بينما استعدت الدفاعات الجوية المحيطة بمصفاة النفط الروسية المحاصرة في ساراتوف، مع اقتراب أسراب المسيّرات الأوكرانية من الغرب، كانت المسيّرات الهجومية الأوكرانية تتجه إلى هدف أقل وضوحًا على بُعد 100 ميل، وهو مركز بيانات متواضع يضم أكبر حاسوب عملاق في روسيا.
وعندما اصطدمت المسيّرات الأوكرانية بواجهة المركز، بعد أن اجتازت سماءً غير محمية، أشعلت النيران فيه، وأرسلت الخوادم في جميع أنحاء البلاد إلى الظلام.
وهكذا، عند شروق الشمس، استيقظ الروس ليجدوا أن بريدهم الإلكتروني وتطبيقات الخدمات المصرفية عبر الإنترنت معطلة.
جاء ذلك عقب أسبوع من الاضطرابات التي طالت كل ركن تقريبًا من أركان الاقتصاد الإلكتروني الروسي، بدءًا من خدمات النقل التشاركي وبث الموسيقى، وصولًا إلى الحوسبة السحابية والخدمات المصرفية والمدفوعات الرقمية والتوصيل وأنظمة المنازل الذكية، وحتى تطبيقات المواعدة.
وكان مركز البيانات في بالاكوفو، المملوك لبنك «سبيربنك»، أكبر شركة للخدمات المالية في روسيا، أكبر هدف حتى الآن في الحملة الأوكرانية ضد مراكز بيانات موسكو، إذ يخدم البنك، الخاضع لسيطرة الكرملين، 100 مليون عميل في جميع أنحاء البلاد.
وكان الهجوم الأوكراني الأول من نوعه الذي يستهدف «سبيربنك»، على الرغم من أنه جاء بعد سلسلة من الهجمات التي استهدفت «ياندكس»، أكبر شركة تكنولوجيا في روسيا. وألحقت الضربات أضرارًا بثلاثة من مراكز البيانات الستة التابعة للشركة.
ضربات كبرى
تشير صحيفة «ذا تليجراف» البريطانية إلى أنه عقب الضربة الأوكرانية، سادت تكهنات بأن الهجمات على «ياندكس» ربما قضت على جيوش من الروبوتات الروسية التي تنشر معلومات يصفها الغرب بأنها «مضللة» عبر الإنترنت، وذلك بعد تراجع النشاط المؤيد للرئيس فلاديمير بوتين على وسائل التواصل الاجتماعي.
واشتدت حدة الضربات مع سعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الضغط على كييف لوقف الهجمات على منشآت الطاقة الروسية، مما أدى إلى تعطيل الخدمات عبر الإنترنت في جميع أنحاء روسيا.
وفي الوقت نفسه، تكشف الضربات عن هشاشة البنية التحتية التكنولوجية في روسيا، حيث يعتمد جزء كبير من الحياة اليومية في البلاد على عدد محدود من مزودي الخدمات العملاقة.
فبعد أن كانت «ياندكس» مجرد محرك بحث، تطورت لتصبح تكتلًا تقنيًا ضخمًا يجمع بين وظائف «جوجل» و«أمازون» و«أوبر» و«ديليفيرو». كما أنها لاعب رئيسي في مساعي موسكو للحاق بركب الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي.
ولذلك، تأثرت أكثر من 84 منصة رقمية تابعة للشركة في ذروة الهجمات، بما في ذلك علامات تجارية تابعة لجهات خارجية، مثل Vkusno i Tochka، وهي شركة الوجبات السريعة التي حلت محل «ماكدونالدز» الأمريكي بعد الحرب.
واستمرت انقطاعات خدمات «ياندكس» لأيام بعد الهجمات، مما أثر على عملياتها في خمس دول أخرى، وأثار مخاوف من أن بنيتها التحتية المركزية تجعلها عرضة للانقطاع.
فقد اشتكى بعض المستخدمين من اختفاء الصور ومقاطع الفيديو من السحابة، بينما قال آخرون إن «أليس»، المعادل الروسي لـ«أليكسا»، قد تعطلت. وادعى آخرون أنهم استيقظوا ليجدوا أن أرصدتهم في Yandex Pay، وهي خدمة مصرفية اكتسبت شعبية بعد مغادرة «أبل» البلاد، قد اختفت. وقال البعض إنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى معلومات صحية حيوية، مثل بيانات مراقبة مستوى السكر في الدم.
وتنقل الصحيفة البريطانية عن مستخدمي تطبيق Yandex Go، المخصص لطلب سيارات الأجرة، قولهم إنهم لم يتمكنوا من طلب السيارات أو دفع أجرتها، فيما أفاد السائقون بأنهم تلقوا «طلبات وهمية» من عملاء غير موجودين.
وحتى تطبيق Twinby، المخصص للمواعدة والتعارف، والذي يعتمد على تحليل بيانات المستخدمين واختبارات شخصية علمية، تأثر بالهجمات الإلكترونية.
كما تأثرت القناة الأولى، وهي المحطة التلفزيونية الوطنية الرئيسية في روسيا، إلى جانب موقعها الإلكتروني الخاص بالمنح الرئاسية.
العصر الحجري
رغم أن كل من "ياندكس" و"سبيربنك" لم تُعلنا ما إذا كانت الهجمات قد ألحقت أضرارًا بالحواسيب العملاقة المستخدمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الرئيسية الخاصة بهما في مرافقهما، لكن ذكرت صحيفة "تي-إنفاريانت"، وهي وسيلة إعلامية مستقلة، أن ثلاثة من حواسيب "ياندكس" العملاقة قد تعطلت.
وأشارت الصحيفة إلى تحليلات خبراء زعمت أن الهجمات تسببت في "أضرار جسيمة" للبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات الروسية.
ونقلت الصحيفة البريطانية عن مصادر روسية متخصصة إن مراكز البيانات قد لا تستأنف عملياتها حتى عام 2028، عازيةً ذلك إلى النقص العالمي في رقائق المعالجة وصعوبة التهرب من العقوبات الغربية.
وقدمت صحيفة "كوميرسانت"، وهي صحيفة أعمال روسية يومية، تقديرًا أكثر تواضعًا، قائلةً إن إصلاحها سيستغرق ستة أشهر.
وعلى الإنترنت انقسم الروس بالفعل. ففي صفحات مخصصة لتسجيل انقطاعات الخدمة، دعا البعض إلى تصعيد الضربات الانتقامية ضد أوكرانيا، متعهدين بإعادة البلاد "إلى العصر الحجري"، بينما ألقى آخرون باللوم على السلطات لضعف تطبيق قوانين مكافحة الاحتكار.