برغم الشراكات الإستراتيجية بين بريطانيا ومعظم دول الشرق الأسط، إلا أن ثمة اتجاه يرى أن التفاعلات البريطانية مع أزمات الإقليم كانت دون المأمول وافتقدت لوجود مبادرات بناءة قادرة على التعاطي مع أسباب تلك الصراعات وحلحلتها وتسويتها بالطرق السلمية التي تحول دون تفاقهما وتمنع انتشارها.
وهو ما جعل السياسة البريطانية تعاني من التبعية لتوجهات الولايات المتحدة الأمريكية في الإقليم، التي تقوم على ضمان أمن إسرائيل وتفوقها النوعي، وضمان إمدادات الطاقة من دول الإنتاج النفطي بالإقليم إلى الدول الغربية. لذلك تمحورت الإستراتيجية البريطانية إزاء الشرق الأوسط على التعامل بحذر مع الأزمات المعقدة، ومراجعات شاملة للسياسة الدفاعية وسياسات مواجهة تهديدات الأمن القومي البريطاني بتبني سياسة تقوم على زيادة المخصصات المالية للإنفاق الدفاعي في ظل ما تعانيه أوروبا من تهديدات كشفها اندلاع الصراع الروسي الأوكراني، فبراير 2022، والإخفاق في تسويته في ظل الاعتماد الأوروبي على الضمانة الأمنية الأمريكية، عمقها اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية نحو تخفيف ارتباطاتها الوثيقة بالقارة الأوروبية والتباعد بين ضفتي الأطلسي، منذ وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لولاية رئاسية ثانية، وقراراته بزيادة الرسوم الجمركية على الواردات الأمريكية من أوروبا، ومطالبته الدول الأوروبية بزيادة إنفاقها العسكري في إطار حلف الناتو إلى 5% من ناتجها المحلي الإجمالي، لتتحمل تكاليف الدفاع عن أمنها في ظل تبني ترامب لتوجه بأن الحماية الأمريكية للأمن الأوروبي تمثل عبئًا على الاقتصاد الأمريكي، وهو ما جعله يتخذ إجراءات بسحب قوات أمريكية من دول أوروبية.
وفي إطار المحددات السابقة التي تؤثر في الدور البريطاني الخارجي، لا سيما في الشرق الأوسط، يثار تساؤل مركزي حول أسباب ودلالات تراجع الدور البريطاني في تفاعلات الشرق الأوسط، وهل ثمة فرص لاستعادة حيوية هذا الدور بطرح مبادرات تتسم بالاستقلالية لوقف تعقد أزمات الإقليم وضبط التصعيد العسكري منعًا لاتساع رقعته؟
محددات مؤثرة
تتنوع المحددات الداخلية والخارجية التي شكلت الإطار الحاكم لتفاعلات الدور البريطاني مع أزمات وصراعات الشرق الأوسط، يمكن الإشارة إلى أهم تلك المحددات على النحو التالي:
(*) الأزمة الاقتصادية: تعهد رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنام، في أول خطاب له، يوليو 2026 بصفته رئيسًا للوزراء، بإطلاق أوسع عملية تغيير في البلاد منذ أربعة عقود، والعمل على إعادة منح المواطنين شعورًا بالأمل. وشدد على أولوية مكافحة التشرد. مؤكدًا التزام بريطانيا الكامل دعم كييف في مواجهة روسيا متعهدًا إطلاق "خطة تمتد لعشر سنوات"، وإحداث تغيير واسع في المملكة المتحدة التي يتعين إعادة الاستقرار إليها، كما وعد باتخاذ إجراءات فورية لمعالجة أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة. هذه الأولويات في خطاب بيرنام تعكس عمق الأزمات التي تواجه بريطانيا ما بين عجز مالي حاد في موازنتها، دفعها لاتخاذ قرار بإلغاء تدريبات عسكرية خارجية مشتركة، وتحجيم حضورها الميداني في مسرح عمليات الأقاليم المختلفة، ومعاناة من ضعف الاستثمارات وارتفاع التضخم، وبطء التشغيل، وزيادة الديون العامة التي بلغت نحو 3 تريليونات جنيه إسترليني في 2026، وارتفاع أسعار الطاقة بسبب أزمات إقليم الشرق الأوسط، إذ تشير التقديرات إلى أن صدمة أزمة الطاقة وتبعات حرب إيران تسببتا في فجوة في الفائض المالي للخزانة البريطانية تقدر بنحو 12 مليار جنيه إسترليني "16 مليار دولار"، ما يعني تراجع الاحتياطي المتاح للإنفاق بنحو النصف، من 23.6 مليار جنيه إسترليني "31 مليار دولار".
