الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

دور القوى المتوسطة في تسوية صراعات الشرق الأوسط

  • مشاركة :
post-title
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

تناول وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطى، فى مداخلته أمام منتدى مصر 2026 وشعاره "نظرة لليوم.. ورؤية للغد"، بالعاصمة الجديدة فى الفترة من 19-24 أكتوبر 2026، وضمن فعاليات جلسة "أمن الوطن والمواطن" فى 21 أكتوبر 2026، توجهات السياسة الخارجية المصرية فى دوائرها المتنوعة انطلاقًا من عقيدة الاتزان الاستراتيجي التى أرسى قواعدها الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتقوم على مراعاة أبعاد الأمن القومي المصري، واحترام سيادة الدول، ورفض استخدام القوة فى تسوية النزاعات، والانحياز لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

غير أن الطرح اللافت فى حديث وزير الخارجية المصري هو ما أشار إليه حول دور القوى المتوسطة فى النظام الدولي، وسعيها لتحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي، ومن أمثلة هذه القوى: مصر، والبرازيل، والهند، ودولة جنوب إفريقيا. وغيرها من الدول الساعية لملء الفراغ الذى بدأ يخلّفه غياب القوى الكبرى فى تسوية الصراعات المتفجرة، التى يبدو أن تراجع دورها على مسرح السياسة الدولية، أفسح المجال لصعود أدوار تلك القوى المتوسطة، ومنها ما تقوم به اللجنة الرباعية التى يتشكل قوامها من دول متوسطة هي مصر والسعودية وباكستان وتركيا للسعي لتسوية الصراع الأمريكي الإيراني بالطرق السلمية منعًا للتصعيد العسكري الذى يهدد السلام والاستقرار الإقليمي والدولي.

واستشهد الدكتور بدر عبد العاطي بحديث رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أمام منتدى دافوس فى يناير 2026، وما طرحه بشأن دور القوى المتوسطة فى النظام الدولي. ويبدو أن هذا الاستشهاد ارتبط بما أشار إليه كارني حول نموذج كندا كدولة متوسطة في النظام الدولي، ومدى إمكانية أن تشكل تجربتها نموذجًا يسترشد به في التجارب التنموية الأخرى لامتلاكها المقومات السياسية والاقتصادية والثقافية للدولة النموذج أو الدولة الرائد.

ويقصد بالدول المتوسطة أو الوسطي The Middle Powers في النظام الدولي، تلك الدول التى تتمتع بمكانة دولية ما بين الدول الصغيرة وتلك الكبرى، وهي الدول التي تمتلك من الأدوات الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والثقافية، ما يمكّنها من تسويق رؤيتها لتسوية الصراعات المتفجرة فى إقليمها من خلال العمل لصالح هذا الإقليم وحمايته من التدهور، والحيلولة دون توظيفه فى صراعات القوى الكبرى أو فى إطار التوازن الدولي، وكذلك رفض انصياع الإقليم لإرادات قوى إقليمية لا تتماشى رؤيتها مع مصالح شعوب هذا الإقليم التواقة للاستقرار والتنمية.

ويشير تصنيف مركز بيلفر (Belfer Center) التابع لجامعة هارفاد إلى ثلاث عشرة دولة كـ"قوى متوسطة"، هي: البرازيل، مصر، الهند، إندونيسيا، كازاخستان، نيجيريا، باكستان، المملكة العربية السعودية، سنغافورة، جنوب إفريقيا، تركيا، الإمارات العربية المتحدة، وفيتنام.

وتتزايد أهمية القوة المتوسطة فى ظل اتجاه نحو بناء عالم ما بعد الغرب بعد تراجع أدور المؤسسات الدولية التى تشكلت منذ الحرب العالمية الثانية، وتنامى هذا التراجع وتعمّق بعد وصول دونالد ترامب لولاية ثانية يناير 2025 فى الولايات المتحدة الأمريكية وانسحابه مما يقرب من 66 وكالة من وكالات الأمم المتحدة، ومن اتفاقية التغيرات المناخية، ومن المجلس الدولي لحقوق الإنسان. لذلك فإن الدول المتوسطة مطالبة بمواجهة التحديات المعاصرة، واستعادة ثقة الشعوب من خلال إفساح المجال لعهد جديد من الحوكمة العالمية، يقوم على التعاون الإقليمي غير الرسمي والمرن. ويشار في ذلك إلى نظام بازغ يزداد تعددية وتجزؤًا، ما يوفر فرصًا لهذه الدول للعب دور الوسيط في هذه الفترة المضطربة، بصفتها مساهمًا أساسيًا في إرساء التعددية.

