ تم تدمير عدد ملحوظ من المستشفيات داخل القطاع، حيث تم قصف المستشفى الإندونيسي شمال قطاع غزة، بالإضافة إلى قصف مستشفى العيون الدولي وتوقف مستشفى بيت حانون عن العمل، كما تم استهداف المستشفى الأهلي العربي، والمستشفى الميداني الأردني، والمستشفى المعمداني، ومستشفى الشفاء، وغيرها من المستشفيات الأخرى، ولهذا من المتوقع أن الـ 35 مستشفى داخل القطاع ستحتاج إلى إعادة إعمار بتكلفه تقديرية تبلغ حوالي1.7 مليار دولار، كما أن انقطاع الكهرباء تسبب في إلحاق الضرر بالعديد من المستشفيات، إذ أصبحت المستشفيات في غزة تعمل بطاقة المولدات الكهربائية.

(-) تكلفة الطاقة: وفقًا لما تم ذكره، بأن قطاع غزة يمتلك محطة كهرباء وحيدة تعمل على إمداد القطاع بثلث الطاقة اللازمة له، ففي ظل قيام الاحتلال الإسرائيلي بقصف كل الخلايا الشمسية في قطاع غزة، الأمر الذي أدى إلى إحداث أضرار في محطة الكهرباء وتوقفها عن العمل، خاصة في ظل الحصار المتزايد على القطاع ومنع إمدادات الوقود والطاقة، وهو ما يُحمل القطاع تكاليف كبيرة لإعادة هذه المحطة للعمل، تُقدر بـحوالي 150 مليون دولار.

(-) تدمير المقرات الحكومية: دمر الاحتلال الإسرائيلي 94 مقرًا حكوميًا في اليوم الـ38 من الحرب على غزة، ومن المحتمل أن يزداد هذا العدد إلى 100 مقر حكومي بتكلفة تقديرية 300 مليون دولار مع انتهاء الحرب، تتطلب لإعادة بناء هذه المقرات.

(-) تدمير الكنائس والمساجد: يوجد في قطاع غزة 3 كنائس، دمرها الاحتلال الإسرائيلي بشكل كامل، بتكلفة تقديرية حوالي 3 ملايين دولار، كما دمر الاحتلال 70 مسجدًا في اليوم الـ 38 من الحرب، ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى 150 مسجدًا مع نهاية الحرب بتكلفة تُقدر بحوالي 150 مليون دولار.

بالإضافة إلى ذلك قصف الاحتلال الإسرائيلي 3 محطات لضخ المياه ومحطة تحلية مياه و6 آبار مياه، إذ تعرضوا لأضرار جسيمة من جراء القصف الشديد، كما تسببت سياسة الإغلاق الإسرائيلي التي تمنع دخول معدات مهمة؛ لتشغيل وصيانة محطات تحلية مياه الشرب إلى تزايد الأضرار بمحطات المياه، فضلًا عن التدمير الذي لحق بمحطات الصرف الصحي، إذ توقف وتضررت 6 محطات للصرف الصحي من إجمالي 8 محطات بالقطاع، ومن المتوقع أن يرتفع عدد محطات الصرف الصحي المدمرة إلى 8 محطات في نهاية الحرب، وهو الأمر الذي يوضح الكوارث الصحية والبيئية التي سيتعرض لها القطاع.

ومن هنا يُمكن القول إن الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، والقصف الكبير على جميع المنشآت المدنية، يجعل القطاع يتحمل عشرات المليارات من الدولارات، التي تم تقديرها بحوالي 41.9 مليار دولار، وفقًا للجدول رقم (1)؛ لإعادة إعماره وبناء دولة من جديد.

آليات الحل:

إن الوضع الاقتصادي والإنساني الراهن في قطاع غزة، يستدعي طرح مجموعة من آليات الحل للأزمة الراهنة، وهو ما سيتم توضيحه على النحو التالي: -

(-) تأسيس صندوق عربي لدعم غزة: إن الدمار الكبير الذي يلحق بقطاع غزة والتكاليف التقديرية الكبيرة التي تم ذكرها، تتطلب وجود دعم عربي؛ للمساعدة في تمويل إعادة إعمار القطاع وتحمل هذه التكاليف، إذ إن القطاع أصبح لا يُملك أي مقومات اقتصادية تمكنه من أن يتحمل تكاليف إعادة الإعمار، فبالتالي يصبح من الضروري تأسيس صندوق عربي لدعم غزة تساهم فيه جميع الدول العربية.

(-) زيادة التمويلات الدولية: فمن منطلق أن القطاع سيعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية في فترة ما بعد الحرب، وهو ما يتطلب زيادة التمويلات الدولية الموجهة نحو قطاع غزة؛ لإيقاف النزيف الاقتصادي الذي التهم العديد من القطاعات الحيوية في القطاع، إذ لابد أن يزداد التمويل الدولي نحو إعادة بناء جميع القطاعات، وخاصة القطاع الصحي، باعتباره أكثر القطاعات التي تضررت من القصف الإسرائيلي.

(-) حلحلة القضية الفلسطينية: فرضت تداعيات عملية "طوفان الأقصى" واقعًا جديدًا، يوجب ضرورة فتح حوار موسع يجمع الفواعل الدولية والإقليمية، يعمل على وضع حلول جذرية للقضية الفلسطينية التي استمرت لأكثر من 70 سنة، ويمنع تكرار هذه الصدمات بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، التي تُخلف وراءها عددًا كبيرًا من الشهداء، بالإضافة إلى معاناة القطاع اقتصاديًا، خاصة أن تكلفة إعادة الإعمار ستكون كبيرة، وبالتالي يكون من الضروري على أطراف المجتمع الدولي، الحفاظ على ما يتم من إنشاءات بعد تسوية الحرب الجارية.

وعليه، يُمكن القول إن تداعيات عملية "طوفان الأقصى" على قطاع غزة، سببت خسائر مادية واقتصادية كبيرة على القطاع، إذ يُمارس الاحتلال الإسرائيلي سياسة توسعية في القصف على قطاع غزة، حيث تم استهداف العديد من المواقع الحيوية، وخاصة المستشفيات والمباني السكنية، بالإضافة إلى فرض حصار شديد على القطاع، وهو الأمر الذي يستدعي التوصل إلى حل للتهدئة بين الطرفين؛ لوقف تيار الخسائر الاقتصادية على القطاع، وحقنًا لدماء الفلسطينيين.