ألقت التغيرات المناخية والظواهر الجوية المتطرفة بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد، وفي مقدمتها ظاهرة "النينيو" التي تسببت في موجات جفاف استثنائية وارتفاع حاد في درجات الحرارة، أدت من بين أمور أخرى إلى اضطراب في إمدادات السكر العالمية.
وتعرف ظاهرة "النينيو" بأنها دورة مناخية تتميز بارتفاع درجة حرارة المحيطات في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي عن المعدل الطبيعي، ما يؤدي إلى انتقال كميات هائلة من الحرارة إلى الغلاف الجوي عبر السحب والأمطار الغزيرة، ثم تنتشر إلى مناطق أخرى من العالم.
قصب السكر واشتعال الأسعار
ويصنف العلماء ظاهرة "النينيو" بأنها "خارقة" عندما تصل درجة حرارة المحيط إلى درجتين مئويتين أو تتجاوزهما لعدة أشهر، وهو ما تجاوزته فعليًا، حيث بلغت درجة حرارة المحيط الحالية 2.7 درجة مئوية بحلول شهر أغسطس.
وبدأ بالفعل العالم يشعر بتأثير ظاهرة "النينيو" الحالية، إذ تواجه الهند -بصفتها ثاني أكبر منتج وأكبر مستهلك للسكر عالميًا- أسوأ موسم أمطار منذ 11 عامًا، ما أدى إلى انخفاض حاد في إنتاج قصب السكر واشتعال الأسعار محليًا.
وقود "الإيثانول"
وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، أدى التراجع الحاد في محصول قصب السكر إلى تأثر إمدادات السكر العالمية وإحداث اضطراب في إمدادات السوق، إلى جانب تفاقم الضغوط الاقتصادية والدين العام على المزارعين بعد تعرض مساحات واسعة من الحقول للجفاف وتلف المحاصيل.
ولم تتوقف تداعيات أزمة قصب السكر عند حدود الغذاء، بل امتدت لتضرب أهداف الهند في مجال أمن الطاقة والتحول النظيف، إذ يُعد قصب السكر المحصول الأساسي لإنتاج وقود "الإيثانول" الذي تعتمد عليه الدولة لخفض وارداتها النفطية.
وبالتبعية، أجبر نقص الإنتاج السلطات على زيادة الاعتماد على الذرة والأرز لاستخراج الإيثانول، في وقت تواجه فيه تلك المحاصيل البديلة مخاطر المناخ وتراجع الرقعة المزروعة.
ارتفاع المؤشرات العالمية
وحذرت منظمة الأغذية والزراعة "فاو" من أن تضرر محصول قصب السكر في الهند، تزامن مع تضرر المحاصيل في دول كبرى مثل البرازيل ودول الاتحاد الأوروبي، ما أدى لارتفاع مؤشرات أسعار السكر العالمية، وسط مخاوف اقتصادية من الصدمات المناخية المتكررة.
وتتجه ظاهرة "النينيو" المناخية نحو تسجيل مستويات قياسية غير مسبوقة من الشدة والاتساع الجغرافي، وسط تحذيرات علمية صادرة عن المراصد الدولية من التداعيات الكارثية المتوقعة، عند وصول درجة حرارة المحيط إلى ذروتها عند 4 درجات مئوية في الفترة ما بين نوفمبر وديسمبر المقبلين.
ربع مليون وفاة
وفي دراسة أجراها باحثون من جامعة شيكاغو، استخدم العلماء نماذج مناخية للتنبؤ بالتأثير الذي قد يُحدِثه الحدث المناخي المُدمِّر، في 24 ألف منطقة حول العالم، وفقًا لصحيفة "ذا جارديان"، متوقعين أن يفقد 451 ألفًا أرواحهم، بما في ذلك 239 ألف وفاة خلال الأشهر الستة المقبلة فقط.
وتشير التقديرات إلى أن الحرارة الإضافية التي جلبتها ظاهرة "النينيو" القوية ستكون السبب الرئيسي وراء تلك الوفيات، بخلاف الوفيات المبكرة الناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة بسبب أزمة المناخ والاحتباس الحراري، الذي يزيد من حدة الظاهرة.