تأسيسًا على ما سبق يثار تساؤل مركزي حول دور القوى المتوسطة فى تسوية صراعات إقليم الشرق الأوسط، ومدى قدرتها على طرح مبادرات بنّاءة ومقاربات تسهم فى منع تفاقم تلك الصراعات سواء من خلال أدوات ومقاربات سياسية ودبلوماسية وعسكرية وحتى قانونية.

أدوار متعددة

تتنوع الأدوار والوظائف التى تقوم بها القوى المتوسطة في النظام الدولي لتسوية صراعات الشرق الأوسط، سواء كانت تلك الدول من دول الإقليم وتنتمي إليه أو من خارجه. لذلك يمكن الإشارة إلى أهم تلك الوظائف والأدوار على النحو التالي:

§ الوساطة: جاء تدشين الآلية الوزارية الرباعية وقوامها دول متوسطة هي مصر والسعودية وتركيا وباكستان بهدف الوساطة وتذليل العقبات أمام توقيع اتفاق ينهي التصعيد العسكري الأمريكي الإيراني فى ظل تداعياته على الأمن والاستقرار الإقليمي، بعدما اتجهت إيران نحو استهداف القواعد الأمريكية وبعض منشآت النفط فى دول الخليج العربي، حيث ردد رئيس مجلس الشورى الإيراني قاليباف بأنه "فى منطقة لا نتمكن من بيع نفطنا، لن يبيع الآخرون نفطهم". لذلك جاء تدشين الرباعية لتعقد اجتماعات دورية وصلت إلى ما يقرب من خمسة اجتماعات حتى أكتوبر 2026، ولتتبلور مواقفها بطرح الوسائل السلمية لتسوية الصراع الأمريكي الإيراني، ورفض استخدام القوة فى العلاقات الدولية، والالتزام بمبادئ حُسن الجوار، فضلًا عن الجهود الحثيثة التي أسهمت فى دعم توقيع الاتفاق ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران على هامش قمة الدول السبع الصناعية التي انعقدت فى يونيو 2026.

كما أدانت الرباعية السلوك الإيراني باستهداف منشآت الطاقة فى دول الخليج، ورفض الاعتداء على سيادتها، وكذلك إدانة استهداف الحوثي لمنشآت الطاقة والمنشآت المدنية فى السعودية، ومنها ماقام به الحوثي باستهداف مطار الملك خالد. إذ أصدرت الرباعية بيانًا فى 12 أكتوبر 2026 أكد على التضامن مع السعودية، ودعمها لجميع التدابير المشروعة التي تتخذها لمواجهة هذه الهجمات، وردع مصادر التهديد، ومنع تكرارها دفاعًا عن أمن المملكة وسيادتها ووحدة أرضيها، وحماية لسلامة مواطنيها والمقيمين فيها. وحمّلت المجموعة الرباعية ميليشيا الحوثي المسؤولية الكاملة عن هذه الهجمات، وما يترتب عليها من تداعيات تهدد السلام والأمن الإقليميين.

§ بناء الثقة: تجسيدًا لإجراءات بناء الثقة والسعى لاخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وتماشيًا مع الرؤية المصرية الداعمة لاستقرار الاقليم. جاء الاتفاق الفني بالقاهرة بين إيران ووكالة الطاقة الذرية في 9 سبتمبر 2025، لاستئناف التعاون الفني بين الجانبين، ومنها الإجراءات العملية لعودة أنشطة تفتيش المنشآت النووية.

