الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

أمريكا تبدأ من الصفر في سباق تصنيع المسيرات العسكرية منخفضة التكلفة

  • مشاركة :
post-title
صنع المسيّرات

القاهرة الإخبارية - أحمد أنور

سارعت الولايات المتحدة إلى توسيع قدراتها في تصنيع الطائرات المُسيّرة العسكرية منخفضة التكلفة، بعدما كشفت الحرب الروسية الأوكرانية عن فجوة كبيرة بين حجم الإنتاج الأمريكي ونظيره في روسيا والصين، اللتين أصبحتا قادرتين على تصنيع ملايين المسيّرات سنويًا، في وقت تواجه فيه واشنطن تحديات تتعلق بسلاسل التوريد، والاعتماد على المكونات الصينية، وبيروقراطية المشتريات العسكرية.

وكشف تقرير نشرته وكالة "بلومبرج" أن وزارة الحرب الأمريكية خصصت نحو 1.1 مليار دولار لبرنامج "هيمنة المسيرات" (Drone Dominance)، بهدف شراء نحو 250 ألف طائرة مسيرة بحلول نهاية عام 2027، فيما أقر مسؤولون أمريكيون بأن البلاد تبدأ من قاعدة إنتاج محدودة للغاية، رغم امتلاكها شركات مبتكرة في هذا المجال، لكنها تفتقر إلى القدرة على التصنيع بأعداد ضخمة تلبي احتياجات الحروب الحديثة.

 سباق الإنتاج

بدأت شركة "فيكتور ديفنس" الأمريكية، مقرها ولاية يوتا، في توسيع منشآتها لتصنيع الطائرات المسيّرة الرباعية الصغيرة، بعدما كانت تنتج بضع مئات منها شهريًا، وتستهدف رفع الإنتاج إلى آلاف الوحدات عقب حصولها على عقد جديد من وزارة الحرب الأمريكية، سبتمبر الماضي. وقال رئيسها التنفيذي، آندي ياكيوليس، إن النجاح في هذا القطاع يتطلب تحقيق إنتاج واسع النطاق، معتبرًا أن المسيّرات أصبحت أشبه بالذخائر التقليدية التي تُستهلك خلال العمليات العسكرية.

وأوضح القائم بأعمال مدير وحدة الابتكار الدفاعي في البنتاجون، ترافيس ميتز، أن الولايات المتحدة تمتلك قاعدة من الشركات الناشئة المتخصصة في المسيرات، لكنها لم تنجح حتى الآن في بناء قدرات إنتاجية واسعة، ما دفع الإدارة الأمريكية إلى إطلاق برنامج تنافسي يمنح الشركات عقودًا متزايدة، وفقًا لنتائج الاختبارات وقدرتها على تلبية الطلبات الكبيرة.

وفي المقابل، كشفت بيانات الاستخبارات الأوكرانية أن روسيا يُتوقع أن تنتج نحو 7.3 مليون مسيّرة صغيرة قابلة للاستهلاك، خلال العام الجاري، بينما تمتلك الصين القدرة على رفع إنتاجها إلى نحو 500 ألف وحدة شهريًا، وفق تقديرات "بلومبرج إنتليجنس". فيما قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن بلاده تستهدف تصنيع 10 ملايين مسيّرة، خلال العام الجاري، مع خطط لمضاعفة الإنتاج لاحقًا.

عقبات الإمداد

واجهت الشركات الأمريكية صعوبات في توفير المكونات الأساسية، إذ تهيمن الصين على إنتاج عدد كبير من الأجزاء المستخدمة في تصنيع المسيّرات، بما يشمل البطاريات والمحركات الكهربائية والمراوح والكاميرات، بينما فرضت واشنطن قيودًا متزايدة على استخدام المكونات الصينية في الأنظمة العسكرية، ما أجبر المصنعين الأمريكيين على البحث عن موردين محليين أو شركات في دول حليفة، غالبًا بتكاليف أعلى.

وأوضحت شركة "تيل درونز" في ولاية يوتا أنها تنتج شهريًا نحو ألف مسيّرة استطلاع من طراز "بلاك ويدو"، ونحو ألفي مسيرة من طراز "فانج" التي تعمل بتقنية الرؤية المباشرة، لكن مسؤوليها أشاروا إلى أن المحركات والكاميرات والبطاريات تمثل أغلى مكونات الطائرات، وأن شراءها من موردين ملتزمين بالمعايير الأمريكية يكلف أكثر من الحصول عليها من الصين.

وفي المقابل، أكد الرئيس التنفيذي لشركة "سكاي ديو" الأمريكية، آدم براي، أن شركته نجحت في إنهاء اعتمادها المباشر على الصين، لكنه حذر من صعوبة التخلص الكامل من المكونات الصينية في سلاسل التوريد الإلكترونية، بسبب تعدد طبقات الموردين، ما يجعل التحقق من مصدر كل مكون تحديًا معقدًا.

