حتى الآن، لم تسفر انتخابات الكنيست الإسرائيلي السادس والعشرين، التي جرت الثلاثاء الماضي، عن أي حل يخلخل حالة الجمود التي تعاني منها السياسة الإسرائيلية. بل قد تُنذر هذه النتائج بفترة من الشلل السياسي، كما يشير تحليل لصحيفة "هاآرتس".
ويلفت التحليل إلى أنه في الوقت الراهن، يصعب تحديد مسار يُتيح تشكيل حكومة جديدة بسرعة، وهذا الوضع يُفيد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي كان يخشى هزيمة ساحقة، أكثر مما يُفيد خصومه في "كتلة التغيير".
لكن على الرغم من الانطباع الذي يحاول رئيس الوزراء خلقه عبر حلفائه في الإعلام، فإنه لم يفز في هذه الانتخابات، فقط بدا أن مجرد تجنب الخسارة يُعدّ انتصارًا لنتنياهو، بحسب التحليل.
ورغم أن حالة عجز جميع الأطراف عن تشكيل حكومة، ما يستدعي تشكيل حكومة تصريف أعمال وإجراء انتخابات أخرى، ستكون سيئة للداخل الإسرائيلي، لكنها ليست بالضرورة سيئة لنتنياهو، فهو سيستمر في منصبه كرئيس للوزراء في الوقت الراهن، وتصبُّ الانتخابات الأخرى في مصلحته، إذ من المرجح أن يكون منافسوه قد استنفدوا قدراتهم الانتخابية في الجولة الحالية.
سياسة الكراهية
دخل "تكتل التغيير" انتخابات هذا الأسبوع في ظروف مثالية، إذ تجاوزت أربعة أحزاب عتبة الانتخابات بسهولة، ووُقِّعت اتفاقيات بشأن الأصوات الزائدة بينها، وشهدت الانتخابات إقبالًا كثيفًا من الناخبين المقيمين بالخارج.
مع ذلك، حسب التحليل، لم يُترجم كل هذا إلى نصر سياسي واضح، بل ومن المشكوك فيه أن تتاح لخصوم نتنياهو فرصة لإعادة تهيئة مثل هذه الظروف المثالية في المرة المقبلة.
كما يتمتع نتنياهو بميزة أخرى، وهي أنه يُظهر انعدامًا تامًا للضبط في قراراته السياسية والعسكرية، فجميع تحركاته خلال السنوات القليلة الماضية كانت موجهة نحو هدف واحد رئيسي: البقاء الشخصي في السلطة وتجنب السجن، وهو يعلم أن نهاية ولايته كرئيس للوزراء ستُورِّطه على مستويات عديدة، فقد تنتهي محاكمته الجنائية بإدانته، وستُقيِّد مذكرات التوقيف الدولية حريته في التنقل حول العالم، كما أن إجباره على مغادرة مقر الإقامة الرسمي سيضع حدًا لتمويل الدولة لجميع احتياجات أسرته.
وتشير الصحيفة العبرية إلى أنه "ليومين، بدا (نتنياهو) وكأنه لا يملك ما يخسره، في الساعات الأخيرة قبل إغلاق مراكز الاقتراع لم تكتفِ قنواته الدعائية بتوجيه دعوات عاجلة للناس للخروج والتصويت، بل انشغلت بتحريض الناس ضد العرب"، وبالفعل نجحت أساليب الترهيب هذه.
وفي الواقع، من المرجح أن حزب الليكود -الذي كان ظاهريًا في وضع غير مواتٍ- يدين بنجاحه إلى سياسات الهوية هذه القائمة على الكراهية تجاه النخب القديمة، ما يجعل الوضع الذي يتشكل الآن متجذر في افتراضات عنصرية أساسية، والتي عمل نتنياهو بجد على مدى فترة طويلة على غرسها في وسائل الإعلام وفي الجمهور الإسرائيلي.
حسب التحليل، تضمنت الخطة الأصلية لزعماء "كتلة التغيير" عزل رئيس الكنيست أمير أوهانا بسرعة، وإلغاء قوانين الإصلاح القضائي، وإقرار قانون يدعو إلى إنشاء لجنة تحقيق حكومية حتى قبل بدء الجهود لتشكيل الحكومة.
وعلى الأرض، حطمت الفجوة بين الكتلتين السياسيتين (نتنياهو وخصومه)، والتي تناقضت تمامًا مع جميع استطلاعات الرأي التي نشرتها قنوات التلفزيون 11 و 12 و 13، هذه التوقعات وأعادت ترتيب الأوراق.
تجنب العقاب
تشير "هاآرتس" إلى أن "نتيجة مروعة أخرى للانتخابات"، وهي أن نتنياهو "سيتجنب أي محاسبة، ناهيك عن العقاب، بشأن القضية الأشد قسوة على الإطلاق، وهي مسؤوليته عن الإخفاقات التي مكنت من وقوع أحداث 7 أكتوبر، فضلًا عن التعامل الإشكالي مع الحرب التي تلت ذلك".
وعلى المدى البعيد، قد ينذر استمرار سيطرة اليمين على السلطة بعواقب وخيمة على الصعيد الأمني داخليًا وخارجيًا، وتتمثل المشكلة الأشد خطورة في سياسة الاستيطان الواسعة في الضفة الغربية المحتلة، إلى جانب "العجز المتعمد" الذي تُظهره الحكومة وجيش الاحتلال في تعاملهما مع الإرهاب اليهودي ضد الفلسطينيين المقيمين هناك.
وفي الوقت نفسه، ثمة قضية أكثر إلحاحًا تتعلق بإيران، فقد حثَّ نتنياهو في الأسابيع الأخيرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الموافقة على استئناف الحرب ضد طهران، بهجوم إسرائيلي أمريكي مشترك، وقد حدد هدفًا واضحًا هذه المرة هو إسقاط النظام الإيراني.
هكذا، قد تعمل جهود استئناف الحرب ضد إيران كحافز لآيزنكوت ونفتالي بينيت وأفيجدور ليبرمان للانضمام إلى ائتلاف مع نتنياهو، وهو أمر تعهدوا بعدم القيام به.
أيضًا، من بين النتائج الأخرى للانتخابات التي تستحق المتابعة، علاقات نتنياهو مع القيادة العسكرية، فقد وجّه المقربون منه، إلى جانب المقربين من وزير الدفاع يسرائيل كاتس، انتقادات لاذعة لرئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير، الذي "تجرأ على التشكيك في ضرورة مهاجمة إيران قبل أيام من الانتخابات".
ويلفت التحليل إلى أن آيزنكوت "لو كان قد حسم أمره بتشكيل الحكومة المقبلة، لكان من المرجح أن يتمكن من حماية زامير بإبلاغه بأنه لا يملك صلاحية توجيه ضربات لإيران طالما أن تشكيل الحكومة الجديدة جارٍ، أما الآن، فالوضع أكثر تعقيدًا".