واجه الحزب الجمهوري مؤشرات على تراجع دعم قطاعات انتخابية ساعدت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على العودة إلى البيت الأبيض في انتخابات 2024، بعدما أظهرت مقابلات مع ناخبين من أصول لاتينية ومسيحيين إنجيليين وشباب ومزارعين وقدامى المحاربين، تنامي الاستياء من سياسات الإدارة خلال العامين الماضيين، بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة والحرب في إيران وتشدد إجراءات الهجرة، فيما بدأ بعض هؤلاء الناخبين التفكير في دعم الديمقراطيين أو الامتناع عن التصويت.
واستندت هذه المؤشرات إلى مقابلات أجرتها هيئة الإذاعة الأسترالية "ABC" مع ناخبين ينتمون إلى مجموعات لعبت دورًا مهمًا في تشكيل تحالف ترامب الانتخابي، إذ نجح في 2024 في توسيع قاعدة دعمه بين فئات من الطبقة العاملة والشباب والناخبين من أصول لاتينية، لكن تراجع شعبيته خلال ولايته الثانية أثار تساؤلات بشأن قدرة الجمهوريين على الاحتفاظ بهذه الأصوات في انتخابات التجديد النصفي، المقررة الثلاثاء 3 نوفمبر.
قاعدة متراجعة
وكشفت مقابلات مع ناخبين لاتينيين عن تحول واضح في مواقف بعض الذين دعموا ترامب بسبب وعوده بخفض تكاليف المعيشة، إذ أعربت سيليا سالميرون، وهي مهاجرة من السلفادور ومقيمة دائمة في الولايات المتحدة وتعمل في مجال تصفيف الشعر بولاية ماريلاند، عن ندمها على التصويت له في 2024، معتبرة أن أوضاعها الاقتصادية تدهورت، وأن حملات ملاحقة المهاجرين أثرت سلبًا في مجتمعها وعملائها.
وأشارت سالميرون إلى فقدانها منزلها وسيارتها وعدم قدرتها على سداد ديون بطاقاتها الائتمانية، كما تحدثت عن تراجع النشاط التجاري في المنطقة التي يقع فيها صالونها، بعد عمليات نفذتها سلطات الهجرة والجمارك الأمريكية "ICE" وأثرت في عدد من العاملين والمتاجر المجاورة.
وعززت هذه الشهادات مؤشرات التراجع بين الناخبين اللاتينيين، بعدما ارتفعت نسبة تأييد ترامب بينهم من 32% في انتخابات 2020 إلى 48% في انتخابات 2024، وفق استطلاعات متعددة، بينما أظهر استطلاع حديث لصحيفة "نيويورك تايمز" وكلية "سينا" تقدم الديمقراطيين بفارق 30 نقطة بين هذه الكتلة الانتخابية، بما يشير إلى احتمال حدوث تحول كبير في اتجاهات التصويت.
انقسامات دينية
وأظهرت مقابلات مع ناخبين مسيحيين إنجيليين أن التأييد لترامب لم يتراجع بالقدر نفسه لدى جميع أفراد هذه القاعدة، إذ لا يزال بعضهم يساند سياساته المتعلقة بالهجرة والقضايا الاجتماعية، لكن تصرفاته الشخصية وخطابه أثارا تحفظات لدى آخرين، خصوصًا بعد نشر صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي ظهر فيها الرئيس في هيئة المسيح، قبل أن يحذفها عقب موجة انتقادات.
وأعرب جون إدواردز، وهو مسؤول كنسي يبلغ 31 عامًا في كنيسة معمدانية بولاية جورجيا، عن استيائه من الصورة، لكنه أبدى تقييمًا إيجابيًا نسبيًا لأداء ترامب خلال ولايته الثانية، مشيرًا إلى رضاه عن سياساته المتعلقة بالهجرة والقضايا المرتبطة بالنوع الاجتماعي، رغم عدم حسم موقفه الانتخابي بالكامل، وميله إلى دعم المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ في جورجيا جون أوسوف.
وامتد الاستياء إلى أنصار حركة "لنجعل أمريكا صحية مجددًا" المعروفة اختصارًا باسم "MAHA"، التي ارتبطت بوزير الصحة روبرت كينيدي جونيور، إذ قالت تريشيا بوش، وهي أم لثلاثة أطفال من ولاية أيوا، إنها شعرت بالخيانة بعدما لم تتحقق وعود الحركة بشأن تقليص استخدام المواد الكيميائية في الأغذية، رغم استمرارها في دعم مرشح جمهوري لمنصب حاكم الولاية، مع تأكيدها أنها لا تريد له أن يتحول إلى مجرد تابع لترامب.
