الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

التجديد النصفي| القضايا العالقة والمرشحون المحتملون.. دليل شامل للانتخابات الأمريكية

  • مشاركة :
post-title
صورة تعبيرية بالذكاء الاصطناعي

القاهرة الإخبارية - تقى أبو هيبة

بعد أيام، تتجه الولايات المتحدة إلى انتخابات التجديد النصفي، المقررة في 3 نوفمبر 2026، في استحقاق يتجاوز اختيار أعضاء جدد للكونجرس، ليصبح اختبارًا سياسيًا واسعًا لشعبية الرئيس دونالد ترامب، وقدرة الحزب الجمهوري على الاحتفاظ بأغلبيته التشريعية، في وقت تواجه فيه الإدارة الأمريكية ضغوطًا متزايدة بسبب الأوضاع الاقتصادية، وتداعيات الحرب على إيران، والانقسامات الداخلية بشأن عدد من الملفات السياسية والخارجية.

وتكتسب هذه الانتخابات أهمية استثنائية؛ كونها تأتي في منتصف الولاية الرئاسية الثانية لترامب، وتحدد شكل العلاقة بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية خلال العامين الأخيرين من حكمه؛ فاحتفاظ الجمهوريين بالسيطرة على مجلسي الكونجرس يمنح الإدارة مساحة أوسع لتمرير أجندتها، بينما قد يؤدي انتقال الأغلبية إلى الديمقراطيين، ولو في أحد المجلسين فقط، إلى تغيير موازين القوى في واشنطن، وتعزيز الرقابة البرلمانية على قرارات الرئيس وسياساته.

وتتزامن الانتخابات مع تصاعد المنافسة بين الحزبين؛ على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود والرعاية الصحية، إلى جانب الجدل حول الهجرة والسياسات التجارية والحرب على إيران، وهي ملفات باتت تتداخل فيها الاعتبارات الداخلية مع تداعيات الدور الأمريكي على الساحة الدولية.

الكونجرس الأمريكي وصلاحياته

يُمثّل الكونجرس السلطة التشريعية الاتحادية في الولايات المتحدة، ويتكون من مجلسين، هما مجلس النواب ومجلس الشيوخ، ويشتركان في إصدار القوانين ومراقبة أداء السلطة التنفيذية، مع امتلاك كل منهما صلاحيات دستورية منفردة.

ويضم مجلس النواب 435 عضوًا، تُوزَّع مقاعدهم على الولايات وفقًا لعدد السكان، وليس المساحة الجغرافية، إذ تحصل الولايات ذات الكثافة السكانية الأكبر على عدد أكبر من الممثلين. وتبلغ مدة عضوية النائب عامين، ولذلك تُطرَح جميع مقاعد المجلس للانتخاب خلال كل انتخابات نصفية.

أما مجلس الشيوخ، فيضم 100 عضو، بواقع عضوين عن كل ولاية من الولايات الخمسين، بصرف النظر عن مساحتها أو عدد سكانها. وتبلغ مدة عضوية السيناتور ست سنوات، مع إجراء الانتخابات على نحو يضمن تجديد نحو ثلث أعضاء المجلس كل عامين، بدلًا من تغيير تركيبته بالكامل في وقت واحد.

ويتمتع مجلس النواب بصلاحيات خاصة، من بينها تقديم مشروعات قوانين الضرائب والإيرادات، وبدء إجراءات عزل الرئيس والمسؤولين الاتحاديين، وانتخاب الرئيس في حالات عدم حصول أي مرشح على الأغلبية المطلوبة في المجمع الانتخابي، وفق إجراءات دستورية محددة.

في المقابل، ينفرد مجلس الشيوخ بالموافقة على تعيينات رئاسية رئيسية، من بينها الوزراء والقضاة الاتحاديون وكبار المسؤولين، فضلًا عن التصديق على المعاهدات الدولية بأغلبية ثلثي الأعضاء الحاضرين. كما يتولى مجلس الشيوخ محاكمة المسؤولين الذين يحيلهم مجلس النواب إليه في قضايا العزل.

ويتطلب إقرار التشريعات الاتحادية موافقة المجلسين على النص نفسه قبل إحالته إلى الرئيس للتوقيع عليه. ويملك الرئيس حق الاعتراض على القوانين (Veto)، لكن الكونجرس يستطيع تجاوز هذا الاعتراض إذا وافق ثلثا أعضاء كل مجلس على مشروع القانون مرة أخرى.

ولا تقتصر أهمية الكونجرس على إصدار القوانين؛ إذ يمتلك أدوات للرقابة على الإدارة الأمريكية، تشمل عقد جلسات الاستماع، وطلب الوثائق، واستدعاء المسؤولين، وإجراء التحقيقات بشأن القرارات والسياسات الحكومية.

الانتخابات النصفية

تُعرَف انتخابات التجديد النصفي بـ"Midterm Elections"؛ لأنها تُجرى في منتصف فترة الرئاسة الأمريكية الممتدة لأربع سنوات، وتُمثّل محطة انتخابية رئيسية لتجديد عضوية الكونجرس، إلى جانب انتخاب عدد من المسؤولين على مستوى الولايات والمناطق المحلية.

