لم تعد المنافسة بين دور العرض السينمائي ومنصات المشاهدة الرقمية مجرد تغير في عادات الجمهور أو طرق توزيع الأفلام، لكنها تحولت إلى قضية تشغل صناعة السينما العالمية، بعدما تصاعدت المطالبات بالحفاظ على مكانة الشاشة الكبيرة، ومنح الأفلام فرصة كافية للاستمرار في دور العرض قبل انتقالها إلى المنصات.
وأصبح النقاش يدور حول مستقبل تجربة المشاهدة الجماعية، وما إذا كانت سرعة انتقال الأفلام إلى المنازل تهدد قدرة السينمات على جذب الجمهور واستعادة مكانتها.
وخلال السنوات الأخيرة، دخل عدد من كبار صنّاع السينما ونجوم هوليوود على خط هذا النقاش، ومن بينهم النجم توم كروز، الذي تحدث عن خصوصية مشاهدة الأفلام داخل دور العرض، معتبرا أن السينما تجربة فنية مختلفة عن المشاهدة عبر المنصات، وأن اجتماع الجمهور داخل قاعة واحدة جزء من قيمتها.
كما عبّر المخرج ستيفن سبيلبرج عن دعمه لزيادة مدة العرض الحصري للأفلام في السينمات، معتبرًا أن هذه الخطوة تدعم تجربة المشاهدة على الشاشة الكبيرة.
ولم تتوقف المطالبات عند التصريحات الفنية، بل امتدت إلى قرارات داخل صناعة التوزيع نفسها، إذ أعلنت شركة يونيفرسال بيكتشرز التوجه إلى زيادة الحد الأدنى لفترة العرض السينمائي الحصري لأفلامها، من 31 يومًا خلال عام 2026 إلى 45 يوما بدءا من 2027.
كما أعادت رئيسة الشركة دونا لانجلي فتح النقاش حول ضرورة استعادة عادة الذهاب إلى السينما، مشيرة إلى أن إتاحة الفيلم للمشاهدة المنزلية بعد فترة قصيرة جدا من طرحه في دور العرض تدفع الجمهور إلى انتظار وصوله إلى المنصة بدلا من شراء التذاكر.
وتكشف هذه التحركات عن حجم الجدل داخل هوليوود والوطن العربي بشأن الفترة التي يظل خلالها الفيلم متاحا في دور العرض قبل طرحه للمشاهدة المنزلية، بعدما تقلصت هذه المدة خلال السنوات الماضية، خاصة مع تداعيات جائحة كورونا وتوسع خدمات البث الرقمي
وفي أبريل 2025، طالبت منظمة تمثل أصحاب دور العرض بوضع حد أدنى يبلغ 45 يومًا للعرض السينمائي الحصري، محذرة من أن تقليص المدة قد يشجع الجمهور على انتظار طرح الأفلام عبر المنصات، ويؤثر على فرص الأعمال الصغيرة والمتوسطة في تحقيق إيرادات مناسبة.
ضرورة مهمة
يرى الناقد السينمائي المصري كمال رمزي أن الحفاظ على دور العرض السينمائي أصبح ضرورة مهمة في ظل التغيرات التي فرضتها المنصات الرقمية على صناعة السينما في العالم، موضحا أن مشاهدة الفيلم داخل قاعة السينما تظل تجربة مختلفة لا يمكن تعويضها بالمشاهدة المنزلية، فالأمر لا يرتبط فقط بحجم الشاشة أو جودة الصورة والصوت، وإنما بطبيعة التفاعل الذي يجمع الجمهور داخل مكان واحد، ومشاركة المشاهدين في استقبال العمل الفني والتأثر بأحداثه.
ويشير إلى أن أحد التحديات التي تواجه دور العرض حاليًا يتمثل في سرعة انتقال الأفلام إلى المنصات الرقمية، وهو ما قد يغير سلوك الجمهور ويدفعه إلى تأجيل الذهاب إلى السينما انتظارا لإتاحة الفيلم عبر الإنترنت، خاصة مع سهولة المشاهدة المنزلية وتعدد الخيارات المتاحة أمام المشاهد، ومن هنا تظهر أهمية منح الأفلام فترة زمنية كافية داخل دور العرض، حتى تحصل على فرصتها الحقيقية في الوصول إلى الجمهور، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مجرد مرحلة مؤقتة تسبق طرحها على المنصات.