وزادت الإدارة الأمريكية ضغوطها على الواردات الصينية، بعدما وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا، يونيو 2025، لتشجيع التصنيع المحلي للمسيّرات، وفرض في أغسطس رسومًا جمركية وصلت إلى 100% على المسيّرات المستوردة ومكوناتها، ضمن مساعي تقليص الاعتماد على الصين في الصناعات الدفاعية.

 بيروقراطية عسكرية

اصطدمت خطط التوسع الإنتاجي أيضًا بإجراءات المشتريات داخل البنتاجون، الذي اعتاد تطوير وشراء أنظمة عسكرية باهظة الثمن، مثل الغواصات والمقاتلات، عبر دورات طويلة من التصميم والاختبار والتعاقد، وهي آلية لا تتناسب بالضرورة مع صناعة المسيّرات، التي تتغير تقنياتها واحتياجاتها الميدانية، خلال أسابيع قليلة.

وأظهرت تجربة مبادرة "ريبليكاتور" التي أطلقتها إدارة الرئيس السابق جو بايدن، أغسطس 2023، صعوبة تجاوز هذه العقبات، إذ استهدفت إنتاج آلاف المسيّرات الهجومية ذاتية التشغيل، خلال 24 شهرًا، لكنها لم تتمكن في النهاية إلا من تصنيع مئات الوحدات، بحسب مصدر مطلع، فيما أرجع مسؤولون سابقون هذا التعثر إلى محدودية التمويل والتعقيدات الإدارية.

وفي إطار البرنامج الحالي، اختار البنتاجون، مارس الماضي، 11 شركة من بين نحو 24 شركة متنافسة لتصنيع 30 ألف مسيّرة مقابل 150 مليون دولار، لكن ثلاث شركات فقط كانت استكملت تسليم طلباتها بحلول منتصف سبتمبر، بينما بلغ متوسط تكلفة المسيّرة في المرحلة الأولى نحو 5 آلاف دولار، مع توقعات بانخفاض السعر كلما زادت الكميات المنتجة.

واختارت وزارة الحرب، منتصف سبتمبر، 10 شركات فائزة ضمن مرحلة جديدة تستهدف شراء 60 ألف مسيّرة، بينها شركة "فيكتور ديفنس". كما تعاقد الجيش الأمريكي مع شركة "نيروس"، يونيو، بعقد قد تصل قيمته إلى 500 مليون دولار، لتوريد مسيّرات صغيرة تعمل بتقنية الرؤية المباشرة، في حين تستهدف شركة "إيروفيرونمنت" إنتاج 400 مسيّرة انتحارية من طراز "سويتش بليد" شهريًا بحلول العام المقبل.

 فجوة عالمية

وسعت واشنطن استثماراتها في القطاع، بالتوازي مع تدفق رؤوس أموال خاصة تجاوزت 60 مليار دولار إلى أكثر من 220 شركة أمريكية متخصصة في المسيّرات والأنظمة الذاتية، خلال الفترة من بداية عام 2025 حتى نهاية سبتمبر 2026، بينما أعلنت أكثر من 80 شركة إنشاء منشآت تصنيع جديدة أو توسيع منشآتها القائمة، بمساحة إجمالية تجاوزت 15.8 مليون قدم مربعة.

كما أطلق الجيش الأمريكي سوقًا إلكترونية للمسيّرات، مارس الماضي، تتيح للوحدات العسكرية اختيار الأنظمة وتقديم طلبات الشراء وتقييم المنتجات، على غرار منصات التسوق التجارية. وتجاوز حجم المعاملات عبر المنصة 850 مليون دولار، لكن المشتريات الفعلية من المسيّرات الصغيرة اقتصرت على 450 وحدة من 21 موردًا، في حين تسلم الجيش نحو 8500 مسيرة صغيرة خلال السنة المالية 2026، عبر برنامج "هيمنة المسيّرات" وبرامج أخرى.

وحاول البنتاجون معالجة نقص المكونات من خلال تقديم قروض مشروطة لشركات التصنيع، بينها شركة "بيرفورمانس درون ووركس"، التي حصلت على قروض بقيمة 820 مليون دولار، وتستهدف رفع قدرتها الإنتاجية بحلول نهاية عام 2028، إلى مليون مكون أساسي للمسيرات سنويًا، مقابل قدرة حالية تبلغ 10 آلاف منظومة مسيرة كاملة سنويًا.

ورغم هذه الاستثمارات، حذّر مسؤولون عسكريون سابقون من أن القدرات الحالية لا تزال بعيدة عن احتياجات حرب واسعة النطاق، إذ قال ترينت إيمينكر، الطيار السابق في مشاة البحرية الأمريكية، إن البلاد تحتاج إلى إنتاج مليون مسيّرة شهريًا لمواجهة سيناريو عسكري كبير، معتبرًا أن بناء هذه القدرة أصبح ضرورة عاجلة.