ومن المقرر إجراء الانتخابات يوم الثلاثاء 3 نوفمبر، وهو الموعد الذي يأتي وفق القاعدة الدستورية التي تحدد يوم الانتخابات العامة بأنه الثلاثاء التالي بعد أول "يوم اثنين" من شهر نوفمبر.

وتشمل الانتخابات جميع مقاعد مجلس النواب الأمريكي، البالغ عددها 435 مقعدًا، إلى جانب 35 مقعدًا في مجلس الشيوخ، منها 33 مقعدًا في الانتخابات الدورية، ومقعدان في انتخابات خاصة، فضلًا عن سباقات انتخابية أخرى تختلف من ولاية إلى أخرى.

وتختلف الانتخابات النصفية عن الانتخابات الرئاسية في أنها لا تتضمن اختيار رئيس جديد؛ لكنها تؤثر بصورة مباشرة في قدرته على تنفيذ برنامجه السياسي، إذ تمنح نتائجها الحزب الفائز فرصة السيطرة على المؤسسة التشريعية الاتحادية أو تعزيز نفوذه داخلها.

أهمية حاسمة

تُحدِد انتخابات التجديد النصفي قدرة دونالد ترامب على الاحتفاظ بالدعم التشريعي اللازم لتنفيذ أجندته خلال ما تبقى من ولايته؛ في ظل تمتُّع الجمهوريين بأغلبية ضيقة في مجلس النواب، بواقع 218 مقعدًا مقابل 214 للديمقراطيين، وأغلبية في مجلس الشيوخ تبلغ 53 مقعدًا مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين المتحالفين معهم.

ويحتاج الديمقراطيون إلى مكاسب صافية لا تقل عن أربعة مقاعد في كل مجلس لانتزاع الأغلبية، وسط مؤشرات استطلاعية تمنحهم أفضلية في التصويت العام؛ إذ أظهر استطلاع أجرته "رويترز"، في 26 أكتوبر، تقدمهم بنسبة 53% مقابل 44% للجمهوريين بين الناخبين المحتملين، بالتزامن مع تراجع معدل تأييد ترامب إلى 32%.

ولا يعني فقدان الجمهوريين للأغلبية شلل الإدارة، لكنه سيمنح الديمقراطيين نفوذًا أكبر داخل الكونجرس، من خلال رئاسة اللجان وفتح التحقيقات ومراقبة أداء الإدارة في مجلس النواب، والتأثير في تمرير التعيينات القضائية والحكومية والمعاهدات في مجلس الشيوخ. وفي المقابل، سيحتفظ ترامب بحق النقض الرئاسي وصلاحياته التنفيذية، لكن تمرير أجندته سيصبح أكثر صعوبة، مع ارتفاع احتمالات المواجهة بين البيت الأبيض والكونجرس.

وتبدو معركة مجلس الشيوخ أكثر تعقيدًا، مع ترقُّب نتائج سباقات في ولايات مثل ألاسكا وأيوا وماين وميشيجان وأوهايو وتكساس، حيث يتنافس مرشحون بارزون من الحزبين على مقاعد قد تحدد هوية الأغلبية المقبلة. وتكتسب هذه المواجهات أهمية إضافية؛ لأن عددًا من تلك الولايات صوّت لصالح ترامب في انتخابات 2024، ما يجعل نتائجها مؤشرًا على اتجاهات الناخبين ومدى استمرار دعمهم للحزب الجمهوري.

قضايا وخيارات

تتداخل في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 مجموعة من القضايا الداخلية والخارجية، يأتي في مقدمتها الاقتصاد والرعاية الصحية والحرب على إيران والهجرة والسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل وأوكرانيا.

وأظهر استطلاع لمؤسسة "جالوب"، نُشر في 29 أكتوبر، أن الاقتصاد والرعاية الصحية يتصدران اهتمامات الناخبين، إذ اعتبر 50% من المشاركين أن كلًا منهما مهم للغاية عند اختيار مرشحي الكونجرس، مقابل 47% للوضع في إيران.

ويُمثّل ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الغذاء والوقود والإسكان أحد أبرز التحديات أمام الجمهوريين؛ في ظل استمرار تحميل الإدارة مسؤولية الأوضاع الاقتصادية. وأظهر استطلاع "رويترز" أن 73% من المشاركين يرون أن تكاليف المعيشة تسير في الاتجاه الخاطئ، مع تقدم الديمقراطيين في ثقة الناخبين بشأن إدارة الاقتصاد.

كما تفرض الحرب الأمريكية على إيران نفسها على المنافسة الانتخابية؛ بسبب تداعياتها الأمنية والاقتصادية، خصوصًا المخاوف المتعلقة بأمن الملاحة في مضيق هرمز وأسعار الطاقة والإنفاق العسكري. وتثير العمليات العسكرية جدلًا بشأن صلاحيات الرئيس والكونجرس؛ إذ لا تتطلب كل ضربة عسكرية موافقة مسبقة من السلطة التشريعية، وإن كان الكونجرس يمتلك أدوات الرقابة والتمويل والضغط على الإدارة.

