الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

أبعاد الموقف الأمريكي من الأزمة السودانية

  • مشاركة :
post-title
المبعوث الأمريكي للقرن الإفريقي ديفيد ساتر فيلد

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

أدى اندلاع المواجهات الدامية فى 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وميليشيا "الدعم السريع" بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي"، إلى سقوط أكثر من 400 قتيل، وإصابة نحو 3500 حتى يوم الجمعة 21 أبريل 2023، وفقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية. وهو ما اعتبرته العديد من الاتجاهات صراعًا على السلطة، ووصفه قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان بأنه تمرد من ميليشيا "الدعم السريع" على الدولة، وأصدر قراره بالعفو عن كل من يضع السلاح من عناصر ميليشيا "الدعم السريع"، وسيتضمن ذلك استيعابهم في القوات المسلحة اعتبارًا من تاريخ التبليغ.

وقد تنوعت الأسباب التي أدت إلى ذلك التصعيد، منها الخلافات بين الجانبين حول عملية إدارة المرحلة الانتقالية وأولوياتها، ومدى اشتراك القوة المدنية فى إدارة شؤون البلاد، والمدى الزمني لدمج ميليشيا "الدعم السريع" التي تشكلت كقوة أمنية منذ عام 2013 فى عهد نظام البشير، التي كانت تعرف بـ"الجنجويد" لمواجهة المتمردين فى دارفور، ثم أضيفت لها مهام أخرى مثل المساعدة في ضبط الحدود ومواجهة الهجرة غير الشرعية.

وقد توالت ردود الأفعال الدولية التي دعت إلى ضرورة وقف التصعيد، واللجوء إلى الحوار لإنهاء الخلافات بين الجانبين حفاظًا على أمن واستقرار السودان ووحدة أراضيه وتجنب الانزلاق إلى حالة الفوضى المدمرة، لا سيما أن السودان يحظى فى الاستراتيجيات الدولية إزاء إفريقيا بمكانة مركزية وفى مقدمتها الاستراتيجية الأمريكية، وهو ما تجلى فى اهتمام مؤسسات صنع القرار الأمريكية بالصراع الدائر فى السودان بين الفرقاء، إذ دعا البيت الأبيض في 17 أبريل 2023 إلى وقف فوري لإطلاق النار دون شروط بين القوات المسلحة السودانية وميليشيا "الدعم السريع"، والتأكيد على أن المسؤولين الأمريكيين على اتصال بالقادة العسكريين.

أبعاد الموقف الأمريكي

واستكمالًا لهذا الاهتمام، أكد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن أن الوضع في السودان هش، وأنه لا تزال هناك فرصة لاستكمال الانتقال إلى حكومة يقودها المدنيون، وأن بعض اللاعبين ربما يحاولون عرقلة التقدم في السودان. كما أجرى بلينكن في 18 أبريل 2023 اتصالين هاتفيين أحدهما مع قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، والآخر مع قائد الدعم السريع "حميدتي" مشددًا على الحاجة الملحة للتوصل إلى وقف إطلاق النار، للسماح بتسليم تقديم المساعدات الإنسانية للمتضررين من القتال ولم شمل الأسر السودانية، والتأكيد على توفير الأمان لمنظمات المجتمع الدولي في الخرطوم، ومحملًا القائدين مسؤولية ضمان سلامة ورفاهية المدنيين والموظفين الدبلوماسيين والعاملين في المجال الإنساني.

ويعود الاهتمام الأمريكي بتطورات الأزمة السودانية في العديد من دوائر صنع القرار، لعدة اعتبارات أهمها:

مساعدة وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية مولي في

(*) الأهمية الاستراتيجية للسودان: يقع السودان في منطقة مليئة بالاضطرابات على حدود البحر الأحمر والقرن الإفريقي ومنطقة الساحل، وتعد جاذبة للقوى الدولية بسبب موقعها الاستراتيجي، فالسودان بحكم موقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر، تمتد سواحله لما يقرب من 670 كيلو مترًا، وتجاوره سبع دول هي مصر وليبيا شمالاً، وفي الجنوب الشرقي إريتريا وإثيوبيا، ودولة جنوب السودان جنوبًا، وفى الغرب والجنوب الغربي دولتي تشاد وإفريقيا الوسطى. وتبلغ مساحة السودان 1.882.000 كليو متر مربع وهو بذلك ثالث الدول من حيث المساحة في إفريقيا، ومن العشرين دولة الأكبر مساحة في العالم. كما يعد السودان من الدول الغنية بالثروات الزراعية والموارد التعدينية.