ويضيف أن انتشار المنصات لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تهديدًا مباشرًا للسينما أو سببا للدخول في مواجهة معها، فلكل وسيلة عرض طبيعتها وجمهورها، كما أن التطور التكنولوجي أصبح جزءًا من واقع الصناعة ولا يمكن تجاهله، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في تحقيق التوازن بين هذه الوسائل، بحيث لا يأتي التوسع في العرض الرقمي على حساب دور السينما، التي ظلت لعقود طويلة النافذة الأساسية لمشاهدة الأفلام ومتابعة نجومها.
جزء أساسي من الإنتاج والتوزيع
فيما يرى الناقد السينمائي المصري عصام زكريا أن انتقال الأفلام إلى المنصات الرقمية بعد فترة قصيرة من عرضها في دور السينما أصبح جزءًا أساسيًا من حسابات الإنتاج والتوزيع، إذ تتضمن تعاقدات كثير من الأعمال تصورا مسبقا بألا تتجاوز فترة عرضها السينمائي شهرًا أو شهرًا ونصف الشهر، قبل إتاحتها للمشاهدة الرقمية، وهو ما يعكس التحول الذي شهدته صناعة السينما عالميا في طريقة توزيع الأفلام واستثمارها.
ويوضح أن المنصات الرقمية تسعى دائمًا إلى الحصول على الأفلام في أقرب وقت ممكن، باعتبارها من أهم عناصر جذب المشتركين، بينما يحاول المنتجون الاستفادة من تعدد نوافذ العرض لتحقيق أكبر عائد مادي ممكن من العمل، سواء من خلال شباك التذاكر أو بيعه للمنصات، لكن هذه الحسابات قد لا تتوافق دائما مع فرص بعض الأفلام في الاستمرار بدور العرض وتحقيق نجاح أكبر مما كان متوقعًا.
ويضرب زكريا مثالًا بفيلم "سيكو سيكو"، الذي استمر في دور العرض فترة أطول من المدة التي كان يتوقعها صُناعه عند وضع ترتيبات عرضه الرقمي، وهو ما يكشف أن بعض الأعمال قد تحقق نجاحًا جماهيريًا يمنحها فرصة للبقاء في السينمات، ويطرح تساؤلات حول مدى ملاءمة تحديد موعد انتقال الفيلم إلى المنصة مسبقا، دون ترك مساحة للاستفادة من الإقبال الجماهيري.
ويلفت الناقد السينمائي عصام زكريا إلى أن بعض الأفلام تواصل عرضها في دور سينما أصغر حتى بعد انتقالها إلى المنصات، مستفيدة من جمهور لا يرتبط اختياره للفيلم باسمه أو بنجومه فقط، وإنما يهتم بتجربة الذهاب إلى السينما ومشاهدة الأعمال على الشاشة الكبيرة، وهو ما يؤكد أن دور العرض لا تزال تمتلك جمهورها الخاص، وأن الحفاظ على هذه التجربة يتطلب إتاحة الفرصة للأفلام للاستمرار في السينمات متى حققت إقبالًا جماهيريًا، بدلًا من إخضاع جميع الأعمال لجدول زمني ثابت للانتقال إلى المنصات.
تطور طبيعي
ويؤكد المنتج هشام عبد الخالق أن انتشار المنصات الرقمية لا يمثل تهديدًا لصناعة السينما، وإنما يعد تطورًا طبيعيًا في وسائل عرض الأفلام، ونافذة إضافية يمكن أن تساهم في زيادة دخل العمل الفني، إلى جانب عرضه في دور السينما والتوزيع التلفزيوني.
ويوضح أن الجمهور الذي اعتاد الذهاب إلى السينما سيواصل هذه التجربة، باعتبارها خروجة ومناسبة اجتماعية وترفيهية، بينما تخاطب المنصات شريحة أخرى تفضل مشاهدة الأفلام في المنزل، وهو ما يجعل لكل وسيلة جمهورها وطبيعتها الخاصة.
ويشدد عبد الخالق على أهمية الحفاظ على ترتيب نوافذ عرض الأفلام، بحيث تحصل دور السينما على فرصتها أولا قبل انتقال العمل إلى المنصات.