على مدى 11 عامًا، تحاول ميليشيا "الحوثي" بسط سيطرتها على كامل محافظة تعز، إلا أنها اصطدمت بصمود القوات التابعة للحكومة الشرعية ومن خلفها تكاتف وتأييد شعبي يحول دون الاستسلام والتسليم للجماعة.
وفي الوقت الراهن، وبعد إعلان رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي البدء في عملية "فجر اليمن" بهدف استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وإنهاء انقلاب الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران، دقَّت طبول الحرب في 5 أكتوبر 2026، وبدأت المواجهات بين قوات الشرعية و"الحوثيين" في عدد من الجبهات، على رأسها ما يدور الآن في مديرتي تعز ومأرب، ما يطرح مجموعة من التساؤلات عن الأهمية الإستراتيجية لمديرية تعز في ميزان الحرب؟ ولماذا فشل "الحوثيون" في مدِّ سيطرتهم على هذه المديرية خلال هذه السنوات؟ وماذا عن خريطة السيطرة في تعز؟ وهل تصمد تعز أمام الضربات الحوثية؟ وما التحديات التي تواجه الميليشيا؟
أولًا: تطورات الصراع على تعز
نتج عن الجولة الأخيرة من المواجهات الشرسة (في الفترة من 5 إلى 7 أكتوبر 2026) في محافظة تعز، تحول متسارع نحو عمليات هجومية للقوات الحكومية والقوات المشتركة، كسرت حالة الجمود الميداني السابقة وشهدت الجبهات المختلفة بالمحافظة نتائج وتطورات ميدانية يمكن إبرازها في ما يلي:
(*) تقدم ميداني واستعادة مرتفعات إستراتيجية: أعلنت القوات الحكومية فرض سيطرتها الكاملة على جبال حيوية وحاكمة شملت (جبال المنظرة والأشاريف وذيبان) بمديرية حيفان جنوبي تعز، متقدمة لتأمين الخطوط البرية الممتدة نحو محافظة لحج والعاصمة المؤقتة عدن.
كما أحكمت القوات الحكومية والمشتركة السيطرة على عدد من التباب والمواقع المرتفعة المطلة على جبل المنصورة بمديرية الوازعية، ما عزز النفوذ والحماية للمشارف المؤدية إلى باب المندب والساحل الغربي.
(*) خسائر بشرية ومادية واسعة لدى الطرفين: أعلنت القيادات العسكرية الحكومية صدَّ هجمات مكثفة ومحاولات تسلل للحوثيين في جبهات الأقروض وبني بكاري وحِميَّر ومقبنة وجبل حبشي، ما تسبب في مقتل وإصابة عشرات العناصر الحوثية وتكبيدهم خسائر في الآليات والعتاد وفرار العديد من عناصر قواتها.
دعم الطيران العسكري العمليات البرية بسلسلة ضربات استهدفت تحركات وتعزيزات للحوثيين في مناطق الجند وماوية ومحيط مطار تعز وشمال شارع الستين، ما أدى لتعطيل الخطط الهجومية للجماعة قبل وصولها لجبهات التماس.
(*) احتدام المعارك على الحدود مع لحج: امتدت رقعة المواجهات العنيفة إلى الحدود الإدارية بين تعز ولحج (الممتدة بين الوازعية والمضاربة وشريرة وكهبوب)، جراء محاولات الحوثيين التقدم نحو ممرات البحر الأحمر وباب المندب، إلا أن القوات الحكومية تمكنت من امتصاص الهجمات وتحويلها إلى عمليات عكسية أمنت السلسلة الجبلية الحدودية.
وأسفرت المواجهات الأخيرة عن استعادة السيطرة على جبال المنظرة والأشاريف وذيبان، والسيطرة على التباب المطلة على جبل المنصورة وتأمين طرق الساحل، وإفشال محاولات تسلل حوثية وتكبيد مهاجميهم خسائر بشرية ومادية، واستهداف وإعاقة التعزيزات الحوثية عبر القصف الجوي والمدفعي.
ثانيًا: خريطة السيطرة والنفوذ
تعد خريطة السيطرة والنفوذ في محافظة تعز من بين أكثر الخرائط العسكرية تعقيدًا وتداخلًا في اليمن، إذ تقسم المحافظة إلى نطاقات نفوذ متباينة بين القوات التابعة للحكومة الشرعية (والحلفاء الميدانيين) وميليشيا أنصار الله (الحوثيين)، مع تشكل خطوط تماس وجبهات قتال مشتعلة.
