مرة أخرى، تراقب أوروبا البيت الأبيض بنظرات متحفزة، وسط مخاوف من أن يؤدي اقتراح إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الغامض بشأن ترتيب أمني جديد على مستوى أوروبا مع روسيا، إلى تهميش القارة لصالح زعيم الكرملين فلاديمير بوتين، بعدما قوبل الاقتراح بتشكيك من العواصم الأوروبية.
وفق النسخة الأوروبية لصحيفة "بوليتيكو"، يعكس الاقتراح الأمريكي الأخير القلق المتزايد بشأن التقارب الجديد بين ترامب وروسيا، في الوقت الذي تصعّد فيه واشنطن ضغوطها على أوكرانيا، وتحاول إدارة ترامب إحياء المحادثات المتوقفة منذ فترة طويلة لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية.
ويوم الجمعة، قالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، ردًا على الخطة الأمريكية: "لدينا بالفعل بنية أمنية أوروبية قائمة، حيث يؤدي كل من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي دوره المحدد".
وأضافت: "يجب علينا ضمان دمج أوكرانيا في هذه البنية. تكمن المشكلة في استمرار روسيا في خرق المعاهدات التي تقوم عليها هذه البنية... بوتين لا يملك حق النقض على الأمن الأوروبي".
كبير وجميل
في وقت متأخر من مساء الخميس (بالتوقيت الشرقي للولايات المتحدة)، تحدث الرئيس ترامب عن "اتفاق كبير وجميل"، عقب لقائه مع مبعوث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كيريل ديميترييف، مضيفًا أن الأمر "سيشمل أكثر من أوكرانيا، ويمكنني حتى أن أقول إنه قد يشمل أوروبا بأكملها".
وبعد ذلك بوقت قصير، أضاف جاريد كوشنر، صهر ترامب ومبعوثه: "هدفنا هو وضع ترتيبات عملية تعالج المخاوف الأمنية لجميع الأطراف، وتقلل من خطر الصراع في المستقبل، وتخلق بيئة أمنية أكثر استقرارًا وقابلية للتنبؤ".
وقال كوشنر إن الترتيب سيكون له خمسة أهداف، هي: "مشاورات أمنية دائمة، واتصالات موثوقة في الأزمات، وشفافية عسكرية أكبر، وتدابير متبادلة للحد من مخاطر التصعيد، وإطار عمل دائم للأمن والاستقرار الأوروبي على المدى الطويل".
لكن، وفق ما نقلته "بوليتيكو" عن ثلاثة دبلوماسيين من حلف شمال الأطلسي، لم يتم إطلاع حلفاء الناتو مسبقًا على الخطط الأمريكية، ولا يزال كثيرون منهم متشككين في الفكرة.
وقال أحدهم: "لا يزال ما قصده كوشنر غامضًا بعض الشيء. والرأي السائد في أوروبا هو أن أي نقاش مع روسيا حول البنية المستقبلية في الوقت الراهن سيُستغل من قبل موسكو لتبرير حججها، ولن يلقى ذلك قبولًا لدى الحلفاء الأوروبيين".
وأضاف مسؤول أوروبي رفيع المستوى: "حرفيًا، لا يوجد ما يمكن انتقاده، لكننا نعلم أن هناك شيئًا آخر يحدث".
مشكلة يتجاهلها الجميع
ينقل التقرير عن دبلوماسيين اثنين من الاتحاد الأوروبي أن بيورن سيبرت، كبير مستشاري رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، قدّم إحاطة لسفراء الاتحاد الأوروبي يوم الجمعة، وذلك عقب مناقشة بين مستشاري الأمن القومي حول هذه القضية.
وقال أحد الدبلوماسيين بعد الاجتماع: "هناك رغبة في الانخراط مع كييف وبقية أوروبا، رغم قلة الثقة بالروس، لكن الاتحاد الأوروبي لا يعرقل ذلك".
وأضاف: "لكن المجموعة المحيطة بترامب قلّلت من شأن أهمية الصراع بالنسبة لأوروبا، وكيف أن أي نتيجة سلبية لأوكرانيا ستكون خطيرة للغاية على أوروبا".
كما قال مسؤول أمني أوروبي رفيع المستوى: "إنه موقف راسخ لدينا ولدى كثيرين غيرنا، وهو أنه لا ينبغي مناقشة بنية الأمن الأوروبي في ظل وجود حرب، وبالتأكيد ليس من دون مشاركة الأوروبيين".
ومع ذلك، يخشى بعض الحلفاء أن تربط الولايات المتحدة مبادرتها الجديدة بمراجعة مرتقبة لانتشار القوات الأمريكية في أوروبا، والمتوقع إجراؤها في ديسمبر المقبل.
وقال دبلوماسي ثانٍ في حلف الناتو: "هذه هي المشكلة الحقيقية التي يتجاهلها الجميع. هناك فرق بين الحديث عن بنية الأمن الأوروبي بموقف أمريكي "عادي"، وبين الحديث عن بنية الأمن الأوروبي "كما ستكون عليه الأمور"، ولا أحد يعلم كيف ستكون".