الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

ترامب في البيت الأبيض والديمقراطيون في الكونجرس.. من يرسم مستقبل أوروبا؟

  • مشاركة :
post-title
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

مع سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس الأمريكي في انتخابات التجديد النصفي، تتجه الأنظار إلى حدود تأثير هذه النتيجة على العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، في ملفات أوكرانيا والتجارة والذكاء الاصطناعي وصعود اليمين الشعبوي، وفي تصريحات خاصة لموقع قناة "القاهرة الإخبارية"، اتفق جاستن راسل، المدير التنفيذي لمركز السياسة الخارجية العالمية (Global Foreign Policy Center)، والدكتور عبد الغني العيادي، المستشار السابق في البرلمان الأوروبي، على أن تغير أغلبية الكونجرس لا يعني تحولًا جذريًا في العلاقة عبر الأطلسي، إذ إن الرئيس دونالد ترامب لا يزال في البيت الأبيض ممسكًا بخيوط السياسة الخارجية، وأوروبا، بحسب العيادي، ماضية في بناء استقلاليتها الاستراتيجية أياً كانت نتيجة الانتخابات.

ترامب باقٍ والكونجرس يتحرك

يشدد "راسل" على أن أهم ما ينبغي وضعه في الاعتبار هو أن ترامب لا يزال رئيسًا، وأن النظام الأمريكي يتيح له وللبيت الأبيض تنفيذ استراتيجيتهما، بما في ذلك العلاقات الخارجية، رغم سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس.

ويرى أن دور الكونجرس الجديد يتركّز في القوانين التي يريد تمريرها لدعم القضية الأوكرانية وجهود الحلفاء الأوروبيين في دفع روسيا إلى الخروج من أوكرانيا.

ويوضح أن السياسة الخارجية تظل بيد البيت الأبيض، لكن الكونجرس قادر على تخصيص الأموال لدعم مبيعات السلاح العسكرية الخارجية إلى أوكرانيا، كما يستطيع من خلال قوانين التفويض السنوية الخاصة بوزارة الدفاع وعملياتها، أن يدرج بنوداً تلزم الوزارة بالتركيز على دعم كييف "بدلًا من أي مسار آخر قد يكون أكثر ودًا مع موسكو"، على حد تعبيره.

الدكتور عبد الغني العيادي المستشار السابق في البرلمان الأوروبي وجاستن راسل المدير التنفيذي لمركز السياسة الخارجية العالمية
الذكاء الاصطناعي

وفيما يتعلق باحتمال استخدام الكونجرس ملف تنظيم الذكاء الاصطناعي ورقة ضغط على أوروبا، يقول "راسل" إنه غير متأكد من أن الكونجرس سيركّز على السياسة الأوروبية في هذا المجال، إذ إن الولايات المتحدة، بحسبه، لا تزال تحاول تحديد كيفية التعامل مع الذكاء الاصطناعي نفسه، من مراكز البيانات والإطار القانوني إلى دوره في حياة الأمريكيين اليومية، قبل أن تنتقل إلى بحث انعكاساته على السياسة الخارجية.

ولا يستبعد راسل أن يراقب الكونجرس الموقف، لكنه يرى أن قضايا داخلية أكبر ستبقي اهتمامه منصبًا على الداخل، وما سيتناوله في ما يخص أوروبا والذكاء الاصطناعي هو الحماية من الاستخدام الخبيث لهذه التقنية ضد الولايات المتحدة، أي أنه سيعالجه بوصفه قضية أمن قومي ضمن ملف الدفاع الوطني، لا سياسة عامة شاملة.

السيناريوهات الأوروبية

من الجانب الأوروبي، ينبّه "العيادي" إلى أن قراءة هذه الانتخابات تتطلب منهجًا لا يكتفي بالأشخاص والخطابات الانتخابية، بل يميز بين الحكومات العابرة ومؤسسات الدولة ومصالحها الاستراتيجية الممتدة.

ويشير إلى الاختلاف التقليدي بين المدرسة الأوروبية، التي تميل إلى المقاربة الليبرالية المعيارية القائمة على القانون والمؤسسات والتعددية والتوافق، والمدرسة الأمريكية التي تمنح، في تقاليدها الواقعية، أولوية أكبر لموازين القوة والمصلحة الوطنية وفرض الإرادة.

ويرى أن هذا الاختلاف لا يلغي الشراكة بين الطرفين، لكنه يفسر بعض تبايناتهما.

وانطلاقًا من أن العلاقات الدولية لا تعرف صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، بل مصالح دائمة تتغير أدوات الدفاع عنها، يقول العيادي: "الرؤساء يرحلون، أما الدولة فتبقى بمؤسساتها وقوانينها والتزاماتها وتاريخها"، ولذلك يحذر من الخلط بين خطاب ساكن البيت الأبيض والثوابت الاستراتيجية للدولة الأمريكية.

وعلى هذا الأساس، لا يعتقد أن بروكسل تراهن على سيناريو انتخابي واحد، بل عليها الاستعداد لكل الاحتمالات، سواء سيطر الديمقراطيون على مجلس النواب وحده أو على المجلسين، أو احتفظ الجمهوريون بالأغلبية.