(*)عدم الاستقرار السياسي: شكّل عدم الاستقرار السياسي الذي تعاني منه بريطانيا، وما ارتبط بديمومة التغيير في منصب رئيس الوزراء وعدم استقراره عاملًا نحو تراجع الدور البريطاني إزاء أزمات الشرق الأوسط. فتاريخيًا شهد النظام البريطاني، خلال العشر السنوات الأخيرة وتيرة متسارعة وغير معتادة لتغيير رؤساء الوزراء، إذ تعاقب عليها منذ عام 2016 حتى 2026، سبع حكومات. وفي أقل من خمس سنوات منذ أكتوبر عام 2022 -باستقالة رئيسة الوزراء ليز تراس في منصبها بعد 49 يومًا فقط لتصبح أقصر رؤساء الوزراء بقاء في المنصب في التاريخ البريطاني الحديث- وحتى يوليو 2026 شهدت بريطانيا تعاقب أربع حكومات متتالية: الأولي هي حكومة ريشي سوناك (2022–2024) والذي وورث اقتصادًا يعاني ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف النمو، وحزبًا محافظًا تضرر صورته بعد سنوات من الأزمات وتغير القيادات. وعلى الرغم من محاولاته التركيز على خفض التضخم وتحسين أداء الاقتصاد والخدمات العامة، لم يتمكن من استعادة ثقة قطاعات واسعة من الناخبين.
وفي الانتخابات العامة في يوليو 2024، حقق حزب العمال فوزًا كبيرًا، بينما تكبد المحافظون هزيمة تاريخية، فأقر سوناك بالنتيجة وأعلن استقالته من قيادة الحزب. أما الحكومة الثانية التي تشكلت برئاسة كير ستارمر من (2024–2026). إذ وصل ستارمر إلى السلطة في يوليو 2024، جاءت بعد فوز حزب العمال بأغلبية كبيرة في مجلس العموم، منهيًا 14 عامًا من حكم المحافظين.
غير أن الأغلبية البرلمانية لم تتحول إلى دعم شعبي مستقر، وواجهت حكومته انتقادات بسبب قرارات سياسية مثيرة للجدل، والتراجع عن بعض السياسات، واستمرار الضغوط على مستويات المعيشة. ومع تراجع شعبية الحزب ومخاوف النواب من خسارة مقاعدهم في الانتخابات المقبلة، تصاعدت المطالب داخل حزب العمال بتغيير القيادة.
وفي 22 يونيو 2026، أعلن ستارمر تنحيه تحت ضغط متزايد من نواب حزبه، بعد أقل من عامين على فوزه الانتخابي، ليصل إلى رئاسة الوزارة آندي بيرنام، الذي تولى في 20 يوليو 2026 بعد انتخابه زعيمًا لحزب العمال خلفًا لستارمر. وشكل عدم الاستقرار السياسي في منصب رئيس الوزراء وفي ظل المعاناة الاقتصادية تحجيمًا للتفاعل البريطاني إزاء أزمات الشرق الوسط بما يتناسب مع المصالح البريطانية والعلاقات الإستراتيجية مع دول الإقليم.
(*)البريكست: شكل الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي ومؤسساته أحد العوامل التي أسهمت في تراجع الدور البريطاني والحد من انخراطه بشكل مؤثر في تفاعلات وأزمات الشرق الأوسط فخروج بريطانيا من السوق الأوروبية المشتركة أسهم في تراجع البوصلة الإستراتيجية والثقل التجاري والدبلوماسي المتكامل الذي وفرته المظلة الأوروبية لفترات ممتدة لسياسة بريطانية تفاعلت مع أزمات وصراعات إقليم الشرق الأوسط.