وفي الداخل، تحتل تكاليف الرعاية الصحية والإجهاض موقعًا مهمًا في النقاش الانتخابي، وسط خلافات بين الحزبين بشأن دور الحكومة الفيدرالية في توفير الخدمات الطبية وتوسيع التغطية الصحية، إلى جانب مستقبل الحقوق الإنجابية بعد قرار المحكمة العليا عام 2022 بإعادة تنظيم الإجهاض إلى الولايات.

أما السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، فتُمثّل نقطة خلاف داخل الحزب الديمقراطي، خصوصًا مع دعوات التيار التقدمي إلى تقييد المساعدات العسكرية وربطها بالتزامات تتعلق بالقانون الدولي وحقوق الفلسطينيين. وفي المقابل، لا يزال تيار آخر داخل الحزب يدعم استمرار المساعدات الأمنية لإسرائيل، مع اختلافه بشأن شروطها.

كما يستمر الخلاف بشأن الحرب الروسية الأوكرانية؛ في ظل توجُّه ترامب إلى إعادة تقييم المساعدات الأمريكية لكييف وإعطاء أولوية للمفاوضات، مقابل دعوات داخل الحزب الديمقراطي لمواصلة الدعم العسكري والمالي، وإن اختلفت مواقف أعضائه بشأن حجمه وشروطه.

وتظل الهجرة وأمن الحدود من الملفات الرئيسية للمنافسة، إذ يدافع الجمهوريون عن تشديد إجراءات الرقابة والترحيل، بينما ينتقد الديمقراطيون بعض ممارسات الإدارة ويدعون إلى إصلاح نظام الهجرة وتوسيع المسارات القانونية.

وعلى صعيد السياسة الخارجية، يبرز مستقبل المساعدات الإنسانية بعد إنهاء عمليات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) وإعادة هيكلة برامجها، إلى جانب الجدل بشأن انسحاب واشنطن من عدد من المنظمات والاتفاقيات الدولية، وما يترتب على ذلك من تغير في دور الولايات المتحدة داخل المؤسسات متعددة الأطراف.

ماذا سيحدث؟

تتوقف طبيعة المرحلة السياسية المقبلة على توزيع المقاعد داخل مجلسي الكونجرس، ويُمكن تصوُّر ثلاثة سيناريوهات رئيسية؛ الأول: هو احتفاظ الجمهوريين بالأغلبية في المجلسين، ويُمثّل هذا السيناريو أفضل النتائج بالنسبة إلى ترامب؛ إذ يسمح له بالاحتفاظ بدعم تشريعي واسع لأجندته، ويُحِدُّ من قدرة الديمقراطيين على فتح تحقيقات برلمانية واسعة أو تعطيل مشروعات الإدارة. كما يمنح الجمهوريين قدرة أكبر على تمرير الميزانيات والتشريعات، والموافقة على التعيينات الرئاسية، مع استمرار التحديات المرتبطة بالخلافات داخل الحزب نفسه.

السيناريو الثاني: هو فوز الديمقراطيين بمجلس النواب فقط، ويمنح هذا السيناريو الديمقراطيين فرصة لاستعادة إحدى أهم أدوات الرقابة على السلطة التنفيذية، من خلال رئاسة اللجان البرلمانية وإجراء التحقيقات واستدعاء مسؤولي الإدارة.

وقد يؤدي ذلك إلى تصاعد المواجهات بين البيت الأبيض والكونجرس، خصوصًا بشأن الحرب على إيران والإنفاق الحكومي والهجرة والسياسات الاقتصادية. لكن استمرار سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ سيجعل تمرير كثير من التشريعات الديمقراطية أمرًا صعبًا، فضلًا عن احتفاظ ترامب بحق الاعتراض الرئاسي.

السيناريو الثالث: هو سيطرة الديمقراطيين على المجلسين، والذي يمثل أكبر تحول محتمل في موازين القوى داخل واشنطن؛ إذ سيمنح الديمقراطيين سلطة تشريعية ورقابية أوسع، ويضع الإدارة أمام مواجهة سياسية متزايدة خلال العامين الأخيرين من الولاية الرئاسية. ويمكن أن يؤدي إلى إعادة فتح ملفات الإنفاق العسكري والمساعدات الخارجية والسياسات التجارية والهجرة، فضلًا عن تكثيف التحقيقات بشأن قرارات الإدارة.

ومع ذلك، لن يعني هذا السيناريو انتهاء قدرة ترامب على الحكم أو إلغاء قراراته التنفيذية تلقائيًا، إذ سيظل الرئيس محتفظًا بصلاحياته الدستورية وحق النقض، بينما يتطلب تجاوز هذا الحق موافقة ثلثي أعضاء كل مجلس.

وتشير تقديرات "رويترز" إلى أن فوز الديمقراطيين بمجلس النواب سيمنحهم قدرة أكبر على التحقيق والرقابة، بينما ستظل المواجهات بشأن التمويل الحكومي وسقف الدين العام من أبرز مصادر التوتر السياسي والاقتصادي في عام 2027.