قبل أيام فقط من انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي اعتبرها العديد من الناخبين فرصة لتحييد رئيس غير شعبي يبلغ من العمر 80 عامًا، قدَّم الناخبون في البرازيل وإسرائيل تذكيرًا واضحًا بأن "الرجل المسن الذي يشغل أعلى منصب في بلاده عادة لا يصل إلى هناك عن طريق الصدفة".
في البرازيل، أعادت أغلبية ساحقة من الناخبين يوم الأحد انتخاب الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا لولاية رابعة، متجاوزة التوقعات بأن البرازيليين مستعدون للتخلي عن هذا النقابي المتحمس باعتباره من الماضي.
وفي الانتخابات الإسرائيلية التي جرت الثلاثاء الماضي، خسر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو -أطول رئيس وزراء بقاء في تاريخ الاحتلال- أغلبيته البرلمانية، لكنه ربما يكون قد أحبط محاولات خصومه لتشكيل ائتلاف حكومي قادر على الاستمرار.
وكما تشير صحيفة "بوليتيكو"، فإن "كلًا من لولا (81 عامًا) ونتنياهو (77 عامًا) لا يجمعهما شيء تقريبًا سوى فارق السن والصلابة السياسية، فقد هيمن كل منهما على بلديهما لأكثر من جيل، وتفوقا على المدعين العامين وأذلا خصومهما في الانتخابات، وأثارا غضب واشنطن وسَحَراها".
وتلفت الصحيفة إلى أنه "في بعض الأحيان، أظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه السمات السياسية، وإذا كان لديه مخرج أخير فسيكون أقرب إلى ما حدث مؤخرًا في إسرائيل والبرازيل منه إلى أي شيء حدث خلال ولايته الثانية حتى الآن".
تمزيق الخصوم
منذ عودته إلى منصبه عام 2025، فشل ترامب في تحقيق إنجازات سياسية ملموسة في حياة معظم الناخبين، متخليًا عن بعض أهم عناصر هويته السياسية التي شكلت قاعدته الشعبية.
ترشح ترامب للرئاسة عام 2024 متعهدًا بكبح التضخم ومعارضًا بشدة للحروب الخارجية غير الضرورية، أما أبرز قراراته خلال هذه الولاية -كإقرار "القانون الكبير الجميل"، وشن حرب تجارية عالمية، ومحاولة تغيير النظام في إيران- فقد أدت إلى ارتفاع أسعار الرعاية الصحية والسلع الاستهلاكية والطاقة.
وفي انتخابات التجديد النصفي، يكرر ترامب حجة واحدة باستمرار هي: "الديمقراطيون مجانين، لا عائد من ورائهم"، لكن من الصعب إيجاد رابط منطقي بين سلسلة من الخطابات الانتخابية التي يتباهى فيها بالاقتصاد، ويهاجم فيها مرشحين ديمقراطيين محددين ويصفهم بالغرباء والمخربين، ويتحدث عن إعادة تسمية المحيطات باسمه، ويدافع عن سلسلة مطاعم "تشيزكيك فاكتوري"، ويشيد بجسم جون هاستد الرياضي.
عندما يُقارن هذا بما سمعه الناخبون في البرازيل وإسرائيل، حيث حركة شد وجذب لا هوادة فيها للتحالفات السياسية التي شكلها لولا ونتنياهو على مدى عقود.
انقسامات إقليمية وطبقية
في البرازيل، استغل لولا الانقسامات الإقليمية والطبقية التي طبعت مسيرته الانتخابية، مقدمًا في الوقت نفسه باقة من الوعود الاقتصادية الجديدة للناخبين في قاعدته الشعبية، فقد رفع مخصصات الرعاية الاجتماعية، ووعد الناخبين بتوفير المواصلات العامة مجانًا في عطلات نهاية الأسبوع، ودعم تقليص ساعات العمل الأسبوعية.
أما منافسه، فلافيو بولسونارو، البالغ من العمر 45 عامًا، فقد تعثر في الأيام الأخيرة بتصريح استخفافي أشار فيه إلى حادث تعرض له لولا عندما كان عاملًا شابًا في مجال المعادن، وهو تصريح اعتبره العديد من الناخبين استهزاءً غير مبرر بالطبقة العاملة.
وفي سعي نتنياهو للبقاء السياسي، وجّه رئيس الوزراء الإسرائيلي رسالةً تنذر بنهاية دولة الاحتلال بهدف استقطاب الناخبين لصالحه، فقد نشر صورةً مُولَّدةً بالذكاء الاصطناعي لضربة نووية على تل أبيب، ووصف منافسيه بالتساهل مع إيران، وسخر من الأحزاب السياسية العربية واصفًا إياها بالعدو الداخلي.
كما أفادت وسائل إعلام إسرائيلية وأمريكية بأن نتنياهو ضغط على الجيش لشنِّ موجة جديدة من الهجمات على إيران قبل الانتخابات، وهو تصعيدٌ كان من شأنه أن يُغيّر مسار الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية.
محاولات السيطرة
تشير "بوليتيكو" إلى أنه "لو أن ترامب تعامل مع انتخابات التجديد النصفي بنفس تركيز وحماسة لولا أو نتنياهو، لكان على الأرجح لا يزال رئيسًا غير شعبي، لكنه قد يكون مسيطرًا على الولايات الجمهورية التي تُهيمن على مجلس الشيوخ، بدلًا من أن يتخبط في أكتوبر للدفاع عن كانساس وميسيسيبي".
في الواقع، كانت تكتيكات حملة ترامب الشعبوية متسرعة وغير مدروسة، ولم تستجب للاحتياجات الحقيقية للناخبين، فقد طرح فكرة توزيع شيكات بقيمة 5000 دولار على الأمريكيين إذا احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على الكونجرس، لكن نوابًا من حزبه رفضوا الفكرة بشدة واعتبروها عبئًا على الميزانية.
أيضًا، قدَّم مساعدات محلية مُصممة خصيصًا، مثل تعهدات بتمويل جديد لخط أنابيب في ألاسكا، وإعفاءات جمركية كهدية لولاية مين، والتي قد تُحدث فرقًا طفيفًا، لكنها لا تُغني عن رسالة وطنية بشأن غلاء المعيشة.
كما لم يبذل ترامب أي جهد جاد لرأب الصدع داخل قاعدة مؤيديه بشأن الحرب في إيران، فقد تذبذب بين تحذيرات شبيهة بتحذيرات نتنياهو بشأن هجمات نووية على جنوب كاليفورنيا، وبين تأكيدات بأن الحرب ستنتهي بعد انتخابات نوفمبر، في حين تبقى أسعار الوقود مرتفعة بشكل مؤلم بالنسبة لمن أوصلوه إلى السلطة.
لذلك، حتى لو مُني الجمهوريون بهزيمة ساحقة الأسبوع المقبل، سيتبقى لترامب نصف ولاية فقط، سنتان إضافيتان ليستعيد توازنه، ويعود إلى أساسيات السياسة، ويعيد التواصل مع قاعدته الشعبية، ويناضل بكل قوة لاستعادة مكانته والنهوض من جديد.
ويشير التحليل في ختامه إلى أنه "ربما كانت لدى ترامب خيارات عديدة متاحة -إن كان جادًا في إنقاذ رئاسته- أما بالنسبة لمعارضيه، فلا يزال التحذير قائمًا: احذروا الرجل العجوز المتسرع".