أطاحت حركة احتجاجية يقودها الطلاب بالرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، بعد 14 عامًا قضاها في الحكم رئيسًا أو رئيسًا للوزراء، في تحول سياسي بارز جاء عقب احتجاجات استمرت عامين على خلفية انهيار مظلة خرسانية بمحطة قطارات في مدينة نوفي ساد، أسفر عن مقتل 16 شخصًا.
هزيمة تاريخية
وحققت قائمة الطلاب، التي تضم مرشحين من المعارضة بينهم أكاديميون ومعلمون ومزارعون وأطباء ومغنو راب، فوزًا في الانتخابات التي تُعد الأهم في صربيا منذ أكثر من 25 عامًا، بينما أقرّ فوتشيتش بهزيمته، في نتيجة تحمل تداعيات سياسية على البلقان وأوروبا وروسيا.
وأعلن فوتشيتش، الذي حكم صربيا لأكثر من عقد من الزمن رئيسًا أو رئيسًا للوزراء، خسارة حزبه في الانتخابات، وقال لأنصاره في مقر الحزب التقدمي الصربي بالعاصمة بلجراد إن النتائج الأولية أظهرت فوز قائمة الطلاب بما بين 135 و140 مقعدًا، مقابل نحو 105 أو 106 مقاعد كان حزبه يتوقع الحصول عليها.
وألقى فوتشيتش باللوم في الهزيمة على وسائل الإعلام المستقلة في صربيا، إلى جانب ما وصفه بالتدخل المزعوم من دول أوروبية لم يسمها، و"دولة عميقة أمريكية"، وجاء اعترافه بالخسارة بعدما أمضى عامين في موقف دفاعي، منذ انهيار المظلة الخرسانية بمحطة القطارات في نوفي ساد، وفق صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية.
احتجاجات نوفي ساد
تحولت كارثة انهيار المظلة الخرسانية خارج محطة السكك الحديدية في نوفي ساد، التي أودت بحياة 16 شخصًا، إلى نقطة تحول في مواجهة حكم فوتشيتش، فقد فجّرت غضبًا شعبيًا واسعًا، وسط اتهامات من منتقديه بأن الفساد والمحسوبية يمثلان سمتين بارزتين في إدارته.
واستمرت الاحتجاجات الشعبية عامين، بقيادة الطلاب ومشاركة شرائح أخرى من المجتمع، ما زاد الضغوط على فوتشيتش ودفعه إلى الدعوة لانتخابات مبكرة، واعتُبرت الانتخابات الأهم منذ سقوط الزعيم اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش عام 2000.
وكانت ديانا هركا، التي تحولت إلى رمز لحركة قائمة الطلاب بعد وفاة ابنها ستيفان، البالغ من العمر 27 عامًا، في انهيار نوفي ساد، بين المحتفلين في بلجراد، وقالت وهي تبكي وفق قناة "إن 1" التلفزيونية الصربية: "لقد كنت أنتظر هذه اللحظة لمدة عامين".
وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات نحو 70%، وهي الأعلى منذ تفكك يوغوسلافيا عام 1992.
غياب العنف
كانت مخاوف قد تصاعدت من احتمال رفض فوتشيتش الاعتراف بالهزيمة، حتى إذا خسر الانتخابات، بما قد يؤدي إلى احتجاجات جديدة واندلاع أعمال عنف في الشوارع.
وقالت إيفانوف إن اعتراف فوتشيتش بالهزيمة يعني عدم توقع وقوع أعمال عنف، مشيرة إلى أن الهزيمة كانت ساحقة إلى درجة تجعل أي محاولة لإنكار النتيجة غير مجدية.
ويبلغ فوتشيتش 56 عامًا، ويرى مؤيدوه أنه حقق الاستقرار والتنمية الاقتصادية في بلد لا تزال آثار التفكك الدموي ليوغوسلافيا في تسعينيات القرن الماضي حاضرة فيه.
برز فوتشيتش في تسعينيات القرن الماضي حليفًا قوميًّا متطرفًا لميلوسيفيتش، وشغل منصب وزير الإعلام عام 1998، وبعد الإطاحة بالزعيم اليوغسلافي في احتجاجات عام 2000، أصبح شخصية بارزة في الحزب الراديكالي الصربي اليميني المتطرف.
كما أعلن دعمه للزعيمين السياسي والعسكري للصرب البوسنيين، رادوفان كاراديتش وراتكو ملاديتش، اللذين حُكم عليهما لاحقًا بالسجن المؤبد بتهم الإبادة الجماعية وجرائم أخرى ارتُكبت خلال حرب البوسنة.
وفي عام 2008، خضع فوتشيتش لتحول سياسي بارز، إذ شارك في تأسيس الحزب التقدمي الصربي المحافظ المؤيد لأوروبا، وفاز الحزب بالانتخابات البرلمانية عام 2012، وهيمن على السياسة الصربية منذ ذلك الحين، فيما تولى فوتشيتش مناصب نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس الوزراء، قبل أن يصبح رئيسًا عام 2017.
تداعيات أوروبية
أتقن فوتشيتش الموازنة بين علاقات صربيا التاريخية مع روسيا والتوجه نحو أوروبا، على أمل أن تتمكن بلاده من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكن خسارته الانتخابية تأتي في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية تمس زعماء تربطهم علاقات وثيقة بموسكو.
وجاء سقوطه بعد أشهر قليلة من الإطاحة برئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، وهو زعيم آخر موالٍ لروسيا، وهنأ بيتر ماجيار، الزعيم الجديد للمجر، قادة الحركة الطلابية الصربية، وكتب على موقع "إكس" أنه شعر بسعادة كبيرة عندما علم بمدى القوة التي منحها لهم انتصارهم في أبريل خلال هذا الصراع الصعب.