وفي منشور عبر منصة "إكس"، وصف المدير العام لوكالة الطاقة الذرية رافائيل جروسي، الاتفاق بأنه "خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح"، وقال: "اتفقنا في القاهرة مع وزير الخارجية الإيراني.. على الآليات العملية لاستئناف أنشطة التفتيش في إيران".

من جهته، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في كلمة بعد التوقيع، إن "مصر عملت على دعم جهود خفض التصعيد، واستعادة الاستقرار في المنطقة بعيدًا عن المواجهات التي تنعكس سلبًا على المنطقة والعالم، لذلك قامت مصر بتيسير الاتصالات بين طهران والوكالة". ووصف "عبد العاطي" الاتفاق بأنه "رسالة أمل بأن الحوار والاتفاق ممكنين"، كما أكد أن "التحديات لم تنته والطريق ما زال طويلًا"، معربًا عن أمله أن "يفتح الاتفاق الباب أمام مزيد من التوافق بين إيران والدول الأوروبية الثلاث للتوصل إلى اتفاق شامل"، في إشارة إلى دول "الترويكا الأوروبية". كما استضافت تركيا اجتماعًا للآلية الوزارية الرباعية ضم وزراء خارجية مصر والسعودية وباكستان وتركيا، مع وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وألمانيا، في 23 أكتوبر 2026 في صيغة موسعة عقدت للمرة الأولى. حيث شدد الوزراء على الحاجة الملحة لمعالجة الأزمات في الشرق الأوسط عبرالحوار والدبلوماسية حصرًا، والتحرك معًا لمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهات عسكرية أوسع.

§ المقاربة القانونية: تجسد المقاربة القانونية لتسوية صراعات الشرق الأوسط ما قامت به دولة جنوب إفريقيا كدولة متوسطة فى النظام الدول فى التصدى لعمليات الإبادة الجماعية التى تنفذها اسرائيل في غزة منذ عملية طوفان الأقصي فى أكتوبر 2023، وذلك برفع دعوى قضائية رسمية ضد إسرائيل أمام أمام محكمة العدل الدولية في 29 ديسمبر 2023، انضمت اليها لاحقًا العديد من الدول بتهمة انتهاك التزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، والمعاقبة عليها على خلفية الحرب في قطاع غزة. وقد أصدرت المحكمة قرارات وتدابير مؤقتة تطالب إسرائيل بمنع ارتكاب أعمال الإبادة الجماعية، وتسهيل وصول المساعدات.

§ التعاون المؤسسي: تجسّد مجموعة "بريكس" التعاون المؤسسي بين عدد معتبر من الدول المتوسطة يصل عددها إلى ما يزيد على نصف الدول المتوسطة فى النظام الدولي: حيث توسع التجمع ليصل عدد الدول التى انضمت إليه 10 دول بعد انضمام مصر والامارات وإثيوبيا مطلع يناير 2024 وإندونيسيا يناير 2025، وقد جاء تأسيس "بنك التنمية الجديد" برأسمال أولى 100 مليار دولار فى مجالات البنية التحتية، والطاقة الجديدة والمتجددة، والأسواق الصاعدة والناشئة. وهو ما يعنى وجود عدد معتبر من الدول المتوسطة يتيح لها مأسسة التعاون فيما بينها من خلال تجمع بريكس، وإمكانية حلحلة الصراعات الإقليمية والدولية ومنها صراعات الشرق الأوسط المعقدة.

مجمل القول: تمتلك الدول المتوسطة فى النظام الدولي العديد من الأدوات القادرة على حلحلة صراعات الشرق الأوسط من خلال الوساطة، وإجراءات بناء الثقة، والمدخل المؤسسي والقانوني، ويبقى التحدى الذى يواجهها هو ضعف الإرادة الدولية التى تسعي لتوظيف الصراعات والأزمات الإقليمية فى إطار توازن القوى الدولي، أو ما يتبلور من اتجاه نحو اقتسام مناطق النفوذ ما بين القوى الكبرى. وهو ما يفرض على القوى الإقليمية فى الشرق الأوسط ضرورة خفض التصعيد وتسوية الصراعات وفق مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وهى الرؤية التى تتبناها مصر ليظل الإقليم قادرًا على منح الجميع أسس التعايش المشترك.