كشف المخرج المصري يسري نصر الله، عن التفاصيل المتعلقة بمسيرته الفنية ورؤيته لصناعة السينما، مستعرضا أبرز المحطات التي شكلت تجربته الإخراجية، وكواليس عدد من أفلامه، بجانب حديثه عن تعاونه مع كبار الفنانين والمخرجين، ورؤيته لمستقبل التصوير السينمائي، خلال مشاركته في فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، من خلال ماستر كلاس بعنوان "سينما الابتكار"، أدارها المخرج أحمد عامر، وشهدت حضور عدد من الفنانين، من بينهم النجوم يسرا، حسن الرداد، سلوى محمد علي، وأحمد داش، إلى جانب مجموعة من صناع السينما والمهتمين بها.
حلم الإخراج
استعاد يسري نصر الله بدايات شغفه بالسينما، موضحًا أن رغبته في إخراج الأفلام بدأت منذ طفولته، وتحديدًا عندما كان في السابعة من عمره، لكنه ورغم ذلك أكد لم يخض تجربته الإخراجية الأولى إلا بعد تجاوز الثلاثين، موضحًا أن تأخره في تنفيذ أول أفلامه لم يكن ناتجا عن نقص في المعرفة الفنية أو عدم الاستعداد للعمل، وإنما بسبب شعوره بالحاجة إلى خوض المزيد من التجارب الحياتية قبل الانتقال إلى مرحلة الإخراج، لافتًا أن الخبرات الإنسانية تمثّل عنصرًا أساسيًا في تكوين رؤية المخرج وقدرته على تقديم أعمال سينمائية أكثر عمقًا.
وأشار إلى أن صناعة الفيلم تمر بمراحل متعددة، تبدأ من كتابة السيناريو، ثم التصوير، وصولًا إلى المونتاج، ولكل مرحلة طبيعتها الخاصة ومتطلباتها الفنية، وهو ما يستدعي من المخرج إعادة التفكير في النص المكتوب والبحث عن الإمكانيات التي يمكن تحويلها إلى عناصر بصرية ودرامية على الشاشة.
وأكد نصر الله أن السؤال الأساسي الذي ينبغي أن يطرحه المخرج على نفسه قبل تنفيذ السيناريو هو: "إيه اللي أقدر أطلعه سينمائيًا من النص ده؟"، مشيرًا إلى أن السيناريو الجيد يمنح المخرج أساسًا متماسكًا ينطلق منه، لكنه لا يعني الاكتفاء بنقل الأحداث المكتوبة بصورة حرفية، بل يتطلب اكتشاف ما تحمله من إمكانيات سينمائية.
فلسفة الإخراج
يؤكد يسري نصر الله أن جوهر العمل السينمائي لا يقتصر على الأفكار أو الحوارات، وإنما يرتبط بقدرة المخرج على تحويلها إلى صور ومشاعر وحركة تصل إلى الجمهور وتترك أثرًا لديه، قائلًا: "أنت لا تصور أفكار، إنت بتصور فعلًا.. إذا لم يكن هناك إحساس في الفيلم، فليس هناك فيلمًا".
وأوضح أن الفيلم لا ينبغي أن يتحول إلى مجموعة من الشخصيات التي تتبادل الحوارات وتقدم أفكارًا سياسية أو فلسفية بصورة مباشرة، مشيرًا إلى أن الحوار يكتسب قيمته الحقيقية عندما يتكامل مع الموسيقى وحركة الكاميرا وأداء الممثلين والإيقاع العام للمشهد.
وشدد على أهمية المرونة في التعامل مع السيناريو خلال مراحل التنفيذ، موضحا أن المخرج قد يكتشف أثناء البروفات أو التصوير أن بعض المشاهد تحتاج إلى تعديل في الأداء أو الإيقاع أو ترتيب الأحداث، وهو ما يستدعي الاستعداد لإعادة النظر في التصور الأولي للعمل.
واستشهد بفيلم "المدينة"، بطولة باسم سمرة، موضحا أن أحد المشاهد المؤثرة في العمل كان يأتي في مرحلة متأخرة من السيناريو، لكنه لاحظ أثناء مشاهدة النسخة التي جرى مونتاجها أن قوة هذا المشهد تؤثر في وقع الأحداث التالية له.