ومع احتمالية تأثير الأزمة المتفاقمة على محيطها الإقليمي، لا سيما منطقة القرن الإفريقي، وسعيًا لضمان أمن البحر الأحمر ضد التهديدات المتنامية، وإدراكًا لهذه الأهمية تعددت وتنوعت مراكز التواصل الأمريكي مع تطورات الأزمة السودانية منذ الإطاحة بنظام البشير وحتى اندلاع المواجهات الحالية، فهناك فولكر بيرتس، رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس) ومولي فيي، مساعدة وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية، فضلًا عن المبعوث الأمريكي الخاص للقرن الإفريقي ديفيد ساتر فيلد، كما تعد الولايات المتحدة الأمريكية أحد الفاعلين الدوليين الرئيسيين الداعمين للعملية السياسية والانتقال الديمقراطي، وتتمثل جهودها ضمن الآلية الرباعية التي تضم معها بريطانيا والسعودية والإمارات، وكذلك الآلية الثلاثية التي تشمل بعثة الأمم المتحدة بالخرطوم، والاتحاد الإفريقي، ومنظمة الإيجاد.

(*) تحييد النفوذين الروسي والصيني لتوظيف مسارات الأزمة: سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى تحجيم النفوذ الروسي في إفريقيا ومحاولة عزل روسيا بعد اندلاع الصراع الروسي الأوكراني، وقد عبّر عن ذلك وزير الخارجية الروسي سيرجى لافروف عقب جولته الإفريقية مطلع العام الجاري (2023)، التي ضمت عدة دول هي مالي وموريتانيا والسودان، فضلاً عن زيارة جنوب إفريقيا وإسواتيني وأنجولا، وقال حينها: "إن خطط الغرب لعزل روسيا من خلال فرض حصار علينا أخفقت تمامًا، وأن روسيا تعزز علاقات حُسن الجوار بالمعنى الواسع لهذا المفهوم مع أغلبية الدول". وتخشى الولايات المتحدة الأمريكية من احتمال وجود قاعدة روسية على البحر الأحمر تم التخطيط لإنشائها منذ عام 2019 ولا تواجه ممانعة من أي من طرفي الصراع في السودان، وذلك بإنشاء مركز لوجيستى للبحرية الروسية في السودان يسهم في الوصول المباشر إلى مناطق النفوذ الروسي في جمهورية إفريقيا الوسطى، بالإضافة إلى منطقة الساحل والصحراء التي تنتشر بها الشركات الروسية في مجال التعدين، ولمواجهة النفوذين الروسي والصيني الذي تجلى بأن الصين أصبحت أكبر شريك تجاري لقارة إفريقيا، وهو ما تقره بيانات الهيئة الوطنية العامة للجمارك بأن التجارة بين الصين وإفريقيا وصلت نحو 282 مليار دولار، سعت الولايات المتحدة الأمريكية لاستعادة زخم العلاقات مع دول القارة الإفريقية، التي تجلت في تكثيف زيارات المسؤولين الأمريكيين لدول إفريقية ومنها زيارة كل من كاميلا هاريس نائبة الرئيس الأمريكي إلى غانا وتنزانيا وزامبيا، وزيارة وزير الخارجية الأمريكي أنتونى بلينكن إلى إثيوبيا والنيجر في مارس 2023، فضلًا عن زيارات رفيعة المستوى إلى إفريقيا من قبل ليندا جرينفيلد، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، وقرينة الرئيس الأمريكي جو بايدن السيدة جيل بايدن، كما استضاف الرئيس جو بايدن القمة الأمريكية الإفريقية الثانية في ديسمبر 2022، ودعا إليها 49 من قادة إفريقيا.

تنظيم الشباب الإرهابي في الصومال

(*) مكافحة الإرهاب: تشكل قضية مكافحة الإرهاب إحدى أولويات السياسة الأمريكية فى إفريقيا، وتعتقد العديد من الاتجاهات أن استمرار الأزمة السودانية دون حل، ودخولها مرحلة حرب الشوارع ما بين قوات الجيش وميليشيا "الدعم السريع" ربما يمثل فرص مواتية لإعادة تموضع التنظيمات الإرهابية فى المناطق الحدودية التي سيكون لها تداعياتها على انتشار الفوضى في المناطق الحدودية بين السودان وجواره الإقليمي، وهو ما يشكل حواضن لتلك التنظيمات التي تنمو فى البيئات غير المستقرة.

ومع إعلان تنظيمات مثل "داعش" الإرهابي بأن إفريقيا أضحت ملاذًا آمنًا بعد هزيمتها فى معاقلها الرئيسية في العراق وسوريا، ما يجعل من استمرار وتعقد الأزمة السودانية فرصة لأنشطة تلك التنظيمات في المناطق الحدودية البعيدة عن السيطرة، ومع تزايد أنشطة تنظيم القاعدة الإرهابي في منطقة القرن الإفريقي، خاصة في الصومال، تصبح إفريقيا بين مطرقة مشكلات الداخل وسندان التنظيمات الإرهابية، بما يهدد الاستقرار والمصالح الأمريكية في تلك المنطقة في ظل التوجه الأمريكي نحو إعادة التموضع في دول القارة السمراء.

