لعقود، أيَّد المسؤولون الإيرانيون علنًا الفتوى الصادرة عن مرشدهم الأعلى الراحل علي خامنئي، والتي تحظر تطوير واستخدام الأسلحة النووية، والتي منعت المؤسسات الإيرانية، بما فيها الجيش والحرس الثوري، من السعي لامتلاك قنبلة نووية.
وللحد من التهديد النووي الإيراني، توصلت الولايات المتحدة وقوى عالمية أخرى إلى اتفاق مع إيران عام 2015 لتقييد أنشطتها النووية، لكن بعد ثلاث سنوات انسحب الرئيس دونالد ترامب -خلال ولايته الأولى- من ذلك الاتفاق.
في الوقت نفسه، زعمت وكالات الاستخبارات الغربية في السنوات الماضية وجود دلائل على أن إيران تُخصِّب اليورانيوم إلى مستويات قريبة من تلك التي يمكن استخدامها لصنع قنبلة، واتهم بعض المسؤولين في إسرائيل والولايات المتحدة إيران بالتحضير لصنع قنبلة، بغض النظر عن الفتوى.
لذلك، هناك دعوات متزايدة لكي تسعى إيران وراء الأسلحة النووية، في الوقت الذي ينخرط فيه قادة البلاد في جهود دبلوماسية لتجنب تجدد الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي أمر يُنظر إليه على أنه مرجَّح بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي أُجريَّت الثلاثاء.
نوايا متغيرة
تنقل صحيفة "نيويورك تايمز" عن محللين إقليميين ان إستراتيجية خامنئي كانت تتمثل في إبقاء نوايا إيران النووية غامضة على أمل ردع الهجمات على البلاد دون أن تصبح في الواقع قوة نووية، لكن هذا النهج فشل في منع الحربين اللتين شنَّتهما إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران منذ يونيو 2025، بما في ذلك الحرب التي قُتل فيها خامنئي نفسه في فبراير.
ويشير المحلل المختص بالشؤون الإيرانية محمد علي شباني إلى أن قادة طهران "دفعوا ثمن قنبلة لم تكن بحوزتهم، لذلك ثمة شعور بأنه ما لم تمتلك هذا السلاح الفتاك، فقد تجد نفسك تحت رحمة ليس فقط الولايات المتحدة، بل إسرائيل أيضًا، في أي لحظة".
في الواقع، تعزز تصريحات ترامب نفسه هذا التقييم، ففي المؤتمر الجمهوري للناخبين، في سبتمبر الماضي، قال: "لو كان لديهم سلاح نووي، لكنت سأتصل بالمرشد الأعلى وأقول: سيدي المرشد الأعلى، كيف حالك يا سيدي؟ هل هناك أي شيء يمكننا القيام به من أجلك؟ بدلًا من قصفه بشكل كامل".
ومنذ الهجوم الإسرائيلي الأمريكي في عام 2025، تتزايد الدعوات داخل إيران للانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي تحظر تطوير سلاح نووي، وفي الأسابيع الأخيرة انضم عدد متزايد من الشخصيات السياسية والدينية الإيرانية إلى هذه الجوقة، ما يشير لبعض المحللين الإيرانيين إلى وجود جهد منظم، أو على الأقل ممكّن، من قبل قيادة البلاد.
ومن غير الواضح ما إذا كان النقاش حول العقيدة النووية الإيرانية الحالية قد وصل إلى المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، لكن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي صرّح -في مقابلة على التلفزيون الرسمي السبت الماضي، بأن قادة إيران يناقشون هذا الموضوع.
وقال: "لم يتم اتخاذ أي قرار جديد بعد.. بالطبع، يدور النقاش الآن حول ما إذا كنا نريد الإبقاء على نفس المبدأ الذي كنا نتبعه قبل الحرب، في حال اندلاع الحرب مرة أخرى".
العقيدة النووية
تشير "نيويورك تايمز" إلى أن بعض الشخصيات الإصلاحية البارزة في إيران، مثل الرئيس مسعود بزشكيان والرئيس السابق حسن روحاني، لا تزال تدعم العقيدة النووية السلمية لإيران.
لكن هذا الأسبوع، حذر الدبلوماسي السابق كورش أحمدي في صحيفة "شرق"، وهي أبرز الصحف الإصلاحية في إيران، من أن التخلي عن هذا المبدأ ينطوي على مخاطر جسيمة.
وقال أحمدي إن كثرة التصريحات المؤيدة للأسلحة من شخصيات بارزة "خطيرة لأنها تزيد من صعوبة عمل المسؤولين الذين يحاولون منع نشوب حرب أخرى"، مشيرًا إلى أنه "إلى أن تتمكن إيران من صنع قنبلة، فإن احتمالات تعرضها للهجوم ستزداد في الواقع".
وينقل التقرير عن الخبير في الشؤون الإيرانية في مركز السياسة الدولية بواشنطن سينا طوسي، أنه "بعد أن قضت الضربات الأمريكية والإسرائيلية على معظم القيادة العليا الإيرانية ودمرت بنيتها التحتية، أصبح من الصعب على منتقدي الخيار النووي تقديم حججهم".
وقال: "المشكلة الرئيسية بالنسبة لأنصار ضبط النفس هي شرح ما الذي كسبته إيران من البقاء دون العتبة النووية"، لكن في الوقت نفسه حذَّر من أن جولة جديدة من الهجمات الأمريكية "قد تعزز الحجج المؤيدة للأسلحة النووية التي تقول واشنطن إنها تريد منعها".