وأضاف أنه ناقش الأمر مع مونتير الفيلم تامر عزت، حتى توصلا إلى نقل المشهد إلى بداية العمل، ليصبح مدخلًا قويًا للأحداث، مع إعادة بناء الإيقاع الدرامي للمشاهد اللاحقة بما يتناسب مع هذا التغيير.
وأشار إلى أن السيناريو يمنح المخرج قدرًا من الثقة أثناء العمل، لكن الحفاظ على تأثير الفيلم يتطلب الانتباه إلى إحساس المشاهد وإيقاعها، وعدم التردد في إجراء التعديلات التي تخدم التجربة السينمائية.
كواليس اختيار "احكي يا شهرزاد"
تطرق نصر الله خلال الندوة إلى عن كواليس اختياره إخراج فيلم "احكي يا شهرزاد"، الذي عُرض عام 2009، وكتبه السيناريست الراحل وحيد حامد، مشيرا إلى أن مشهد الفتيات اللاتي يسبحن في البحر وهن يرتدين الجلابيب كان من التفاصيل التي لفتت انتباهه وجذبته إلى العمل.
وأشاد المخرج المصري بأداء الفنانة منى زكي، مؤكدًا تقديره لموهبتها وقدرتها على تقديم شخصيات متنوعة ومفاجأة الجمهور من خلال اختياراتها الفنية، إذ قال عنها: "منى زكي ممثلة بديعة وجميلة جدًا، وشاطرة في شغلها، ودائمًا تفاجئني بشغلها".
وأضاف أنه لا يستطيع تخيل فيلم "احكي يا شهرزاد" من دون منى زكي وحسن الرداد وسوسن بدر وبقية أبطاله، مشيرا إلى أن أداء الممثلين كان جزءا أساسيًا من تكوين التجربة السينمائية التي قدمها العمل.
لغة الجسد
كما تطرق المخرج المصري إلى أهمية لغة الجسد في بناء المشهد السينمائي، موضحا أن حركة الممثلين وطريقة وقوفهم واقترابهم من بعضهم البعض قد تكشف طبيعة العلاقات بين الشخصيات بصورة أكثر تأثيرا من الحوار المباشر.
واستعاد كواليس أحد المشاهد التي جمعت منى زكي وحسن الرداد في فيلم "احكي يا شهرزاد"، موضحا أن المشهد اعتمد على حركة جسدية تعكس صراعًا مستمرا بين الشخصيتين حول السيطرة وفرض الإرادة، من خلال مزيج من الحنان والعنف في الحركة، دون الحاجة إلى استخدام الضرب المباشر.
وأشار إلى أن التعامل مع هذا النوع من المشاهد يتطلب ضبطًا دقيقت لحركة الممثلين وتفاصيل أدائهما، حتى يتمكن المشاهد من إدراك طبيعة العلاقة بين الشخصيات من خلال الصورة والتفاعل داخل الكادر.
كما استعرض كواليس مشهد جمع الفنانة ناهد السباعي بالفنان محمد رمضان داخل مخزن ضمن أحداث الفيلم، موضحا أنه حرص على تقديم الموقف بصورة طبيعية تعتمد على التفاصيل الصغيرة في مظهر الشخصية وسلوكها.
وأكد نصر الله أن الممثل لا يقتصر دوره على نطق الحوار، بل يتفاعل مع الموقف من خلال مجموعة من التصرفات المتزامنة مع الكلام، مشددًا على أن هذه التفاصيل تمنح الشخصيات طابعًا إنسانيًا وتجعل المشاهد أكثر واقعية وثراءً.
التعاون مع الممثلين
وتحدث المخرج المصري عن أسلوبه في التعامل مع الفنانين داخل مواقع التصوير، مؤكدا أهمية المناقشات التي تسبق التنفيذ لفهم أبعاد الشخصية ودوافعها والوصول إلى تصور مشترك بين المخرج والممثل.
وأوضح أن لكل مخرج أسلوبه الخاص في التحضير، كما تختلف احتياجات الممثلين وفقا لطبيعة أدوارهم وطريقتهم في فهم الشخصيات، مشيرًا إلى أنه يرحب بطرح الأسئلة ومناقشة التفاصيل المتعلقة بالدور قبل بدء التصوير.
وقال: "عندك أسئلة وعايز تتكلم عن الشخصية وتفهم
دوافعها، وتسمعني وأسمعك، ده قبل التصوير.. إنما ساعة الشوت ما تبوظش اللحظة بتاعتك".