(*)الحرب الروسية الأوكرانية: مثلت الحرب الروسية الأوكرانية التي دخلت عامها الخامس أحد القيود على الانخراط البريطاني في صراعات الشرق الأوسط. فقد كشفت الحرب بجلاء عن انكشاف الأمن الأوروبي، وعدم قدرته على مواجهة التهديدات الخارجية، منها الاعتماد على الضمانة الأمنية الأمريكية، والاعتماد على الغاز الروسي الذي توقف بعد أن كان يمثل 20% من استهلاك الدول الأوروبية. هذه التحديات دفعت الدول الأوروبية وفي مقدمتها بريطانيا لزيادة انفاقها الدفاعي، إذ تعتزم المملكة المتحدة رفع الإنفاق الدفاعي إلى 3% بحلول عام 2030، بما سيتطلب تكلفة إضافية قدرها 10 مليارات جنيه إسترليني، كما يتطلب رفع نسبة نفقات الدفاع إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035، نفقات إضافية بمبلغ 25 مليون جنيه إسترليني، ومن المقرر وفق مستوى النفقات الحالية أن يصل الإنفاق الدفاعي إلى 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030. وتتطلب زيادة نفقات الدفاع أحد الخيارات إما تخفيض تكاليف برامج المساعدات الاجتماعية التي تقدمها الحكومة، وإما زيادة الضرائب، وهو ما تحذر منه تجمعات رجال الأعمال خاصة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة زيادة أسعار الطاقة. أو زيادة الديون العامة التي تعاني من الارتفاع بالأساس.
(*) توجهات ترامب إزاء أوروبا: تشكل توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو فرض تعريفات جمركية على الواردات الأمريكية من الدول الأوربية ومنها بريطانيا، ومطالبته بتحمل الدول الأوروبية تكلفة حماية أمنها من خلال زيادة الإنفاق العسكري في إطار حلف الناتو، فضلًا عن طرحه لخطة سلام في أوكرانيا تثير هواجس الدول الأوروبية، وانتقادها أيضًا للتفاعل الشخصي ما بين ترامب وبوتين انعكست على اتفاق تزويد روسيا للسوق الأمريكية بالديزل. وهي القضايا التي عكست التباعد في الشراكة الأوروبية الأمريكية التي رسمت علاقات التحالف الإستراتيجي لعقود متتالية عبر ضفتي الأطلسي، ما يضع الدول الأوروبية في مأزق تسعى لتجاوزه من خلال محاولات فرنسية ألمانية لتعزيز الاستقلالية الأوروبية عن الحليف الأمريكي، وإن ظلت صعبة المنال في الوقت الراهن.
دلالات متعددة
يعكس تراجع الدور البريطاني في تفاعلات الشرق الأوسط وصراعاته العديد من الدلالات التي يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:
(*) الانكفاء الداخلي: رغم تعاقب الحكومات البريطانية في الفترة الأخيرة سعيًا لحل الأزمات المستعصية، إلا أن ذلك التتابع القيادي عمق من مردود تلك الأزمات التي أسهمت في الانكفاء البريطاني على الداخل، في ظل اقتناع قطاع معتبر من الناخبين بأن التحديات الداخلية، التي تواجه بريطانيا لا تزال دون حل. وهو الأمر الذي انعكس على التفاعل مع صراعات الشرق الأوسط والتفاعل مع تداعياتها بردود فعل وتصريحات فقط مثل الإدانات والمطالبة باحترام سيادة الدول ورفض استخدام القوة في العلاقات الدولية، كما حدث مع الأزمات في غزة وإيران دون مبادرات بناءة تسهم في تسوية هذه الصراعات.
