يستعد عشرات الآلاف من الإسرائيليين المقيمين في الخارج للعودة إلى بلادهم للمشاركة في انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر الجاري، في محاولة للإطاحة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وسط اعتراضات على إدارته للحرب في غزة، والعنف في الضفة الغربية المحتلة، والخلافات بشأن التجنيد العسكري الإلزامي.
ممر جوي
وذكرت صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية، أن ما لا يقل عن 53 ألف إسرائيلي يعيشون خارج البلاد يخططون للسفر إلى إسرائيل للإدلاء بأصواتهم، في تحرك يصفه مراقبون بأنه غير مسبوق، مع تزايد المخاوف من تداعيات سياسات الحكومة على المجتمع الإسرائيلي وصورة البلاد في الخارج.
ولا تسمح إسرائيل لغالبية مواطنيها المقيمين في الخارج بالتصويت عبر البريد، ما يضطرهم إلى تحمل تكاليف السفر والعودة إلى البلاد للمشاركة في الانتخابات، وبحسب تقديرات المكتب المركزي للإحصاء، يعيش نحو 600 ألف إسرائيلي خارجها.
وحسب "ذا تليجراف" فإن عددًا من الإسرائيليين المقيمين في الخارج يعتزمون العودة للتصويت ضد نتنياهو بسبب اعتراضات تشمل ارتفاع عدد الشهداء الفلسطينيين في غزة، وعنف المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة، والخلافات بشأن إعفاء اليهود المتشددين من الخدمة العسكرية الإلزامية.
تداعيات الحرب
أفادت وزارة الصحة الفلسطينية باستشهاد أكثر من 74 ألف فلسطيني في غزة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023ـ وفي الضفة الغربية المحتلة، أُبلغ عن وقوع 170 هجومًا على الأقل منذ 27 سبتمبر، فيما انتقد نتنياهو عنف المستوطنين، لكنه لم يبذل جهودًا تذكر لوقفه.
وفي الأسبوع الماضي، تعرضت هايدي ليفين، المصورة الصحفية في صحيفة "واشنطن بوست"، للضرب على يد مستوطنين، وكادت تفقد أحد أصابعها، وفي اليوم التالي تعرض وفد من الدبلوماسيين الأوروبيين لهجوم.
وأضرت هذه الحوادث بسمعة إسرائيل وسط تصاعد العداء لها في أنحاء العالم، إذ سجلت مؤسسة الأمن المجتمعي البريطانية 1926 حادثة خلال النصف الأول من العام الحالي، بزيادة 21% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
وجاءت هذه الأرقام بعد سلسلة من الهجمات الدامية على المجتمعات اليهودية، بينها مقتل رجلين يهوديين في هجوم على كنيس يهودي في مانشستر خلال أكتوبر، ومقتل 15 شخصًا في إطلاق نار استهدف احتفالًا بعيد حانوكا على شاطئ بوندي في ديسمبر.
فرص المعارضة
تأتي الانتخابات الحالية، وهي الأولى منذ أحداث 7 أكتوبر 2023، وسط استطلاعات للرأي تشير إلى تقدم جادي آيزنكوت، المنافس الرئيسي لنتنياهو، بفارق 12 نقطة مئوية.
وظل المجتمع اليهودي الأرثوذكسي المتشدد معفيًا من الخدمة العسكرية الإلزامية بموجب ترتيبات ازدادت إثارة للجدل بعد ثلاث سنوات من الحرب، وفي المقابل تعهد قادة المعارضة بإنهاء هذه الاستثناءات، بينما أيد ائتلاف نتنياهو تشريعًا يسمح لكثير من الرجال المتشددين دينيًا بتجنب التجنيد.
مبادرة "سافر وصوّت"
ومع تزايد الضغوط على نتنياهو، دفع إصرار الإسرائيليين المقيمين في الخارج على التأثير في نتائج الانتخابات حزب الليكود الذي يتزعمه إلى اللجوء للقضاء ضد مبادرة تهدف إلى تسهيل عودة المغتربين للمشاركة في التصويت.
وأطلقت منظمة "تحالف المعونة"، ومقرها الولايات المتحدة، برنامجًا يحمل اسم "سافر وصوّت"، بهدف مساعدة الإسرائيليين المقيمين بالخارج على العودة للمشاركة في الانتخابات، من خلال تقديم المساعدة في الترتيبات الإدارية
قدم محامٍ يمثل حزب الليكود استئنافًا للمطالبة بإنهاء البرنامج، واصفًا إياه بأنه "رشوة انتخابية"، ومعتبرًا أنه ينتهك قانون تمويل الأحزاب.
وقال الحزب إن التفاوض مع شركات الطيران للحصول على أسعار جماعية مخفضة يمثل منفعة غير مشروعة، حتى عندما يتحمل المسافرون تكلفة تذاكرهم بأنفسهم، لكن الاستئناف أُسقط لاحقًا.
تحرك غير مسبوق
ووصف يوسي ميكلبرج، الخبير في السياسة الإسرائيلية لدى معهد تشاتام هاوس، تحرك الإسرائيليين المقيمين في الخارج بأنه غير مسبوق، وقال: "إنه أمر غير عادي للغاية، لم أرَ شيئًا كهذا من قبل، وأستطيع أن أؤكد لكم أنه لم يحدث قط في تاريخ البلاد".
ويأتي هذا التحرك في وقت تواجه فيه إسرائيل تزايدًا في الهجرة العسكية، فمنذ عام 2023، يغادر نحو 50 ألف خريج إسرائيلي البلاد سنويًا، ما يثير مخاوف من "هجرة العقول"، مع انتقال أصحاب الكفاءات العالية والدخول المرتفعة إلى الخارج.
يرى "ميكلبرج" أن خصائص الإسرائيليين العائدين للتصويت تغيرت مقارنة بالانتخابات السابقة، عندما كان العائدون في الغالب من اليهود المتشددين الذين طالما دعمت أحزابهم نتنياهو.
وقال إن الأصوات القادمة من الخارج تعكس هذه المرة دعمًا أكبر للمعارضة، موضحًا أن كثيرين يسافرون لأنهم يعتقدون أن الديمقراطية تعرضت للمساس في ظل الحكومة الحالية، ويعارضون طريقة إدارة الحرب في غزة.
وأضاف أن هؤلاء يعترضون أيضًا على ما يعتبرونه أكبر إخفاق أمني شهدته إسرائيل في هجمات 7 أكتوبر 2023، فضلًا عن الفساد، مؤكدين أن الوقت حان للتغيير.
ومع اقتراب موعد الانتخابات وتوقع وصول آلاف المغتربين إلى مطار بن جوريون قبل يوم الاقتراع، تتجه الأنظار إلى مدى تأثير أصواتهم في النتيجة، وما إذا كانت ستشكل ضربة سياسية لنتنياهو.