وأكد أن الفصل بين مرحلة التحضير ولحظة التصوير يساعد الممثل على الحفاظ على إحساسه بالمشهد، ويمنحه فرصة لتقديم أدائه بصورة أكثر تلقائية، بعيدًا عن النقاشات المطولة أو التوجيهات التي قد تؤثر في تركيزه أثناء التنفيذ.
كواليس التعاون مع يسرا في "مرسيدس"
واستعاد يسري نصر الله تفاصيل تعاونه مع الفنانة يسرا في فيلم "مرسيدس"، موضحًا أنه تعمد عدم إجراء تغييرات كبيرة على مظهرها رغم تقديمها شخصيتي "عفيفة" و"وردة" خلال الأحداث.
وأشار إلى أن الفكرة لم تكن في تغيير ملامح يسرا باستخدام الماكياج أو جعل إحدى الشخصيتين تبدو أكبر سنا وإنما في الاعتماد على قدرتها التمثيلية على تقديم شخصيتين مختلفتين، رغم التشابه الكبير بينهما في الشكل.
وأوضح أن الاختلاف في تسريحة الشعر وبعض التفاصيل البسيطة كان كافيًا لتحقيق الهدف، لأن المقصود لم يكن إخفاء التشابه بين الشخصيتين، بل إقناع المشاهد بأنهما شخصيتان مستقلتان تؤديهما الممثلة نفسها.
وأكد أن البروفات لا تقتصر على مراجعة الحوار أو حفظه، وإنما تشمل حركة الممثل داخل المشهد وعلاقته بالكاميرا وتفاعله مع بقية الشخصيات، بما يساعد على اكتشاف المشكلات المتعلقة بالأداء والإيقاع قبل بدء التصوير الفعلي.
الشغف أساس الاستمرار
يشير يسري نصر الله إلى أن الحب الذي يشعر به صنّاع السينما تجاه عملهم يمثل أحد أهم أسباب استمرارهم في هذه المهنة، مؤكدًا أن المتعة التي تمنحها صناعة الأفلام لا يمكن تعويضها بسهولة في مجالات أخرى، إذ قال: "إحنا بنحب الشغلانة دي عشان بتدينا متعة محدش يديهالنا قدها".
وأوضح أن جودة الفيلم لا تعتمد على المهارة الفنية وحدها، وإنما تحتاج إلى إحساس حقيقي وشغف ينعكس على مختلف مراحل الإنتاج، بداية من التحضير والتصوير، وصولًا إلى المونتاج.
وشدد على أهمية تقدير جميع العاملين في صناعة الفيلم، بما في ذلك الفنيين وفريق الإضاءة والإكسسوارات ومصممي الملابس والمصورين والممثلين، مؤكدًا أن كل عنصر من هذه العناصر يسهم في تشكيل الصورة النهائية للعمل.
وأشار إلى أن كثيرا من العاملين في المجالات الفنية يمكنهم تحقيق دخل أكبر من خلال العمل في قطاعات أخرى، لكنهم يختارون الاستمرار في السينما بدافع الحب والشغف، وهو ما ينبغي أن يظهر بوضوح في النتيجة النهائية.
وأضاف أن غياب المتعة والإحساس عن عملية صناعة الفيلم قد يؤدي إلى تقديم عمل يفتقر إلى الحيوية، موضحا أن التصوير والمونتاج من أكثر المراحل صعوبة على المستوى النفسي، بسبب القرارات المتعلقة باختيار اللقطات المناسبة وحذف المشاهد التي لا تخدم البناء النهائي للفيلم.
وأكد أن الشغف لا يقتصر على السينما الفنية، بل يمتد إلى الأفلام التجارية والكوميدية أيضا، مستشهدا بتجارب المخرجين حسن الإمام وأكرم فريد والراحل سامح عبد العزيز، موضحًا أن حب صانع الفيلم لعمله وقدرته على نقل هذا الإحساس إلى الجمهور يمثلان عنصرين مهمين في نجاح التجربة السينمائية.
مديرو التصوير وسرقات صيفية
وتحدث المخرج الكبير عن علاقته بعدد من مديري التصوير الذين تعاون معهم خلال مشواره، من بينهم رمسيس مرزوق وتيمور تيمور والراحل سمير بهزان، الذي وصفه بأنه كان شريكا أساسيا في صناعة أفلامه، ومن أبرز الأشخاص الذين تعلم منهم.