(*) تصاعد المنافسة الدولية: عكس تراجع الدور البريطاني في الشرق الأوسط في ظل اتجاه الحكومة البريطانية نحو تقليص المساعدات الاقتصادية الدولية من 0.7% إلى 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي إلى تقليص النفوذ البريطاني وتراجع القوة الناعمة لصالح تقدم وتزايد النفوذ الاقتصادي والاستثماري لقوى أخرى، مثل الصين عبر مبادرة الحزام والطريق وروسيا والهند، ما سحب البساط من الشركات والاستثمارات البريطانية. غير أن ذلك التراجع لم يقتصر على الشرق الأوسط بل أسهم البريكست في مزيد من التغلغل الصيني بأوروبا، حيث أقامت الصين والاتحاد الأوروبي شراكة إستراتيجية شاملة بوصفهما ثاني وثالث أكبر اقتصادين في العالم بعد الاقتصاد الأمريكي، حيث ارتفع حجم التجارة البينية بينهما من 2.4 مليار دولار عند إقامة العلاقات الدبلوماسية منذ خمسين عامًا إلى 785.8 مليار دولار عام 2024. ووفقًا لأرقام التجارة بين الصين والاتحاد الأوروبي عام 2023، فقد بلغت صادرات أوروبا إلى الصين نحو 223.5 مليار دولار، في حين بلغت واردات أوروبا من الصين نحو 514.4 مليار دولار، ما يشير إلى وجود عجز في الميزان التجاري بين الطرفين يقدر بنحو 290.9 مليار دولار لصالح الصين، وصل خلال عام 2024 إلى ما يزيد على 300 مليار دولار.
(*) تعقد صراعات الإقليم: عكس الإخفاق البريطاني في التفاعل مع صراعات إقليم الشرق الأوسط تعقد ومتاهة تلك الصراعات المركبة، رافقها تراجع في عدد القواعد العسكرية البريطانية وحجم القوات المنتشرة في منطقة الشرق الأوسط المتفجرة بالصراعات. ما جعل هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي يصف في كتابه النظام الدولي منطقة الشرق الأوسط بأنها هي بمثابة مرجل الصراعات في العالم إدراكًا واقعيًا لما يعانيه الإقليم من تهديدات معقدة لا زالت تلقي بظلالها على مسيرته نحو الاستقرار والتنمية حتى وقتنا الراهن. وربما كشفت الصراعات المتفجرة على العديد من الجبهات تلك الحالة، فهناك الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي تزايدت وتيرته منذ عملية السابع من أكتوبر 2023، والصراع الإسرائيلي الإيراني الذي تزايدت حدته عقب المواجهات العسكرية المتبادلة ما بين الدولتين، ودخول الولايات المتحدة على خط المواجهة، 22 يونيو 2025، وتوجيهها لضربات جوية ضد منشآت نووية إيرانية في فورد ونطنز وأصفهان، كما يأتي الصراع الإسرائيلي الإيراني ليجسد الأطماع التوسعية للقوى الإقليمية منها أطماع إسرائيل في سوريا ولبنان، وتنفيذها للعديد من الضربات الجوية ضدهما، وسعي إيران لتنفيذ مشروعها الإقليمي من خلال أذرعها التي انتشرت في العديد من الدول العربية بسوريا والعراق واليمن ولبنان، فضلًا عن المشروع التمددي التركي في عدد من الدول العربية.
مجمل القول ارتبط تراجع الدور البريطاني وضعف الانخراط في صراعات الشرق الأوسط بما تعانيه بريطانيا من تحديات داخلية منها محدودية النمو الاقتصادي، والضغوط على الخدمات العامة وارتفاع الديون ومشكلات التقاعد وارتفاع أسعار الطاقة وزيادة التضخم، والمخاوف المتزايدة بشأن الهجرة، وتنامي تيارات اليمين المتطرف التي تطالب بوقف الهجرة واللجوء وتحميل المهاجرين أزمات ومشكلات الاقتصاد البريطاني يضاف إلى ذلك تحديات خارجية تتمثل في موقف ترامب من أوروبا والحرب الروسية الأوكرانية وتهديد أمن أوروبا، ورفض الناتو الانخراط في أزمات وصراعات الشرق الأوسط المعقدة.