الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

"مفيش راجل بيعيط".. فيلم وثائقي يفكك صورة الرجولة النمطية

  • مشاركة :
post-title
مفيش راجل بيعيط

القاهرة الإخبارية - إنجي سمير

صنّاع الفيلم لـ"القاهرة الإخبارية": رحلة العمل استمرت 10 سنوات لاستكشاف عوالم الحراس الشخصيين ولاعبي المصارعة

في رحلة سينمائية امتدت لنحو 10 سنوات، خرج الفيلم الوثائقي المصري "مفيش راجل بيعيط"، للمخرج محمد مصطفى، إلى النور عبر النسخة التاسعة في مهرجان الجونة السينمائي، إذ يقترب العمل من عالم الحراس الشخصيين "البودي جارد" ولاعبي كمال الأجسام في القاهرة، ليكشف ما وراء الصورة النمطية للرجل القوي، ويطرح تساؤلات حول مفهوم الرجولة في المجتمع، وما يرتبط به من كبت للمشاعر وإخفاء لمظاهر الضعف والهشاشة، للظهور بمظهر القوي أمام المجتمع.

الفيلم الذي شهد عرضه العالمي الأول ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية بمهرجان الجونة السينمائي الدولي، ويمتد على مدار 76 دقيقة، تتداخل خلالها الحكايات الشخصية مع أسئلة أوسع تتعلق بالهوية الذكورية والضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تشكّل حياة الرجال، في محاولة لفهم ما تخفيه المظاهر القوية من تجارب إنسانية معقدة.

وفي تصريحات خاصة لموقع "القاهرة الإخبارية"، تحدث صنّاع الفيلم عن كواليس العمل ورحلته الطويلة، بدءًا من البحث في عوالم الحراس الشخصيين ولاعبي المصارعة وكمال الأجسام، مرورًا ببناء علاقة من الثقة والصداقة مع بطل الفيلم عبد الله العربي، وصولًا إلى التحديات الإنتاجية والفنية التي واجهت المشروع، وآفاق وصول الأفلام الوثائقية المستقلة إلى الجمهور.

محمد مصطفى: الفيلم يبرز القيم المرتبطة بالصورة النمطية للرجولة

يقول المخرج المصري محمد مصطفى إن عنوان الفيلم "مفيش راجل بيعيط" يبرز مجموعة من القيم المرتبطة بالصورة النمطية للرجولة، التي ينشأ عليها الرجال في المجتمع، وتفرض عليهم الظهور بمظهر القوة الدائم، وإخفاء مشاعرهم وعدم إظهار ضعفهم، حتى لو كان ذلك على حساب صحتهم النفسية.

وأوضح أن الفيلم لا يكتفي بتقديم هذه الصورة فحسب، بل يسعى إلى تفكيكها ونقدها، من خلال استكشاف عوالم الرجال وفهم الكيفية التي تتشكل بها الرجولة باعتبارها أداء اجتماعيًا، وما يخفيه هذا الأداء من مشاعر وتجارب وتناقضات.

وأشار إلى أن اختياره عالم الحراس الشخصيين ولاعبي المصارعة جاء باعتباره تجسيدا مكثفا لمعايير القوة الجسدية، إذ يقترب الفيلم من رجال تبدو أجسادهم الضخمة عنوانًا للقوة، لكنه يحاول النفاذ إلى ما وراء هذه الصورة، واستكشاف الطبقات النفسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية التي تشكل حياتهم.

وأضاف أن هشاشة الشخصيات ليست سوى جانب من جوانب الحكاية، فالفيلم يتناول أيضًا علاقة هؤلاء الرجال بأسرهم، ولا سيما الآباء، والظروف الاجتماعية والاقتصادية التي نشأوا فيها، فضلًا عن علاقتهم بالمجتمع.

ولفت "مصطفى" إلى أن طبيعة العمل استلزمت وقتًا طويلًا، موضحًا أن المشروع بدأ ببحث استمر نحو 3 أو 4 سنوات قبل أن يقرر تحويله إلى فيلم، ثم تداخلت مراحل التصوير والكتابة والمونتاج، إلى جانب صعوبات التمويل والوقت اللازم لبناء الثقة مع الشخصيات التي تظهر أمام الكاميرا.

وأكد أن بناء علاقة إنسانية مع بطل الفيلم كان عنصرًا أساسيًا في إنجاز العمل، مشددًا على أن تصوير حياة الآخرين يفرض مسؤولية أخلاقية كبيرة على صانع الفيلم، الذي يتعين عليه التعامل باحترام مع الشخصيات التي تمنحه جزءًا من حياتها وصورتها أمام الجمهور.

وعن أثر التجربة عليه شخصيًا، أوضح "مصطفى" أن علاقته بجسده تغيرت خلال السنوات العشر التي استغرقها العمل، مشيرًا إلى أنه بدأ تصوير الفيلم بوزن 69 كيلوجرامًا، بينما وصل وزنه لاحقًا إلى 85 كيلوجرامًا، كما خاض تجربة المصارعة، وهو ما انعكس على علاقته بالجسد والموضوع الذي يتناوله الفيلم.