سيناريوهات مستقبلية

فى ظل تعقد المشهد السوداني، ما بين المكونين العسكريين (الجيش السوداني من ناحية وميليشيا الدعم السريع من ناحية أخرى) فإن بلورة الموقف الأمريكي إزاء الأزمة سيرتبط بما ستفضي إليه حقائق المواجهات بين الجانبين على أرض الواقع، وفى ظل احتمالية استمرار حرب الشوارع والمدن، فإن السيناريوهات المحتملة لأبعاد الموقف الأمريكي من الأزمة ستتخذ المسارات التالية:

(#) السيناريو الأول؛ التهدئة: ويقوم ذلك على تبنى الدول الغربية، وفى مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، خطابًا يدعم القوى الشرعية المتمثلة فى الجيش السوداني باعتباره المؤسسة الرسمية التي يجب دعمها والحفاظ على تماسكها، لا سيما أن ثمة تشرذم يواجه القوى السياسية والحزبية السودانية، وعدم قدرتها على بلورة موقف سياسي موحد في ظل اختلاف المنطلقات المصلحية والقبلية والمناطقية، فضلًا عن ضعف قدرات تلك القوى، لإفراز نخب قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية بكل تعقيداتها وتشابكاتها الداخلية والخارجية، وهو ما يجعل من دعم القوات المسلحة السودانية الخيار الأنسب للحفاظ على مقومات بقاء الدولة.

ويستند تحقق هذا السيناريو إلى تعزيز دور الوساطة الأمريكية من خلال ممثليها في السودان بدلًا من تكرار الدعوات بوقف إطلاق النار كان أحدثها في 19 أبريل 2023 عندما أشار فيدانت باتيلان، المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تكرر دعوتها لوقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، ومعربًا في الوقت نفسه عن ترحيب الخارجية الأمريكية بجهود منظمة "إيجاد" المعنية بالتنمية في الشرق الإفريقي فى معالجة أزمة السودان.

وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن

السيناريو الثاني؛ لا غالب ولا مغلوب: وهو السيناريو الذي يعد تقليدًا تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية إزاء صراعات المنطقة، في ظل الاتجاه نحو تقليل ارتباطاتها بمشكلاتها، وتبني استراتيجية التوجه شرقًا لمواجهة الصعود الصيني. ويستند ذلك السيناريو إلى اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية نحو التواصل مع الأطراف المتصارعة، وهو ما تجلى خلال الأزمة السودانية في اتصال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بقائد الجيش السوداني الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وقائد ميليشيا "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو "حميدتي".

ويؤدى هذا السيناريو إلى استنزاف قدرات الطرفين في المواجهات بما يضعف الجميع ويحقق معادلة توازن الضعف، بما يمكن القوى الغربية وفى مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية من توظيف مسارات الأزمة لخدمة مشاريعها في إفريقيا وخاصة منطقة القرن الإفريقي ودعم حلفائها، بما يحقق المصالح الأمريكية على حساب مقدرات الشعوب، وقد تجلى ذلك التوجه في سوريا والعراق، واليمن.

مجمل القول؛ إن المحدد الأهم للموقف الأمريكي من الأزمة السودانية يرتبط بالمصالح الأمريكية، فبرغم المشكلات الاقتصادية التي تواجه السودان جمدت الولايات المتحدة الأمريكية مساعدات بقيمة 700 مليون دولار بعد الإطاحة بحكومة حمدوك، كما لوّح كل من صندوق النقد والبنك الدوليين بإعادة النظر في مسألة الإعفاء من الديون، فضلًا عن استمرار الاهتمام الأمريكي بقانون دعم الانتقال الديمقراطي في السودان الذي صدر عن الكونجرس في ديسمبر 2020 بهدف تحجيم قدرات الجيش في إدارة اقتصاد البلاد. ومع اندلاع المواجهات الأخيرة بين قوات الجيش وميليشيا "الدعم السريع" اقتصرت الجهود الأمريكية على المناشدات دون تقديم وساطة ناجزة لوقف الاقتتال، وهو ما يعنى أن الحل الداخلي للأزمة السودانية يبقى هو المتغير الرئيسي لتسويتها بما يتطلب من القوى السياسية والحزبية والقبلية توحيد جهودها خلف الجيش ومساندته ودعمه لاستعادة الأمن والاستقرار في سودان تتكالب عليه قوى خارجية وداخلية تسعى لتفتيته ومصادرة مستقبله.