الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

الفساد يلتهم المساعدات.. الجوع يدفع الأسر الفنزويلية للتخلي عن احتياجاتها الأساسية

  • مشاركة :
post-title
56% من الأسر الفنزويلية تعاني من درجات متفاوتة من انعدام الأمن الغذائي

القاهرة الإخبارية - مصطفى لبيب

حذّر مسح ميداني جديد من أن نحو 56% من الأسر الفنزويلية تعاني درجات متفاوتة من انعدام الأمن الغذائي، وتواجه قرارات صعبة تتعلق بالاستغناء عن الاحتياجات الأساسية للمعيشة في مقابل توفير الوجبات الغذائية الأساسية.

ومنذ عهد هوجو تشافيز، احتل الغذاء مكانة محورية في السياسة الاجتماعية، فبعد الأزمة السياسية عام 2002، عززت الحكومة مؤسسة الإمداد والخدمات الزراعية، وشجعت على تخزين السلع الأساسية، وفقًا لصحيفة "إل ناسيونال".

مكانة محورية للغذاء

وفي عام 2003، أُنشئت شبكة متاجر "ميركال" التي تقدم مواد غذائية مدعومة من الحكومة، وفي عام 2007، دُمج البرنامج في برنامج "مهمة الغذاء"، إذ أسهمت هذه البرامج في توسيع نطاق الحصول على الغذاء المدعوم خلال سنواتها الأولى.

إلا أنه مع التراجع الاقتصادي والفساد ومشكلات الإمداد، فقدت الشبكتان قدرتهما التشغيلية، وفقًا للصحيفة، مشيرةً إلى أنه منذ عام 2015 فصاعدًا، فاقمت أزمة نقص الغذاء وانهيار القدرة الشرائية صعوبة الحصول على الغذاء.

وفي عام 2016، أنشأت حكومة نيكولاس مادورو اللجان المحلية للإمداد والإنتاج، التي وزعت أكياسًا أو صناديق من السلع الأساسية بأسعار مدعومة. وشملت هذه الطرود الأرز والمعكرونة والدقيق والفاصوليا والزيت وغيرها من المواد الغذائية غير القابلة للتلف، والمخصصة للأسر التي تواجه صعوبة في الحصول على الإمدادات من السوق.

كان يحتل الغذاء مكانة محورية في السياسة الاجتماعية منذ عهد تشافيز
الفساد يلتهم المبادرات

أصبحت المبادرة مصدرًا للمساعدة للأسر الفقيرة، لكنها أصبحت أيضًا موضوعًا للشكاوى بشأن المخالفات في الحصول على المنتجات وتوزيعها، إذ وثّقت تحقيقات ومنظمات مزاعم التلاعب بالأسعار، ووجود وسطاء، وتحقيق مكاسب مالية مزعومة لرجال أعمال ومسؤولين مرتبطين بالبرنامج.

كشفت الشكاوى عن مشكلات في الجودة، وعدم انتظام في عمليات التسليم، واختلافات بين المنتجات التي تلقتها المجتمعات، ووُصف توزيع الصناديق بأنه آلية للسيطرة السياسية في المناطق التي تعتمد فيها الأسر على المساعدات الحكومية.

وثّقت المنظمات أيضًا كيف استُغلّ البرنامج من قِبل شبكات الفساد والجماعات الإجرامية التي استفادت من توزيعه، ووفقًا لتحقيقاتهم، بدأت الصناديق بالوصول بتأخيرات متزايدة منذ أغسطس 2025، وتوقف التوزيع تمامًا في أوائل عام 2026، على الرغم من أن الحكومة لم تُعلن رسميًا عن إغلاق البرنامج.

تأجيل النفقات من أجل الطعام

ووفقًا للدراسة الجديدة التي أجرتها مؤسسة بينجوا الفنزويلية ومنظمات أخرى، بعنوان الأمن الغذائي في فنزويلا، تشير البيانات الاقتصادية، على الصعيد المعيشي والقدرة الشرائية، إلى أن متوسط دخل الأسرة الشهري بلغ نحو 435 دولارًا أمريكيًا.