وبشكل عام، تسيطر الحكومة اليمنية الشرعية وقوات الجيش الوطني تحت قيادة طارق صالح، على 12 مديرية في تعز، بينما تسيطر جماعة أنصار الله (الحوثيون) على 6 مديريات، وتظل 5 مديريات مسرحًا للمواجهات وخطوط التماس بين قوات الحكومة الشرعية وقوات ميليشيا الحوثيين.
1- مناطق سيطرة الشرعية (12 مديرية): تسيطر القوات الحكومية والمقاومة والقوات المشتركة على الكتلة السكانية والأجزاء الحيوية والساحلية من محافظة تعز.
· مركز المدينة (المحاصر): تسيطر الحكومة الشرعية وقوات العمالقة على الأحياء الداخلية والأغلبية العظمى من وسط وأحياء مدينة تعز (مثل المعلا، المظفر، والقاهرة) ومقار السلطة المحلية والقيادة العسكرية.
· المنافذ والمرتفعات الغربية والجنوبية: مثل المعافر، الشمايتين، المسراخ، وجزء كبير من جبل حبشي وبعض المرتفعات المطلة.
· الساحل الغربي والمنافذ البحرية: تسيطر القوات الحكومية بشكل كامل على مديرية المُخا، الشريان البحري والميناء الإستراتيجي، ومديرية ذوباب والوازعية بعد الوصول والسيطرة إلى مضيق باب المندب مؤخرًا.
2- مناطق سيطرة ميليشيا "الحوثي" (6 مديريات): تسيطر الميليشيا على المداخل الشمالية والشرقية والمناطق الصناعية، ما يمكنها من فرض طوق وحصار على مركز المحافظة:
· منطقة الحوبان والشرق: تسيطر بالكامل على منطقة الحوبان (المركز الاقتصادي والصناعي والتنموي لتعز) والمدخل الشرقي للمدينة.
· المديريات الشمالية والشرقية: تخضع لسيطرتهم مديريات كبرى مثل التعزية وخدير وسامع وشرعب الرونة وشرعب السلام.
· أجزاء من مديرية مقبنة والساحل الشمالي: تحتفظ الميليشيا بالتمركز في أجزاء واسعة من مديرية مقبنة والمرتفعات المتاخمة لمنفذ حيس والحديدة.
3- مناطق الاشتباكات وخطوط التماس (4 مديريات): تشهد تعز خطوط تماس طويلة وشديدة التداخل، حيث تتركز المواجهات والاشتباكات الميدانية والقصف المتبادل في المحاور التالية:
· جبهة مقبنة والكدحة (الجهة الغربية): تعد من أنشط الجبهات، حيث تحاول ميليشيا "الحوثي" التقدم لقطع الطرق والربط بين الريف الغربي والساحل، وتدور فيها معارك حول التباب والمرتفعات الحاكمة مثل جبل "نُمان".
· جبهة جبل حبشي والضباب (المنفذ الغربي): منطقة صراع إستراتيجي كونها تضم شريان خط "الضباب"، المنفذ شبه الوحيد الذي يربط مدينة تعز بالمناطق المحررة في التربة وعدن.
· جبهات حيفان وراسن والصلو (الجنوب الشرقي): خط تماس يتسم بالطبيعة الجبلية الوعرة، حيث تسعى الميليشيا عبر مرتفعات حيفان للضغط باتجاه مديرية الشمايتين والمناطق الحدودية مع محافظة لحج.
· جبهات شرق وشمال المدينة (القصر، التشريفات، والدفاع الجوي): خطوط تماس داخلية تقع بين الأحياء السكنية ومنطقة الحوبان، وتشهد تبادلًا مستمرًا للقصف المدفعي والعمليات عبر الطائرات المسيّرة والقناصة.
وتشهد محافظة تعز عمليات كر وفر وتصعيدًا عسكريًا مستمرًا، مع سعي القوات الحكومية لتثبيت مكاسبها وتأمين خطوط الإمداد نحو الساحل الغربي وباب المندب، بينما تحاول ميليشيا "الحوثي" الضغط عبر عدة محاور لإحكام الحصار على المدينة.
ثالثًا: أهمية تعز الإستراتيجية
تُمثِّل محافظة تعز في الجغرافيا العسكرية والسياسية اليمنية "بيضة القبان"، حيث لا يقتصر الصراع فيها على مجرد مواجهات في الميدان، بل يمتد ليشكل ركيزة حاسمة في معادلات القوة وتوازنات النفوذ لطرفي الصراع: الحكومة الشرعية وميليشيا "الحوثي".