والأهم، في رأيه، أن أوروبا لم تكن تنتظر نتائج الانتخابات لتحدد مستقبلها، فهي ماضية في بناء قوتها المركبة وتعزيز استقلاليتها الاستراتيجية، "ليس في مواجهة الولايات المتحدة، وإنما داخل إطار الشراكة والاعتماد المتبادل معها"، عبر الانتقال من علاقة اعتماد غير متكافئة إلى شراكة أكثر توازنًا.

السياسة التجارية

وفي الملف التجاري، يرى "العيادي" أنه على أوروبا ألا تبني سياستها على الرهان على تغير الأغلبية داخل الكونجرس، فالسياسة الأمريكية لا تُختزل في نتائج الانتخابات النصفية، وصلاحيات الرئيس التنفيذية تظل مؤثرة في إدارة السياسة التجارية.

وتفاوض أوروبا واشنطن بوصفها شريكًا استراتيجيًا، لكنها لا تستطيع، بحسبه، أن تجعل مصالحها رهينة للتقلبات السياسية الأمريكية، فـ"التفاوض لا يعني التنازل، والشراكة لا تعني قبول الإملاءات".

ويضيف أن الاتحاد الأوروبي يمتلك أدوات قانونية وتجارية لحماية مصالحه، من بينها آلية مكافحة الإكراه الاقتصادي، فضلًا عن إمكانية اتخاذ تدابير مضادة وفق الأطر القانونية المعمول بها، لكنه يحذر من أن يتحول الرد إلى سباق تصعيد جمركي، لأن الاقتصادين الأوروبي والأمريكي مترابطان، وأي مواجهة تجارية واسعة ستكلف الطرفين كثيرًا.

ويرى "العيادي" أن القضية أعمق من الرسوم، فهي اختبار لقدرة أوروبا على تحويل وزنها الاقتصادي إلى قوة سياسية واستراتيجية، إذ لا قيمة لسوق ضخمة إذا عجزت عن حماية مصالحها الصناعية والتكنولوجية والتجارية.

والمعادلة التي تسعى إليها بروكسل، في قراءته، هي الحفاظ على الشراكة مع واشنطن وتقليص نقاط الضعف الناجمة عن الاعتماد المفرط على القرار الأمريكي، وهذا جوهر الاستقلالية الاستراتيجية، أي "أن تكون قادراً على التعاون دون أن تفقد القدرة على الاختيار".

التيارات الأوروبية الأمريكية

وبشأن الربط بين صعود اليمين الشعبوي في أوروبا وأجواء سياسية شجعتها واشنطن في عهد ترامب، يقول العيادي إن هذا الربط "يحتاج إلى تدقيق"، فهو يقر بوجود تقارب أيديولوجي وسياسي بين بعض هذه الأحزاب وحركة "ماجا"، وبأن الخطاب الأمريكي وفر لها دعمًا رمزيًا وإعلاميًا، لكنه يؤكد أن صعودها لا يمكن تفسيره بالعامل الأمريكي وحده، فللظاهرة جذور أوروبية داخلية ترتبط بأزمة الثقة في المؤسسات، والهواجس الاقتصادية والاجتماعية، وقضايا الهجرة والهوية، وتراجع قدرة الأحزاب التقليدية على تمثيل قطاعات واسعة من المواطنين.

ولذلك فإن خسارة الجمهوريين مجلسين قد تؤثر في الزخم الرمزي الذي تستمده بعض التيارات الأوروبية من واشنطن، لكنها لن تزيل الأسباب المحلية التي صنعت قوتها، بل قد نشهد، وفق العيادي، إعادة تموضع لدى بعضها، بالتأكيد على استقلالها الوطني والابتعاد عن مواقف أمريكية تتعارض مع مصالح بلدانها، خصوصاً في المجالين التجاري والأمني.

وفي المقابل، يحذر القوى السياسية الأوروبية من الاعتقاد بأن تراجع ترامب أو الجمهوريين سيحل أزمتها، فالشعبوية لا تُواجَه بخسارة حلفائها في الخارج، وإنما بمعالجة الأسباب التي دفعت المواطنين إلى فقدان الثقة في مؤسساتهم.

وعلى أوروبا، بحسبه، أن تستعيد قدرتها على إنتاج الثقة السياسية، بالتوازي مع بناء قوتها الاقتصادية والدفاعية والمؤسساتية.

المشرق العربي

ويتوقف العيادي عند موقع "العالم العربي، من المغرب الكبير إلى المشرق" في هذه المعادلة، فهو يرى أن الاختلاف بين واشنطن وبروكسل اختلاف تكتيكي في الأدوات والأولويات، لا في الخيارات الاستراتيجية الكبرى، لكنه يفتح هامشًا حقيقيًا أمام دول المنطقة، لا لتلعب على التناقضات أو تستبدل تبعية بأخرى، بل لتتموقع تموقعًا صحيحًا وتفاوض على مخرجات تعاون ملموسة في الطاقة والانتقال الطاقي، والأمن الغذائي، وسلاسل الإمداد والصناعة، والتكنولوجيا، والتنمية، وتدبير الهجرة والأمن.