في حين تظهر التقديرات الواقعية أن الأسرة تحتاج إلى نحو 900 دولار شهريًا لتغطية الحد الأدنى من متطلبات الحياة الأساسية التي تشمل الغذاء، والسكن، والرعاية الصحية، والتعليم، وسط زيادة مطردة في أسعار نحو 61 منتجًا أساسيًا للحياة.

وأظهرت أحدث البيانات الاقتصادية، الصادرة عن مراكز رصد الإنفاق العام، قفزة قياسية في التضخم التراكمي الممتد من يناير حتى سبتمبر 2026 ليبلغ 242.87%، في ظل التذبذب الحاد لسعر صرف البوليفار "العملة الفنزويلية".

وفي السياق ذاته، كشف المسح الميداني أن العجز المالي دفع العديد من العائلات إلى التضحية باحتياجات أساسية أخرى، مثل تأجيل النفقات التعليمية أو التوقف عن شراء الأدوية اللازمة، بغية توفير الموارد الضئيلة لشراء المواد الغذائية المتاحة بالأسواق.

تشير التقديرات إلى أن نحو 22% من الأطفال خضعوا لتقييمات أثبتت وقوعهم تحت دائرة خطر سوء التغذية
سوء التغذية وكارثة إنسانية

أما على مستوى الطفولة المبكرة والمجتمعات الأكثر هشاشة، فكشف المسح عن مؤشرات مقلقة، إذ بلغ معدل سوء التغذية الحاد بين الأطفال دون سن الخامسة نحو 9.1%، بينما تشير التقديرات إلى أن نحو 22% من الأطفال خضعوا لتقييمات أثبتت وقوعهم تحت دائرة خطر سوء التغذية.

وفي بعض الولايات والمجتمعات الأكثر فقرًا وضعفًا، سجلت معدلات سوء التغذية الحاد مستويات حرجة تتراوح بين 18% و24%، وهي عتبات تنذر بكارثة إنسانية فعلية، كما حذرت التقارير من بلوغ معدلات التقزم وسوء التغذية المزمن نسبًا مرتفعة تؤثر بشكل مباشر على التطور المعرفي والقدرات التعليمية للأجيال الناشئة.

وفيما يتعلق بالقطاع الزراعي والإنتاجي، أوضحت مؤشرات منظمة الأغذية والزراعة أن الإنتاجية العامة للأرض والعمل في فنزويلا لا تزال متدنية وتبلغ نحو ثلث المعدلات المسجلة في عموم منطقة أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.

إستراتيجيات اقتصادية شاملة

ويرجع ذلك إلى عقبات هيكلية تشمل ضعف المحاصيل، ونقص رأس المال والاستثمارات الزراعية، والاعتماد المفرط على المدخلات المستوردة كالأسماك والبذور والآلات، فضلًا عن تراجع أعداد العمالة الزراعية ومحدودية خدمات الدعم المقدمة للقطاع الريفي.

وأكد الباحثون والخبراء في مراكز الدراسات التنموية والصحية الفنزويلية، أن مجرد توفر السلع الغذائية في المتاجر الكبرى لا يعني بالضرورة قدرة المواطنين على الحصول عليها أو استهلاكها بالشكل الكافي، وفقًا لتصريحاتهم للصحيفة.

وشدد الخبراء على أن معالجة أزمة انعدام الأمن الغذائي تتطلب إستراتيجيات اقتصادية شاملة تضمن رفع القدرة الشرائية للأسر، وتوفير الدخل الكافي، وإعادة تنشيط النظام الإحصائي الوطني لتوفير بيانات دقيقة ومحدثة، بدلًا من الاكتفاء بالمؤشرات الإحصائية العامة التي تخفي خلفها تفاصيل المعاناة المعيشية اليومية للمواطنين.