يواجه الأمريكيون الراغبون في شراء المنازل تحديًا غير متوقع خلال العام الجاري، بعدما ألقت الحرب على إيران بظلالها على سوق العقارات والتمويل العقاري في الولايات المتحدة، في وقت كان فيه كثير من المشترين ينتظرون انخفاض أسعار الفائدة على قروض الرهن العقاري لتخفيف أعباء شراء المنازل.
ورغم أن الصراع العسكري في الشرق الأوسط يبدو بعيدًا جغرافيًا عن سوق الإسكان الأمريكي، فإن تداعياته الاقتصادية تمتد إلى أسعار الطاقة وأسواق السندات والتضخم، وهي عوامل تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة الاقتراض العقاري، ما يزيد الضغوط على المشترين الذين يعانون بالفعل ارتفاع أسعار المنازل وتراجع القدرة الشرائية، بحسب صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.
ومع استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي، أصبحت آمال انخفاض فوائد الرهن العقاري مرتبطة بتطورات تتجاوز حدود الاقتصاد الأمريكي، خصوصا تحركات أسعار النفط وتوجهات المستثمرين في الأسواق المالية.
ارتفاع أسعار النفط
ووفقًا لـ "واشنطن بوست"، تلعب أسعار النفط دورًا أكبر مما يتوقعه كثيرون في تحديد تكلفة المعيشة والاقتراض، إذ يمكن أن تؤدي التوترات العسكرية في الشرق الأوسط والتهديدات التي تواجه إنتاج الطاقة أو طرق الشحن إلى ارتفاع أسعار النفط، وهو ما لا يقتصر تأثيره على أسعار الوقود، بل يمتد إلى الأغذية والسلع الاستهلاكية نتيجة زيادة تكاليف النقل والإنتاج.
ولا تتوقف التداعيات عند هذا الحد، إذ يمكن لارتفاع أسعار الطاقة أن يعزز المخاوف من استمرار التضخم، ما يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى على سندات الخزانة الأمريكية، التي تمثل إحدى أدوات الاقتراض الرئيسية للحكومة الأمريكية.
ورغم أن أسعار فوائد الرهن العقاري لا ترتبط بصورة مباشرة بعوائد سندات الخزانة، فإنها تتحرك غالبًا في الاتجاه نفسه، ما يجعل ارتفاع عوائد السندات عاملًا ضاغطًا على تكلفة تمويل شراء المنازل.
وبحسب بيانات مؤسسة "فريدي ماك"، بلغ متوسط سعر الفائدة على قروض الرهن العقاري ذات الفائدة الثابتة لمدة 30 عامًا نحو 7.24% في 29 أكتوبر، مقارنة بـ6.17% خلال الفترة نفسها من العام السابق، وهو ما يعكس زيادة أعباء التمويل على المشترين.
وعادة ما تدفع الأزمات الدولية المستثمرين إلى البحث عن الأصول الأكثر أمانًا، مثل سندات الخزانة الأمريكية، الأمر الذي قد يؤدي إلى انخفاض عوائدها، لكن التطورات الحالية لا تسير بالضرورة وفق هذا النمط التقليدي.
وأوضح باتريك بويل، مدير صندوق تحوط سابق وأستاذ زائر للتمويل في كلية كينجز بلندن، أن طبيعة الأزمة هي التي تحدد اتجاه الأسواق، مشيرًا إلى أن الصدمات التي تهدد النمو الاقتصادي وتضغط على الأسعار قد تدفع المستثمرين نحو الأصول الآمنة، بينما تؤدي الأزمات التي ترفع أسعار الطاقة في وقت يعاني فيه الاقتصاد بالفعل من التضخم إلى تغليب المخاوف التضخمية.
ارتفاع الفائدة
وتنعكس زيادة فوائد الرهن العقاري بصورة مباشرة على ميزانيات المشترين الجدد، إذ يمكن حتى للزيادات المحدودة في أسعار الفائدة أن تؤدي إلى ارتفاع كبير في الأقساط الشهرية والتكلفة الإجمالية للقروض.
وفي المقابل، لا يتأثر أصحاب المنازل الذين حصلوا بالفعل على قروض بفائدة ثابتة بهذه الزيادات، لأن أسعار الفائدة الخاصة بقروضهم محددة مسبقاً، بينما يتحمل المشترون المحتملون العبء الأكبر من ارتفاع تكلفة الاقتراض.
ولتوضيح حجم التأثير، إذا حصل شخص على قرض عقاري بقيمة 400 ألف دولار لمدة 30 عامًا وبفائدة تبلغ 6.5%، فإن القسط الشهري لأصل القرض والفوائد سيصل إلى نحو 2528 دولارًا. لكن إذا انتظر المشتري وارتفعت الفائدة بمقدار نقطة مئوية واحدة لتصل إلى 7.5%، فسيرتفع القسط الشهري إلى نحو 2797 دولارًا، أي بزيادة تقارب 269 دولارًا شهريًا.
وعلى مدار 30 عامًا، قد تعني هذه الزيادة تحمل نحو 100 ألف دولار إضافية مقارنة بالحصول على القرض بسعر الفائدة الأقل، بافتراض ثبات باقي العوامل.
وقال ستيفن بارانجي، مدير شركة "ألباين لخدمات الرهن العقاري"، إن الارتفاع الأخير في أسعار الفائدة يمثل ضربة إضافية للمشترين، خصوصًا أن أسعار المنازل شهدت بدورها زيادات كبيرة، ما يجعل حتى ارتفاع الفائدة بمقدار نصف نقطة مئوية كافيًا لإخراج بعض المشترين من السوق أو حرمانهم من شراء العقار الذي يستهدفونه.
وقارن بارانجي حالة عدم اليقين الحالية بالقفزات التي شهدتها فوائد الرهن العقاري خلال عامي 2021 و2022، محذرًا من صعوبة التنبؤ باتجاهات الفائدة المقبلة، حتى بالنسبة للمتخصصين في القطاع.