الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

أعادت التوازن إلى واشنطن.. هل أنقذت الموجة الزرقاء أمريكا من ترامب؟

  • مشاركة :
post-title
عناصر الحرس الوطني الأمريكي خلال تأمين الانتخابات في واشنطن

القاهرة الإخبارية - أحمد صوان

لم تكن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مجرد خسارة انتخابية للحزب الجمهوري أو نجاح للديمقراطيين في استعادة مقاعد الكونجرس، بل عكست في واقعها تحولًا أوسع في علاقة الناخب الأمريكي بالسلطة التنفيذية، بعدما استخدم صناديق الاقتراع لإعادة تشكيل المؤسسة التي يُفترض أن تراقب الرئيس وتحد من تركّز السلطات في يده.

بعد عامين من عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بدا أن الرئيس الجمهوري يتمتع بهامش واسع للتحرك، مستفيدًا من سيطرة حزبه على مجلسَي الكونجرس، وقدرته على تمرير جانب كبير من أجندته، في وقت واجهت فيه محاولات الاعتراض على سياساته صعوبات داخل المؤسسة التشريعية.

لكن انتخابات الثلاثاء غيّرت هذه المعادلة، إذ حسم الديمقراطيون السيطرة على مجلس الشيوخ، بعدما انتزعوا عدة مقاعد، مخترقين معاقل انتخابية تقليدية للجمهوريين.

وفي مجلس النواب، أعلنت شبكتا "CNN وCBS News" توقعاتهما بفوز الديمقراطيين بالأغلبية، منهية بذلك السيطرة الجمهورية الضيقة على المجلس، ما يضع الحزبين أمام مرحلة جديدة من المواجهة السياسية مع انتقال الكونجرس إلى معسكر معارض للرئيس، وفقًا لتوقعات المؤسستين الإعلاميتين.

وبذلك تتجه واشنطن إلى انقسام حزبي جديد، يصبح فيه البيت الأبيض تحت قيادة الجمهوريين، بينما تنتقل السيطرة التشريعية إلى الديمقراطيين، بما يحد من قدرة ترامب على تمرير أجندته دون الدخول في مفاوضات مع خصومه السياسيين.

ضبط ميزان السلطة

تكمن أهمية النتائج في أنها جاءت بعد فترة اتسع خلالها نطاق استخدام السلطة التنفيذية في عهد ترامب، بينما لم يمارس الكونجرس، الذي كان يسيطر عليه الجمهوريون، رقابة تتناسب مع حجم القرارات التي اتخذتها الإدارة.

فقد استفاد الرئيس من الأغلبية الجمهورية لتمرير تشريعات رئيسية، كما اعتمد بدرجة كبيرة على الأوامر التنفيذية والقرارات الإدارية في تنفيذ أجندته المتعلقة بالهجرة والتجارة وإعادة هيكلة المؤسسات الفيدرالية.

ووفقًا لتحليلات مؤسسة "بروكينجز"، فإن وحدة السيطرة الحزبية على البيت الأبيض والكونجرس منحت ترامب مساحة أوسع للتحرك، في ظل غياب المواجهة التشريعية التي يمكن أن تنشأ عندما تكون الأغلبية البرلمانية في يد الحزب المعارض.

لكن نتائج الانتخابات كشفت أن قطاعات واسعة من الناخبين لم تعد راضية عن هذا التوازن. وأظهر استطلاع "أسوشيتد برس"، الذي أُجري خلال الفترة من 19 أكتوبر الماضي إلى 3 نوفمبر الجاري وشمل نحو 80 ألف ناخب، أن نحو 7 من كل 10 أمريكيين يرون أن الكونجرس لم يبذل ما يكفي لفرض الضوابط والتوازنات على سلطات الرئيس.

ولم تقتصر هذه الرغبة على الديمقراطيين، إذ شملت غالبية المستقلين ونحو 4 من كل 10 جمهوريين، في مؤشر على أن المطالبة برقابة أكبر على الإدارة تجاوزت حدود الانتماء الحزبي.

كما أظهر الاستطلاع أن نحو 6 من كل 10 ناخبين لا يوافقون على أداء ترامب، وأن نسبة مماثلة تعتقد أنه يعطي مصالحه الشخصية أولوية على مصالح البلاد.

وتكشف هذه الأرقام أن التصويت لم يكن مجرد تعبير عن رفض سياسات ترامب، بل ارتبط أيضًا بمطلب أوسع يتعلق باستعادة دور المؤسسة التشريعية باعتبارها سلطة موازنة للبيت الأبيض.

ضد ترامب

تقدم نتائج استطلاع "أسوشيتد برس" تفسيرًا إضافيًا لطبيعة التحول الانتخابي، إذ قال نحو 4 من كل 10 ناخبين إنهم صوتوا للتعبير عن معارضتهم لترامب، بينما لم تتجاوز نسبة من أرادوا التعبير عن تأييدهم له خُمس المشاركين تقريبًا، فيما قال آخرون إنه لم يكن عاملًا مؤثرًا في قرارهم.

