الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

لماذا يستمر انفجار الاحتجاجات في فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية؟

  • مشاركة :
post-title
الاحتجاجات في فرنسا

القاهرة الإخبارية - د. محمد أبو سريع

تشهد أوروبا منذ سبتمبر الماضي موجة ممتدة من الاحتجاجات المتزامنة في كل من فرنسا وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال واليونان وألبانيا وغيرها، وتحوَّل بعضها إلى مواجهات عنيفة مع الشرطة، ويصف المحللون ما يجري بأنه احتجاجات منفصلة غير منسقة تجمعها فقط مظالم مشتركة، لا حركة واحدة.

في هذه السياق، تثار العديد من التساؤلات مثل: لماذا تستمر الاحتجاجات في العديد من الدول الأوروبية؟ ولماذا تتصاعد في هذا التوقيت دون التوصل إلى حلول وسط تلبي مطالب المحتجين؟ وما العامل أو الرابط المشترك لهذه الاحتجاجات؟

في ضوء ذلك، يأتي هذا التحليل للإجابة على التساؤلات السابقة من خلال التركيز على النقاط الرئيسية التالية:

تزامن الانفجار

انفجرت الاحتجاجات في توقيت متزامن وازدادت اشتعالًا بالتزامن في عدة دول أوروبية، وذلك على النحو التالي:

(*) الاحتاجات في فرنسا وكيف تطورت؟: هذه الاحتجاجات هي الأكبر بين مثيلاتها في الدول الأوروبية الأخرى، فقد قدَّر وزير الداخلية عدد المشاركين في الاحتجاجات التي انفجرت في 17 أكتوبر الجاري بنحو 550 ألفًا، بينهم 110 آلاف في باريس، وتباينت الأرقام الرسمية للموقوفين بين نحو 1200 ونحو 1800.

وبدأت الموجة في سبتمبر الماضي بحصار طلاب الثانويات مدارسهم احتجاجًا على نقص الموارد، ثم انضمت إليها بعض النقابات، وحركة "السترات الصفراء" فاتسعت المطالب إلى المعيشة والخدمات العامة.

(*) الاحتجاجات في إيطاليا واتساع نطاقها: وقعت صدامات في ميلانو وتورينو وبولونيا وبرجامو وبريشيا على هامش مسيرات ضد غلاء المعيشة وضعف الخدمات وتدني الأجور، مع اعتقالات حتى في صفوف القاصرين.

(*) احتجاجات بلجيكا والبرتغال واليونان وألبانيا: تنوعت أسباب التظاهرات في تلك الدول، فقد اشتعلت ضد رسوم التسجيل الجامعي في بروكسل، وضد تكلفة السكن والوقود في لشبونة، وضد غلاء السكن الطلابي في أثينا، وضد الفساد وقلة الوظائف في ألبانيا.

أزمات خارجية

تتباين الأزمات والصدمات التي أثرت سلبًا في الأحوال المعيشية في الدول الأوروبية، وبالتالي يمكن يتعين عند تفسير أسباب اشتعال الاحتجاجات في هذه الدول، أخذ هذه الصدمات بعين الاعتبار، وذلك على النحو التالي:

(*) الحرب على إيران وأسعار الطاقة: بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير 2026، فارتفعت تكاليف الطاقة بحدة، وتقدر المفوضية الأوروبية كلفتها على أوروبا بنحو 100 مليار يورو بسبب اضطراب التجارة والطاقة، مع ارتفاع أسعار الغاز نحو 140% ومضاعفة سعر الديزل، وفي فرنسا قفزت أسعار الطاقة 21.3% على أساس سنوي في سبتمبر الماضي.

(*) التأثير السلبي اقتصاديًا واجتماعيًا للأزمات السابقة: جاءت الاحتجاجات الحالية بعد سنوات من الإجهاد الاقتصادي إثر جائحة كورونا التي أعقبتها أو تزامنت معها الأزمة الروسية الأوكرانية منذ عام 2022، حينما وُجِدت أسر أوروبية بلا هوامش إدخار.

(*) أولويات الإنفاق في ظل الحروب الحالية: تظهر الحرب في شعارات الاحتجاجات المشتعلة الآن، ومنها هتاف طلاب تورينو "المال للمدارس لا للحرب"، وهو اعتراض على ترتيب الأولويات في الموازنات.

ضغوط داخلية

تعاني الدول الأوروبية بفعل الصراعات والحروب الراهنة المتأثرة بها خاصة الأزمة الروسية الأوكرانية والأزمة الإيرانية، من العديد من الضغوط التي يأتي في مقدمتها ما يلي:

(*) ارتفاع تكاليف السكن: قال وزير المالية البرتغالي إن الاحتجاجات تدور أساسًا حول تكاليف السكن التي ارتفعت كثيرًا في أنحاء أوروبا، وفي إسبانيا والبرتغال، أُقيمت مخيمات احتجاج على الإيجارات.

