الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

أزمات هيكلية.. ما أسباب معاناة الاقتصاد البريطاني؟

  • مشاركة :
post-title
تباطؤ نمو الاقتصاد البريطاني- تعبيرية

القاهرة الإخبارية - رضوى محمد

يُعاني الاقتصاد البريطاني مجموعة من الأزمات الهيكلية والمُتراكمة التي أنهكت جميع قطاعاته الإنتاجية والاستهلاكية، ما جعله أمام أسوأ أزماته، في ظل استقرار غائب نتج عن تلاحُق 7 رؤساء حكومات على بريطانيا في عشر سنوات فقط من ناحية، وتأثر البلاد بتداعيات خروجها من الاتحاد الأوروبي من ناحية أخرى، ما ظهر انعكاسه الأكبر على الاقتصاد الذي يتأثر بعامل الاستقرار بشكل أساسي.

تأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى التعرُف على مختلف الأزمات الاقتصادية التي تُعاني منها بريطانيا، فضلًا عن توضيح المسارات التي تسلُكها الحكومة الحالية.

قراءة المؤشرات

يُمكن توضيح الأزمة الاقتصادية في بريطانيا من خلال إلقاء النظر على مجموعة من المؤشرات المهمة، والتي سيتم بلورتها في النقاط التالية:

الشكل (1): معدل النمو الاقتصادي في بريطانيا من الربع الأول 2024 إلى الربع الثاني 2026- المصدر: مكتب الإحصاء الوطني البريطاني

(-) تدني معدلات النمو الاقتصادي: يتضح من الشكل (1) أنه خلال الفترة من الربع الأول 2024 إلى الربع الثاني 2026 تبيّن أن الاقتصاد البريطاني يُعاني من معدلات نمو اقتصادي ضعيفة، حيث سجلت في الربع الأول 2024 أعلى معدل نمو قدره 0.7%، وبدأت بعد ذلك في الأرباع التالية تُحقق معدلات تقل عن هذا المستوى، وقد وصل الأمر إلى أن بريطانيا لم تُحقق أي نمو خلال الربع الثاني 2025 والربع الرابع 2025، فكان معدل النمو صفر في هذه الأرباع، ولكن بدأت في عام 2026 تُحقق نسب نمو ضئيلة، بلغت 0.6% في الربع الأول 2026، و0.5% في الربع الثاني 2026.

ويُمكن توصيف النمو الاقتصادي خلال الربع الثاني من عام 2026 بأنه كان مدفوعًا بنمو قطاع الخدمات بنسبة 0.6%(مقارنةً بـ 0.7% في الربع الأول)، ونمو الأنشطة المهنية والعلمية والتقنية بنسبة 2.3%، ونمو قطاع المعلومات والاتصالات بنسبة 2.5%، ونمو قطاع الإنشاءات بنسبة 0.8%.

ولكن في المقابل انخفض ناتج قطاع الإنتاج بنسبة 0.1%(مقارنةً بنسبة 0.3% في الربع الأول)؛ حيث أدت التراجعات في قطاعات إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء، إلى تبديد المكاسب التي تحققت في قطاعي التصنيع والتعدين واستغلال المحاجر.

الشكل (2): معدلات التضخم في بريطانيا -المصدر: مكتب الإحصاء الوطني البريطاني

(-) ارتفاع التضخم: يعكس معدل التضخم مؤشرًا مهمًا حول الزيادة في أسعار السلع والخدمات بمرور الوقت، وفي بريطانيا يرتفع هذا المعدل عن المعدل المُستهدف من قبل بنك إنجلترا (الـ 2%)، فمن الشكل (2) تبيّن أنه خلال عام 2025 وحتى مارس 2026، سجل معدل التضخم معدلات تتجاوز نسبة الـ 3%، وبعد ذلك بدأت هذه المعدلات تنخفض نسبيًا، إلى أن سجلت 2.6% في شهر يونيو 2026، ولكنها ارتفعت في أغسطس 2026 إلى 3.1%، وهو أعلى مستوى له منذ خمسة أشهر.

وفي هذا السياق كانت تكاليف النقل هي المُساهم الأكبر في هذا الارتفاع السنوي، إذ صعد معدل التضخم في هذا القطاع إلى 4.6% بعد أن كان 3.6% في يوليو 2026، حيث ارتفعت أسعار البنزين بمقدار 9.1 بنسًا للتر مقارنةً بالشهر السابق لتصل إلى 161.3 بنس.