عبد الله العربي: الصداقة صنعت مساحة من الثقة أمام الكاميرا

من جانبه، تحدث عبد الله العربي، بطل الفيلم، عن بداية علاقته بالمخرج محمد مصطفى، موضحًا أن الأخير عرض عليه الفكرة في البداية، لكن المشروع لم ينطلق مباشرة، قبل أن تتجدد اللقاءات بينهما بعد نحو عامين، وتتطور العلاقة من مجرد تعاون محتمل إلى صداقة حقيقية.

وأشار "العربي" إلى أن هذه الصداقة أسهمت في بناء مساحة من الثقة والتفاهم بينهما، وهو ما انعكس على طبيعة التصوير، إذ لم تعد العلاقة مقتصرة على وجود مخرج أمام الكاميرا وشخصية تظهر أمامها، بل أصبحت شراكة إنسانية وفنية امتدت إلى تفاصيل العمل اليومية.

وأوضح أن بعض المواقف التي يتناولها الفيلم كان من الصعب تكرارها أو إعادة تصويرها، الأمر الذي استلزم الاستعداد لطبيعة المكان والظروف المحيطة بالمشهد، دون التدخل في السلوك الطبيعي للشخصيات أو مطالبتها بأداء تصرفات مصطنعة.

وأضاف أن التحضير كان يتمحور في أحيان كثيرة على تحديد المكان والخطوات المقبلة وكيفية دخول الكاميرا إلى المشهد، بينما لم يكن الهدف توجيهه إلى كيفية التصرف أو الظهور أمامها، مؤكدًا أن الحفاظ على عفوية الشخصيات كان من أهم عناصر التجربة.

وعن المرحلة المقبلة بعد الفيلم، أوضح العربي أنه ترك العمل في مجال الحراسة الشخصية منذ نحو عام ونصف العام إلى عامين، معربًا عن تطلعه إلى خوض تجارب جديدة وبدء مرحلة مختلفة في حياته.

أدهم الشريف: الأفلام الوثائقية المستقلة تحتاج إلى فرص توزيع أوسع

بدوره، قال منتج وموزع الفيلم أدهم الشريف إن حماسه للعمل جاء من قيمته الفنية والإنسانية، معتبرًا أنه يقدم شخصيات لا تحظى عادة بالاهتمام الكافي، ويمنحها مساحة للتعبير عن تجاربها بعيدًا عن الصور الجاهزة والأحكام المسبقة.

وأضاف أن الشخصيات المهمشة تمثّل عنصرًا مهمًا في السينما، إذ يمكن للجمهور أن يتعرف من خلالها على جوانب من حياته وتجربته الإنسانية، حتى لو اختلفت ظروفه عن ظروف أبطال الفيلم.

وأشار "الشريف" إلى أن موضوع العمل يتجاوز استكشاف عالم الحراس الشخصيين، ليطرح أسئلة تتعلق بالنوع الاجتماعي والصورة النمطية للرجل، ومدى قدرة المجتمع على تقبل إظهار الرجال لمشاعرهم وضعفهم، مؤكدا أن الفيلم يمكن أن يفتح مساحة أكبر للتفاهم بين الرجال والنساء.

وأوضح أن أحد أهداف السينما الوثائقية هو تقديم حكايات واقعية قادرة على الوصول إلى الجمهور خارج دائرة المهتمين بصناعة الأفلام، مشيرًا إلى أن هذه الأعمال تحتاج إلى فرص عرض وتوزيع أكثر انتظامًا حتى تتمكن من بناء جمهور مستمر.

وفيما يتعلق بتحديات التوزيع، لفت الشريف إلى أن الفيلم الوثائقي المستقل قد يواجه صعوبة في المنافسة المباشرة مع الأفلام الروائية التجارية، لكنه يستطيع إيجاد مساحة داخل دور العرض من خلال تنظيم عروض تجمع أفلامًا متقاربة في طبيعتها وموضوعاتها، بما يساعد على جذب جمهور مهتم بهذا النوع من السينما.

وأكد أن تكرار تجارب عرض الأفلام الوثائقية في دور السينما يمكن أن يسهم في ترسيخ حضورها، مستشهدا بتجارب سابقة لأفلام وثائقية وصلت إلى شاشات العرض، ومشيرًا إلى أن بناء جمهور لهذا النوع من الأعمال يتطلب استمرار المحاولات وتطوير الحملات الدعائية واختيار مواعيد عرض مناسبة.

كما تطرق إلى أهمية امتلاك صناع الأفلام المستقلة خبرة في التوزيع، موضحًا أن رحلة الفيلم لا ينبغي أن تنتهي عند مشاركته في المهرجانات، بل يجب أن تمتد إلى دور العرض والمنصات الرقمية، بما يتيح فرصًا أفضل لاستمرار المخرجين والمنتجين في إنجاز مشروعات جديدة.

واختتم "الشريف" حديثه بالتأكيد على أن الجدية التي تعامل بها محمد مصطفى مع الفيلم على مدار نحو 10 سنوات كانت من أبرز أسباب حماس فريق العمل له، لا سيما أن المخرج حرص على بناء علاقات إنسانية مع الشخصيات قبل تصويرها، بما أتاح لها الظهور بصورة طبيعية داخل الفيلم.