1- الحكومة الشرعية:
· رمزية وطنية: تعد تعز "عاصمة الرأي والثورة" والكتلة البشرية الأكبر في اليمن بنحو (3.5) مليون نسمة وفقًا لتقديرات محلية حديثة، والسيطرة الكاملة عليها تكسب الحكومة الشرعية ثقلًا ديموغرافيًا وسياسيًا يرسخ حضورها كممثل للدولة والشعب في المحافظات الشمالية والوسطى.
· تأمين العاصمة المؤقتة (عدن) والمحافظات الجنوبية: إذ تمثل محافظة تعز خاصة (مديريات الشمايتين وحيفان والتربة) خط الدفاع الأول وعمق العاصمة المؤقتة عدن ولحج، وكسر الطوق عن تعز يمنع الحوثيين من امتلاك منصات إطلاق أو تهديد مباشر لجنوب اليمن كله.
· ربط المحاور العسكرية وتأمين الملاحة (الساحل الغربي): تؤمن السيطرة على تعز الربط الجغرافي بين المحور الجنوبي في (عدن)، والمحور الغربي (الساحل والمُخا)، وتضمن حماية الممر الملاحي في باب المندب ومنع أي خرق قد يستهدف موانئ ومنافذ الشرعية على البحر الأحمر.
· كسر الحصار واكتساب أوراق تفاوضية: يعني تحرير المحافظة بالكامل فتح كل الطرق الرئيسية والإنهاء الفعلي للحصار الإنساني والاقتصادي الذي يعاني منه ملايين السكان، ما يمنح الحكومة ورقة إستراتيجية قوية في أي مفاوضات سياسية مقبلة.
2- ميليشيا "الحوثي":
· بوابة التمدد نحو الجنوب والساحل الغربي: تمثل السيطرة الميدانية على محافظة تعز لميليشيا "الحوثي" منصة الانطلاق الرئيسية والوحيدة المحتملة للضغط باتجاه الساحل الغربي (المُخا) وممر الملاحة الدولي عند مضيق باب المندب، فضلًا عن كونها خاصرة رخوة للضغط على القوات الحكومية في لحج وعدن.
· القبضة الاقتصادية والصناعية (الحوبان): تسهم سيطرة ميليشيا "الحوثي" على منطقة "الحوبان" الواقعة شرق محافظة تعز، تحصيلهم على الموارد المالية والضريبية الهائلة، حيث تحتضن الحوبان أكبر المجمعات الصناعية والإنتاجية والتجارية في اليمن، وبالتالي تعد من أبرز مصادر التمويل والإيرادات المالية التي تقدر (بالمليارات سنويًا عبر الأنشطة التجارية والجبايات التي تفرضها ميليشيا "الحوثي" المسيطرة عليها).
· الحوبان "عقدة إستراتيجية" ومنطقة استقرار سكانى: تمثل الحوبان نقطة عقدة إستراتيجية تربط بين مدينة تعز والعديد من المديريات الشرقية والغربية والشمالية للمحافظة، وتشكل ملاذًا عمرانيًا وتجاريًا استوعب آلاف النازحين من وسط المدينة ومناطق خطوط التماس.
· تعتبر "الحوبان" منطقة التبادل التجارى الرئيسية: فبرغم وقوعها تحت السيطرة الحوثية وما فرضته الميليشيا من رسوم وضرائب على التجار والصناع والوسطاء التجاريين، إلا أنها تبقى حلقة الوصل الرئيسية في حركة السلع والبضائع خاصة خلال هدنة 2022.
· ورقة الضغط الإنساني والسياسي: تعد السيطرة على "الحوبان" خنقًا لمركز المدينة وإغلاق المنافذ الرئيسية، وورقة تفاوضية يبتز بها "الحوثيون" المجتمع الدولي والحكومة الشرعية في ملفات فتح الموانئ والملفات الاقتصادية والإنسانية في أثناء جولات الحوار.
· الخزان البشري والجغرافي: الحفاظ على مواقعهم في مرتفعات تعز والشمال (مثل شرعب ومقبنة والتعزية) يمنع قوات الحكومة الشرعية من الانطلاق لنقل المعارك إلى المحافظات المجاورة "إب – الحديدة"، ويجعل من محافظة تعز خط دفاع متقدم لحماية معاقلهم الوسطى.