بينما زادت أسعار الديزل بمقدار 14.2 بنس لتصل إلى 181.8 بنس، مما دفع معدل التضخم في وقود المركبات إلى 23% ارتفاعًا من 15.5%، كما شهدت معدلات التضخم ارتفاعًا في قطاعات الإسكان والخدمات المنزلية (4.9% مقابل 4.6%)، والاتصالات (5.3% مقابل 5%)، والترفيه والثقافة (1.6% مقابل 1.4%). وعلى أساس شهري ارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة 0.5% وهي أكبر زيادة خلال أربعة أشهر، مُسجِّلةً تسارُعًا مقارنة بنسبة 0.3% في يوليو 2026.

الشكل (3): معدل البطالة في بريطانيا خلال الفترة من أغسطس 2025 إلى يوليو 2026- المصدر: مكتب الإحصاء الوطني البريطاني

(-) ارتفاع معدل البطالة: تُعَد بطالة الشباب من المشكلات التي تتفاقم في الاقتصاد البريطاني منذ عام 2005، وعلى مدى الأربع سنوات الماضية، أصبح توظيف الشباب أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى؛ بسبب تداعيات جائحة كورونا، وارتفاع تكاليف المعيشة، واضطراب المسيرة التعليمية، حيث تواجه جامعات بريطانية عريقة خطر الإفلاس نتيجة ضعف التمويل الحكومي وارتفاع تكاليف التشغيل.

وارتبط بقاء الشباب بلا عمل في انخفاض طويل الأمد في الأجور، وزيادة احتمالية التعرُض لفترات بطالة لاحقة، وقد كبدت البطالة الاقتصاد البريطاني بعد جائحة كورونا خسائر بقيمة 20 مليار جنيه إسترليني من الناتج المحلي الإجمالي، مما يوضح التأثير السلبي الكبير للبطالة على الاقتصاد البريطاني.

ووفقًا للشكل (3)، استقرت معدلات البطالة في بريطانيا خلال الفترة من أبريل 2026 إلى يوليو 2026 عند 4.9%، وهو ما يُعادل نحو مليون و180 ألف عاطل عن العمل، وهو ما حدث بسبب تخفيض الشركات توظيف الخريجين بهدف تخفيض تكاليف العمالة، وتراجُع برامج دعم التوظيف، كما أن الأعباء المالية على الشركات الصغيرة والمتوسطة حدّت من قدرتها على التوظيف بشكل كبير.

(-) ارتفاع معدلات الفقر: توضح بيانات وزارة العمل والمعاشات (DWP) أن نحو 16 % من الأشخاص في بريطانيا يعيشوا في حالة دخل منخفض نسبيًا قبل احتساب تكاليف السكن في عام 2024/2025، ولكن بعد احتساب هذه التكاليف ارتفعت النسبة إلى 20%، وتُشير البيانات إلى أن الأسر الأكثر فقرًا تزداد فقرًا، حيث سُجِّلَت أعداد قياسية لأشخاص يُصنَّفون ضمن فئة "الفقر المدقع للغاية"؛ وهو ما يعني أن دخلهم السنوي لا يكفي لتغطية تكاليف الغذاء وفواتير الطاقة والملابس، وبالإضافة إلى ذلك يبلُغ حاليًا عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر نسبي 13.4 مليون نسمة، بينهم 4 مليون طفل، كما ارتفع عدد المتقاعدين الذين يعيشون في فقر نسبي من 1.49 مليون إلى 1.69 مليون شخص.

الشكل(4): حالات إفلاس الشركات في بريطانيا من سبتمبر 2025 إلى أغسطس 2026- المصدر: هيئة الإعسار، المملكة المتحدة

(-) تراجُع حركة الاستثمارات: تُعاني استثمارات الأعمال في بريطانيا من ضعف هيكلي كبير، حيث تتفاقم مشكلات القطاع الخاص؛ بسبب عدم الاستقرار في صنع السياسات الاقتصادية، حيث تتغير الأولويات بشكل متكرر، وتفتقر القرارات الرئيسية إلى التركيز الكافي على الاحتياجات طويلة الأمد.

ومن ناحية أخرى، ظلّت الشركات في بريطانيا لسنوات طويلة تستثمر بمعدلات منخفضة في مجالات البحث والتطوير ورأس المال البشري، وقد ترتب على ذلك ارتفاع حالات إفلاس الشركات البريطانية كما يوضح الشكل (4)، إذ ارتفعت من 1.76 ألف شركة في يناير 2026 إلى 1.93 ألف شركة في أغسطس 2026.

ومن الجدير بالذكر، أن الثروة تُعتبر رأس مال رئيسيًا في الاستثمارات داخل الدول، ووفقًا لتقرير صادر عن وكالة "بلومبرج"، غادر أفراد وعائلات يمتلكون ثروات إجمالية تبلُغ نحو 160 مليار دولار بريطانيا، أو قلصوا ارتباطاتهم بها خلال العامين الماضيين، وهو ما قلّص من حجم الثروة الموجه إلى الاستثمار في بريطانيا.