كذلك، أظهرت النتائج أن نحو 6 من كل 10 ناخبين يحمّلون سياسات ترامب مسؤولية ارتفاع الأسعار، بينما رأى نحو ثلاثة أرباع المشاركين أن الولايات المتحدة تسير في الاتجاه الخاطئ، في ظل ضغوط اقتصادية ومخاوف متزايدة بشأن مستقبل البلاد.

وتقاطعت هذه المؤشرات مع نتائج استطلاع "واشنطن بوست" بالتعاون مع ABC News و"إبسوس"، الذي أظهر هبوط نسبة الموافقة على أداء ترامب إلى 33%، أكتوبر الماضي، وهو مستوى قياسي منخفض خلال ولايته الثانية.

كما كشفت التغطية الميدانية للانتخابات عن تحول في أنماط التصويت بين فئات ساعدت ترامب على الفوز، عام 2024، خصوصًا الشباب والناخبين من أصول لاتينية. ووفقًا لاستطلاع "أسوشيتد برس"، أيد نحو 7 من كل 10 ناخبين دون الثلاثين المرشح الديمقراطي لمجلس النواب في دوائرهم، بينما صوّت نحو 6 من كل 10 ناخبين لاتينيين للمرشحين الديمقراطيين.

ومع هذا، أظهر الاستطلاع نفسه أن نحو نصف الناخبين يحملون نظرة سلبية للحزب الديمقراطي، مقابل نحو 6 من كل 10 لديهم تقييم سلبي للحزب الجمهوري. وهنا تكمن الدلالة السياسية للموجة الزرقاء؛ فقد التقت حالة الاستياء الاقتصادي والمخاوف بشأن أداء المؤسسات الحكومية والرغبة في إعادة التوازن بين السلطات، دون أن تعني بالضرورة تحول الناخبين إلى مؤيدين لكل سياسات الحزب الديمقراطي.

استعادة الرقابة

مع انتقال الأغلبية إلى الديمقراطيين، سيكون التغيير الأكثر وضوحًا في قدرة المؤسسة التشريعية الأمريكية على مراقبة الإدارة التنفيذية، بعد أن تنتقل رئاسة اللجان الرئيسية إلى الحزب المعارض، بما يتيح له تحديد أولويات التحقيقات وجلسات الاستماع ومراجعة أداء المؤسسات الفيدرالية.

وتُعد التحقيقات البرلمانية من أهم الأدوات التي يمتلكها الكونجرس لممارسة الرقابة على الحكومة، إذ تستطيع اللجان المختصة استدعاء المسؤولين والشهود، وطلب الوثائق، وفحص القرارات الحكومية المتعلقة بالإنفاق والسياسات العامة وتطبيق القوانين.

ومن المتوقع أن تشمل أولويات الديمقراطيين مراجعة سياسات الهجرة وعمليات إنفاذ القانون التي نفذتها إدارة الهجرة والجمارك "ICE"، بجانب التحقيق في بعض المصالح التجارية المرتبطة بالرئيس وعائلته، ومشروعات الإنفاق الحكومي، والتعامل مع ملفات وزارة العدل "DOJ".

كما سيمنح امتلاك مجلس النواب الديمقراطيين نفوذًا أكبر في مفاوضات الموازنة والتمويل الحكومي، باعتبار أن المجلس يمتلك دورًا محوريًا في إقرار مشروعات الإنفاق والاعتمادات المالية.

وهنا يبدو أن المكسب الأساسي للديمقراطيين لا يتمثل في قدرتهم على إلغاء قرارات ترامب بصورة مباشرة، وإنما في زيادة التكلفة السياسية والقانونية لاستمرار بعض سياساته دون مراجعة أو مساءلة.

السيطرة على التعيينات

إذا كان مجلس النواب يمتلك نفوذًا أكبر في التحقيقات والإنفاق وبدء إجراءات العزل، فإن استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلس الشيوخ تحمل أهمية مختلفة تتعلق بقدرة ترامب على اختيار كبار المسؤولين والقضاة.

يمنح الدستور الأمريكي مجلس الشيوخ سلطة التصديق على تعيين الوزراء والسفراء وكبار المسؤولين وقضاة المحاكم الفيدرالية، بما في ذلك قضاة المحكمة العليا. وبالتالي، فإن انتقال رئاسة اللجان وأغلبية المجلس الأعلى إلى الديمقراطيين يعني أن ترشيحات ترامب الجديدة ستخضع لمراجعة أكثر تشددًا، وقد تواجه التأخير أو الرفض، خصوصًا في المناصب القضائية والإدارية الحساسة.

كما يتمتع مجلس الشيوخ بسلطة التصديق على المعاهدات الدولية بأغلبية الثلثين، وهي صلاحية تمنحه دورًا مباشرًا في بعض الملفات الرئيسية للعلاقات الخارجية، وإن كان ترامب يستطيع إبرام اتفاقات تنفيذية مع دول أخرى لا تخضع بالضرورة للموافقة نفسها.