رابعًا: تحديات طرفي الصراع
تواجه كل من قوات الحكومة الشرعية، وقوات ميليشيا "الحوثي" في هذه المحافظة حزمة من التحديات الميدانية والسياسية واللوجستية التي تحول دون الحسم النهائي حتى الآن:
1- تحديات الحكومة الشرعية:
· التعقيد الجغرافي واستنزاف الجبهات: تتوزع القوات الحكومية على جبهات واسعة ومترامية (شمال وشرق وغرب المدينة، وريف تعز الجنوبي والغربي) وتخوض المعارك في تضاريس جبلية وعرة، يجعل من عمليات الهجوم عالية التكلفة عسكريًا ويستهلك خطوط الإمداد وينهك القوات.
· الضغط على شريان الحياة والاحتياجات اللوجيستية: تعاني الجبهات التابعة للحكومة الشرعية من نقص في الذخائر والأسلحة النوعية، مقارنة بحجم التصعيد في تلك المناطق المترامية الأطراف.
· الطرق الرئيسية بالمحافظة والتي تربط مدينة "تعز" بعدن: تقع رهن التهديد والاستهداف المستمر، ما يصعّب عمليات التأمين والتموين.
· تعدد "القوى" وتشتت القرار القيادي: تتشكل قوات الشرعية في المحافظة وفي محيطها (الساحل الغربي ومحيط تعز) من تشكيلات متعددة (محور تعز العسكري التابع للجيش، والمقاومة الشعبية، والمقاومة الوطنية بالقوات المشتركة)، بخلاف الدعم اللوجستي الذي تقدمه قوات التحالف العربي لدعم الشرعية، على الرغم من التنسيق الميداني المرتفع، فغياب القيادة الموحدة والمندمجة كليًا تحت مظلة واحدة يظل ثغرة تؤثر أحيانًا على سرعة اتخاذ القرار والتخطيط لعمليات هجومية واسعة.
· الأعباء الاقتصادية والإنسانية داخل المحافظة: إن إدارة مركز المحافظة المكتظ بالسكان، مع استمرار الحصار الجزئي وتدهور الخدمات والعملة المحلية، يضع قيادة السلطة المحلية والقوات الحكومية تحت ضغط شعبي واقتصادي مستمر يعوق التفرغ الكامل للحسم العسكري.
2- تحديات ميليشيا "الحوثي":
· الرفض الشعبي والبيئة المجتمعية المعادية: تعد تعز حاضنة شعبية وسياسية رافضة لمشروع ميليشيا "الحوثي"، إذ تتمتع تعز بإرث جمهوري وثقافي صلب، يجعل هذا الرفض تكلفة الحفاظ على السيطرة داخل هذه المناطق السكانية مرتفعة جدًا، ويمنع ميليشيا "الحوثي" من بناء حاضنة مجتمعية داعمة داخل المحافظة.
· استنزاف العناصر في حرب العصابات والاستهداف الجوي: تتكبد ميليشيا "الحوثي" خسائر بشرية ومادية كبيرة جراء الدفع المستمر بمجموعات قتالية متتالية بهدف اقتحام المواقع المرتفعة والمحصنة تحصينًا طبيعيًا، فضلًا عن تعرض تحركات قواتها وتعزيزاتهم للغارات الجوية والضربات المركزية التي تعطل خطط التطويق.
· صعوبة حسم الجبهات ذات المزايا الدفاعية: تتحكم القوات الحكومية بمواقع وقمم جبلية مرتفعة وحيوية تطل على محاور التماس مع قوات الميليشيا، ما يجعل استكمال سيطرة ميليشيا "الحوثي" على كامل المحافظة أمرًا صعبًا يستلزم أعدادًا ضخمة وغطاءًا جويًا وتسليحيًا غير متوفر لديها دائمًا.
· إستراتيجية المحاور المفتوحة ورقعة المواجهة الإقليمية: إن انخراط ميليشيا "الحوثي" في تصعيد واشتباكات على عدة جبهات إقليمية وبحرية، إضافة إلى خطوط تماس مع المحافظات المجاورة، يشتت التركيز والقدرات اللوجيستية للجماعة ويمنعها من حشد كل ثقلها العسكري لإسقاط تعز بالكامل.
ختامًا: تظل تعز المحور الأساسي الذي يحسم شكل خارطة النفوذ في اليمن، فالحكومة الشرعية تراها مفتاح النصر والعبور ونقطة الانطلاق نحو باقي المحافظات، بينما تراها ميليشيا "الحوثي" جدارًا لحماية معاقلها وحصنًا يمنحها نفوذًا إستراتيجيًا باتجاه البحر الأحمر والجنوب.