(-) ارتفاع معدلات الدين: تُعتبر أزمة الديون من الأزمات الرئيسية في الاقتصاد البريطاني، إذ ارتفع حجم الاقتراض بنحو الخُمس في أغسطس 2026، مقارنةً بالشهر نفسه من عام 2025، فبحلول نهاية أغسطس 2026 بلغ إجمالي الدين العام مستوى يقل قليلًا عن 3 تريليونات جنيه إسترليني، بالمقارنة بـ 2.87 تريليون جنيه إسترليني في يناير 2026، وهو الأمر الذي يوضح الاعتماد الكبير في الإنفاق الحكومي البريطاني على الاقتراض.

مسارات راهنة

يُمكن بلورة أهم مسارات الحكومة البريطانية الحالية في سبيل القضاء على الأزمات الهيكلية في الاقتصاد من خلال النقاط التالية:

(-) اتباع إستراتيجية التنمية المكانية: وهي الإستراتيجيات التي تضع رؤية إيجابية للنمو والتغيير المستقبلي على مستوى النطاق دون الإقليمي، والتي توفر إطارًا مكانيًا للاستثمار والنمو، بما في ذلك توفير مساكن جديدة، وتتحقق هذه الإستراتيجية من خلال دعم النمو الاقتصادي بتوفير إطار مكاني للاستثمارات الإستراتيجية، وترجمة العناصر الرئيسية في خطط النمو المحلية، فضلًا عن تحديد المواقع العامة للنمو، بما في ذلك التجمعات العمرانية الجديدة، والتوسعات الحضرية الكُبرى العابرة للحدود الإدارية.

(-) تهيئة الظروف لنمو مستدام: تعمل الحكومة البريطانية على تحقيق النمو المُستدام من خلال دعم استثمارات الأعمال والتوظيف، وهو ما يتأتى بتبني نهج استباقي؛ لتعزيز النمو المستدام في كل من المناطق الحضرية والريفية، مع مراعاة الإستراتيجية الصناعية والقطاعات الرئيسية ذات الأولوية، مع تحديد مناطق نمو الذكاء الاصطناعي، هذا فضلًا عن السعي نحو معالجة العوائق أمام الاستثمار، مثل عدم كفاية البنية التحتية أو الخدمات أو الإسكان، أو تردي البيئة المحيطة.

ولمراعاة المتطلبات المكانية المُحددة للقطاعات المختلفة، تعمل الحكومة البريطانية على توفير تجمعات وشبكات ومواقع مُخصصة للصناعات القائمة على المعرفة والبيانات، من خلال توفير مرافق وبُنى تحتية موسعة لدعم نمو هذه الصناعات، هذا فضلًا عن دعم سلاسل التوريد، وتعزيز الابتكار في مجال النقل.

(-) تأمين الطاقة النظيفة والمياه: من خلال تخصيص مساحة للتطوير اللازم لمشاريع الطاقة المتجددة ومنخفضة الكربون، وبُنى تحتية لشبكات الكهرباء، وأنظمة إمدادات المياه والصرف الصحي، بما في ذلك وضع تدابير لتجنُّب أي قيود قد تؤثر على تشغيل أو توسيع هذه المشروعات.

وبتفنيد هذه السياسات، يتبيّن أنها تفتقر إلى عدد من العوامل الإستراتيجية التي تتمثل في الإطار الزمني لتنفيذها، وافتقارها إلى حلول قصيرة الأجل، فالسياسات التي تُعالج أزمات هيكلية لابد أن تشتمل على أليات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، حتى يستطيع الاقتصاد أن يتنفس الصعداء ويحاول تحقيق النمو المستدام على الأجل الطويل، ومن ناحية أخرى لم تطرق هذه السياسات إلى معالجة جوهر المشكلات التي يُعاني منها الاقتصاد البريطاني في الوقت الحالي، كما تم عرضها في الجزء الأول من التحليل.

في النهاية يُمكن القول إن بريطانيا التي كانت توصف بالقوة المالية العالمية العُظمي، باتت تُعاني من مشكلات وأزمات متوطنّة داخل هيكل اقتصادها، نتجت عن تكاسُل سياسات الحكومات المختلفة عن مُعالجتها بشكل جذري، إذ إنها تؤثر على جميع نواحي الحياة في بريطانيا، فعلى مدى العقدين الماضيين شهد الاقتصاد البريطاني نموًا ضعيفًا ناجمًا عن انخفاض استثمارات الأعمال، ونقصًا في ديناميكية السوق، وعدم الاستقرار في السياسات، وبالتالي تظهر الحاجة إلى سياسات جديدة قادرة على تحفيز النمو وإعادة البلاد إلى مسار الازدهار.