(*) انخفاض مستوى خدمات التعليم وغيرها من الخدمات العامة: شكلت المدارس والجامعات الشرارة الأولى في فرنسا وبلجيكا واليونان، بسبب نقص في الكوادر وتردي المباني وارتفاع في الرسوم وغموض في مستقبل الخريجين.

(*) ضيق الحيز المالي والارتباك الحكومي لتحسين الأحوال: يرى كبير اقتصاديي أوروبا في "كابيتال إيكونوميكس" أن جوهر المشكلة تكمن في أن النمو بطيء والديون ضخمة، فلا تستطيع الحكومات زيادة الإنفاق ولا خفض الضرائب، وبالتالي لم تتمكن هذه الحكومات من توفير حلول توفر تحسنًا قريبًا رغم أن بعضها خفض ضرائب الوقود وحددت الأسعار، لكن هذه إجراءات مكلفة ومحدودة الأثر.

(*) محاولة بعض القوى السياسية في الدول الأوروبية تحقيق منافع انتخابية: سوف تشهد كل من فرنسا وإيطاليا وبولندا انتخابات العام المقبل، وتتحسن مؤشرات تأييد اليمين المتطرف مع غلاء الطاقة، ومنها تحسن أرقام مارين لوبان وحزب "فرنسا الأبية" منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية علي إيران بحسب استطلاع Elabe، وتصدر كذلك حزب "البديل من أجل ألمانيا" استطلاعات الرأي، وهذا يرفع حساسية الحكومات في التعامل مع مطالب الاحتجاجات ويزيد الاستقطاب لصالح هذه القوى السياسية.

لماذا اشتعلت الاحتجاجات الأوروبية الآن؟

يمكن تحديد التفسير الأرجح لذلك في تراكم التأثير السلبي لأزمات الخارج على الداخل الأوروبي الذي على ما يبدو ضَعُف تدريجيًا في مواجهة هذه الأزمات أو الصدمات الخارجية، فقد وقعت صدمة أو أزمات خارجية جديدة على مجتمعات مرهقة أصلًا تركت لدى شبابها شعورًا بانسداد الأفق، وفي بلدان ذات تقاليد احتجاجية قوية، وقبيل استحقاقات انتخابية، وانضمام النقابات والمزارعين وسائقي الشاحنات إلى الطلاب، وسَّع القاعدة الاحتجاجية، ثم تكفلت جماعات صغيرة ملثمة بتحويل أجزاء من المسيرات السلمية إلى مواجهات عنيفة.

ويتأكد هذه التفسير في أن الزيادة الحالية في تكاليف الطاقة أصغر من زيادة عام 2022 في أوروبا، ومع ذلك لم تشهد تلك السنة احتجاجات عنيفة مماثلة، فصدمة الطاقة بفعل الصراعات والحروب الحالية لا تفسر وحدها الانفجار الراهن لهذه الاحتجاجات التي تعددت أسباب تفسيرها لدى الأطراف المختلفة، وذلك على النحو التالي:

(*) تفسير الحكومات لأسباب الاحتجاجات: تم استغلال الاحتجاجات لتحقيق مصالح انتخابية، فعلى سبيل المثال تتهم الحكومة الفرنسية أقصى اليسار بتأجيج الاضطرابات لمكاسب سياسية.

(*) تفسير المحتجين أنفسهم ومنتقدي الحكومات: يرون أن الغضب الاجتماعي حقيقي، والعنف يقع على هامش حشود سلمية في أغلبها.

(*) تفسير مناهضي الحرب: يجعلون من الحرب السبب الأول، وهو تفسير يتقاطع جزئيًا مع الأرقام، لكنها تهمل عوامل محلية مثل السكن في البرتغال والفساد في ألبانيا.

ويتبين مما سبق، أن اشتعال شرارة هذه الاحتجاجات بفعل التقاء صدمة خارجية في أسعار الطاقة بهشاشة داخلية متراكمة في المعيشة والسكن والتعليم والمالية العامة، لذلك لا يمكن تفسير الاشتعال في الموجة الحالية من هذه الاحتجاجات بعامل واحد فقط.

وفي النهاية، يمكن القول إن المظاهرات الأوروبية اشتعلت واستمرت منفجرة بفعل تفاعل أو التقاء التأثير السلبي لصدمة طاقة خارجية، ناتجة عن حرب أعادت تسعير الوقود والغاز، مع هشاشة داخلية في السكن والتعليم وغيرهما من الخدمات العامة، وهذا يفسر تشابه المطالب مع اختلاف شرارات الاحتجاجات من بلد أوروبي إلى آخر.

وسيتوقف مدى استمرار الموجة الأوروبية الراهنة من الاحتجاجات على مسار أسعار الطاقة، وعلى قدرة الحكومات على تقديم إغاثة ملموسة في السكن والأجور والتعليم، وعلى كيفية استثمار الأحزاب المتنافسة، ولا سيما اليمين المتطرف، لهذا الغضب في الانتخابات المقبلة، وتتوقع بعض التقارير اتساع التحركات إلى دول أخرى، وهو أمر لا يمكن الجزم به الآن.