بملامح جذابة وأداء اتسم بالهدوء والاتزان، استطاع الفنان الراحل مصطفى فهمي، أن يحجز لنفسه مكانة خاصة بين نجوم السينما والدراما المصرية، وأن يحافظ على حضوره أمام الجمهور لعقود طويلة، من دون أن يفقد خصوصية أدائه أو قدرته على تقديم شخصيات مختلفة.
كانت نشأة مصطفى فهمي في أسرة أرستقراطية ذات أصول شركسية، إذ ولد في 7 أغسطس 1942، وبدأت رحلته بعيدًا عن الأضواء، من خلف الكاميرا التي درس أسرارها، لكن خطواته الأولى في التمثيل فتحت أمامه مسارًا لم يكن مخططًا له، ليصبح واحدًا من الوجوه التي ارتبطت بها ذاكرة الفن المصري منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث التحق بالمعهد العالي للسينما بالقاهرة، وتخصص في قسم التصوير، ليبدأ تكوينه المهني من الجانب الفني الذي يقف وراء صناعة الصورة.
ورغم أن دراسته وجهته في البداية إلى التصوير السينمائي، فإن مسار حياته المهنية اتخذ منحى مختلفًا عندما سنحت له فرصة الظهور ممثلًا، ليكتشف الجمهور وجهًا جديدًا استطاع أن يفرض نفسه تدريجيًا في مشهد فني يضم أسماء كبيرة. بدأ العمل في كواليس السينما، إذ شارك مساعدًا للتصوير في فيلم "أميرة حبي أنا" عام 1974، مع مدير التصوير عبد الحليم نصر.
وخلال تلك التجربة، لفت انتباه المخرج عاطف سالم، الذي منحه فرصة التمثيل في فيلم "أين عقلي" في العام نفسه، بمشاركة سعاد حسني ورشدي أباظة ومحمود ياسين. ومن هنا بدأت رحلته أمام الكاميرا، بعدما انتقل من التعامل مع الصورة وصناعتها إلى أن يصبح جزءًا من المشهد الذي يراه الجمهور.
وشهد عام 1976 دفعة جديدة في مشواره، من خلال مشاركته في أربعة أفلام هي "قمر الزمان"، و"لمن تشرق الشمس"، و"وجهًا لوجه"، و"نبتدي منين الحكاية"، لتتسع دائرة أعماله ويبدأ اسمه في الارتباط بعدد متزايد من الإنتاجات السينمائية.
على مدار سنوات عمله، لم يحصر مصطفى فهمي نفسه في لون فني واحد، بل تنقل بين شخصيات وأعمال مختلفة، مستفيدًا من حضوره الهادئ وقدرته على أداء الأدوار التي تتطلب اتزانًا وتعبيرًا بعيدًا عن المبالغة.
ومن أبرز أفلامه "هكذا الأيام" و"عذراء ولكن" عام 1978، و"الملاعين"، و"الرحمة يا ناس" و"آدم يعود للجنة" عام 1982، و"أيوب" و"موعد مع القدر"، و"لصوص خمس نجوم" و"الوردة الحمراء" و"عمليات خاصة".
كما تضمنت مسيرته أعمالًا مأخوذة عن نصوص أدبية، من بينها فيلم "أيوب"، المقتبس عن رواية للأديب نجيب محفوظ، وفيلم "أيام في الحلال"، المأخوذ عن عمل للكاتب إحسان عبد القدوس، في تجربة جمعت بين السينما والأدب.
ومع اختلاف طبيعة الأدوار التي قدمها، ظل مصطفى فهمي محتفظًا بطابعه الخاص أمام الكاميرا، وهو ما ساعده على الاستمرار في العمل والظهور عبر مراحل متعددة من تطور الصناعة السينمائية المصرية.
إلى جانب السينما، كان للتليفزيون نصيب كبير من رحلة مصطفى فهمي، إذ شارك في عشرات الأعمال الدرامية التي قربته من شرائح واسعة من الجمهور، ووسعت دائرة حضوره خارج قاعات العرض السينمائي، ومن أبرز محطاته التلفزيونية "دموع في عيون وقحة" و"مكان في القلب" و"حياة الجوهري" و"قلوب تائهة" و"قصة الأمس".
وفي السنوات التالية، واصل الظهور في أعمال متنوعة، من بينها "مأمون وشركاه"، و"حلاوة الدنيا"، و"مليكة"، و"بابلو"، ليبقى حاضرًا في الدراما المصرية مع تغير الأجيال وتبدل أنماط الإنتاج والمشاهدة.
حتى السنوات الأخيرة من حياته، ظل مصطفى فهمي مرتبطًا بالعمل الفني، ولم يبتعد عن الشاشة رغم تقدمه في العمر. وفي عام 2024، ظهر في فيلمي "السرب" و"أهل الكهف"، اللذين ارتبط اسمه بهما في المرحلة الأخيرة من مشواره.
وفي مثل هذا اليوم، 30 أكتوبر 2024، رحل مصطفى فهمي، ورغم غيابه استمر الاحتفاء بمسيرته وأعماله، إذ شهدت الدورة الـ51 من مهرجان جمعية الفيلم عام 2025 تكريم اسمه ومنحه جائزة خاصة في التمثيل عن دوره في فيلم "أهل الكهف"، وتسلم نجلاه عمر ودينا الجائزة، في تقدير لمسيرة فنية تركت أثرها في السينما المصرية.