أعباء اقتصادية
وشكّلت الأوضاع الاقتصادية عاملًا رئيسيًا في تغيير مواقف بعض الناخبين السود، إذ أعلن أفري توينز، وهو صاحب شركة نقل في ولاية ميسيسيبي، تخليه عن دعم الجمهوريين بعدما كان يصوت لهم طوال حياته، واتجه إلى تأييد المرشحين الديمقراطيين في مختلف السباقات، معتبرًا أن وعود ترامب بتحسين الأوضاع لم تتحقق، وأن ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة دفع شركته إلى الاقتراض للحفاظ على نشاطها والوفاء بالتزاماتها تجاه العاملين.
وجاء هذا التحول رغم أن ترامب حقق تقدمًا ملحوظًا بين الناخبين السود في انتخابات 2024 مقارنة بعام 2020، وإن ظلت الأغلبية منهم قد صوتت لمنافسته الديمقراطية كامالا هاريس، فيما عكس موقف توينز احتمال خسارة الجمهوريين بعض المكاسب التي حققوها داخل هذه الشريحة.
وفي المقابل، لم تدفع الضغوط الاقتصادية جميع المزارعين إلى التخلي عن الحزب الجمهوري، إذ قال سكوت تومسن، وهو مزارع من الجيل الرابع في ولاية نبراسكا، إنه يشعر بالقلق من ارتفاع أسعار الديزل والأسمدة والمعدات الزراعية وانكماش هامش أرباح مزرعته، لكنه يعتزم مواصلة التصويت للمرشحين الجمهوريين، مطالبًا ترامب بالتركيز على خفض الدين العام ومعالجة المشكلات الداخلية، بدلًا من الانخراط في الحرب مع إيران.
رفض الحرب
وأثار استمرار الحرب مع إيران تحفظات بين قدامى المحاربين، إذ أعرب ديل كينج، وهو ضابط سابق شارك في مهمتين عسكريتين بالعراق ويقيم في ولاية أوهايو، عن رفضه إرسال جيل جديد من الأمريكيين إلى صراع في الشرق الأوسط دون أهداف واضحة أو تصور لنهايته، معتبرًا أن التجربة العراقية كان ينبغي أن تمنع تكرار الأخطاء نفسها.
ولم يحسم كينج المرشح الذي سيصوت له، لكنه أكد أنه لن يدعم أي مرشح يؤيد استمرار الحرب، مشيرًا إلى أنه شعر بالخداع من ترامب بعدما كان قد انجذب سابقًا إلى صورته باعتباره مرشحًا مناهضًا للمؤسسة السياسية التقليدية.
وامتد الاستياء إلى الشباب، خصوصًا الرجال دون الثلاثين عامًا الذين أسهموا في تعزيز فرص ترامب خلال انتخابات 2024، إذ أظهرت استطلاعات سابقة أن 56% من هذه الفئة ممن شاركوا في التصويت دعموا الرئيس، لكن نيك ألفرسون، البالغ 26 عامًا والطالب الجامعي من ولاية بنسلفانيا، قال إنه يشعر بخيبة أمل بسبب تراجع فرص جيله في امتلاك المنازل وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب معارضته الحرب في إيران.
التردد أو المقاطعة
ورغم غضبه من سياسات ترامب، لم يتجه ألفرسون إلى تأييد الديمقراطيين، بل قرر الامتناع عن التصويت إلى أن يظهر مرشح يعبر عن قيمه، وهو ما يعكس أن تراجع التأييد الجمهوري لا يعني بالضرورة انتقال جميع الناخبين الساخطين إلى المعسكر الديمقراطي.
وأظهرت هذه المواقف تباينًا داخل المجموعات التي دعمت ترامب في 2024، فبينما قرر بعض الناخبين التحول إلى الديمقراطيين، فضل آخرون البقاء مع الجمهوريين رغم انتقاداتهم للرئيس، فيما اتجه فريق ثالث إلى التردد أو المقاطعة، بما يجعل حجم المشاركة الانتخابية وقدرة الحزبين على استقطاب الناخبين الساخطين عاملين حاسمين في تحديد نتيجة انتخابات التجديد النصفي.