واستعاد نصر الله بداياته مع فيلم "سرقات صيفية"، موضحًا أنه واجه تحديات في بداية مشواره، خصوصًا مع كونه مخرجًا جديدًا يقدم سيناريو مختلفًا بميزانية محدودة بلغت نحو 50 ألف دولار.
وأشار إلى أن الفنانة يسرا كانت من بين الفنانين الذين رفضوا المشاركة في الفيلم في البداية، قبل أن تتغير نظرتها إلى التجربة بعد مشاهدة العمل.
دروس يوسف شاهين
كما تطرق إلى الدروس التي اكتسبها من المخرج الراحل يوسف شاهين، مؤكدًا أنه تعلم منه ضرورة الاستعداد الدقيق للتصوير وعدم ترك التفاصيل المهمة للصدفة، بداية من معاينة مواقع التصوير وتحديد اتجاه الشمس، وصولًا إلى اختيار التوقيت المناسب لكل مشهد وتحديد شكل الإضاءة المطلوبة.
وأوضح أن العلاقة بين المخرج ومدير التصوير تبدأ منذ مناقشة السيناريو وطريقة سرد الحكاية، ثم تتطور من خلال معاينة الأماكن والتفكير في الوسائل البصرية التي يمكن توظيفها لتقديم المشاهد بأفضل صورة ممكنة.
وأكد أن الثقة في العمل لا تتحقق من خلال فرض الرأي، وإنما من خلال فهم المشهد والإحساس الذي يرغب المخرج في نقله إلى الجمهور، مشيرًا إلى أن الخبرة التقنية يمكن اكتسابها بالتعلم والممارسة، بينما يظل الإحساس عنصرًا محوريًا في اتخاذ القرارات الإخراجية.
واستعاد كذلك موقفا من كواليس تصوير فيلم "إسكندرية كمان وكمان" للمخرج يوسف شاهين، الذي عمل فيه مساعدا أول للمخرج، بينما كان رضوان الكاشف يتولى متابعة استمرارية المشاهد.
وأوضح أن رضوان الكاشف كان يلفت انتباه شاهين إلى بعض الاختلافات المتعلقة بالسيجارة التي يدخنها أثناء التصوير، مثل طولها ودرجة احتراقها وموقعها، لكن شاهين كان يرى أن انشغال المشاهد بهذه التفاصيل أكثر من انشغاله بأداء الممثل يعني أن المشهد لم ينجح في إيصال الإحساس المطلوب.
وأشار نصر الله إلى أن هذا الموقف يعكس أهمية قدرة
الممثل على نقل مشاعره إلى الجمهور، مؤكدًا أن التأثير الإنساني للمشهد قد يكون أكثر أهمية من الانشغال المفرط ببعض التفاصيل التقنية، دون التقليل من أهمية ضبطها عندما تكون ضرورية لاستمرارية العمل.
كاميرات الهواتف في المشروع الجديد
وكشف يسري نصر الله عن نيته استخدام كاميرات الهواتف المحمولة في تصوير أجزاء كبيرة من مشروع سينمائي جديد، معربا عن إعجابه بالإمكانيات التي توفرها هذه الكاميرات، وقدرتها على إنتاج صور ولقطات مختلفة عن الأساليب التقليدية.
وأوضح أن التطور الذي شهدته كاميرات الهواتف جعلها أدوات يمكن الاستفادة منها في صناعة الصورة السينمائية، بما يتيح للمخرجين استكشاف أساليب جديدة في التصوير والتعبير البصري.
واستعاد موقفا جمعه بفتاة شابة خلال مؤتمر صحفي حيث تحدث معها عن إعجابه بإمكانات كاميرات الهواتف وقدرتها على التقاط صور مميزة، لكنها أشارت إلى أن الاستفادة من هذه الإمكانيات قد تكون مرتبطة بخبرة المخرج، بينما تختلف التجربة بالنسبة إلى شخص لا يزال في بداية طريقه.
فيلم جديد مع يسرا
كشف يسري نصر الله عن بعض التفاصيل الأولية لفيلمه الجديد الذي يجمعه بالفنانة يسرا، موضحا أن العمل يدور حول امرأة جميلة تسعى إلى الانتقام من شخص معين و لا يرغب في الكشف عن مزيد من المعلومات المتعلقة بأحداث الفيلم في الوقت الحالي.