الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

الأزمة الإيرانية.. كيف تؤثر على المشهد الانتخابي في الولايات المتحدة وإسرائيل خلال 2026؟

  • مشاركة :
post-title
رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" و زوجته "سارة" أثناء إدلائهما بصوتيهما في يوم الانتخابات العامة الإسرائيلية في مركز اقتراع بالقدس عام 2022

القاهرة الإخبارية - د. محمد أبو سريع

لم تعد الأزمة الإيرانية مجرد ملف عسكري أو أمني يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني وموازين القوى في الشرق الأوسط، بل أصبحت أحد العوامل المؤثرة في الحسابات السياسية الداخلية لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل. فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي في 3 نوفمبر 2026، والانتخابات العامة الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر من العام نفسه، تتداخل تداعيات المواجهة مع طهران مع قضايا الأمن القومي، والاقتصاد، والثقة في القيادة السياسية في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي هذا السياق، تُثار العديد من التساؤلات التي يأتي في مقدمتها: هل أصبحت إيران العامل المشترك الحاسم في الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية؟، وما التأثير الانتخابي للأزمة الإيرانية في الانتخابات الإسرائيلية العامة المقرر إجراؤها هذا الشهر؟، وما التكلفة الانتخابية للأزمة الإيرانية في انتخابات التجديد النصفي المقبلة في الولايات المتحدة خلال نوفمبر القادم؟، وهل يمكن أن يتأثر التحالف العسكري الأمريكي الإسرائيلي في مواجهة إيران، باختلاف الحسابات السياسية الانتخابية لدى كل من ترامب ونتنياهو؟

في ضوء ما سبق، يأتي هذا التحليل ليستعرض النقاط الأساسية التالية:

أزمة انتخابية مشتركة

تكشف المقارنة بين الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية أن الأزمة الإيرانية أصبحت نقطة التقاء بين الأمن القومي والسياسة الداخلية والاقتصاد. ففي الولايات المتحدة، يرتبط تأثيرها بقدرة إدارة ترامب على تبرير تكاليف الحرب وإقناع الناخبين بوجود أهداف واضحة ونتائج إستراتيجية ملموسة. أما في إسرائيل، فيتصل الأمر بمدى قدرة القيادة على تحويل القوة العسكرية إلى أمن مستدام، وبكيفية تقييم الناخبين لإدارة الحروب والتحديات الداخلية.

وينطلق هذا التحليل في وصف الأزمة الإيرانية بأنها العامل المشترك الحاسم في الانتخابات المقبلة في كل من الولايات المتحدة واسرائيل؛ من أنها عامل مؤثر في الانتخابات، لكنها ليست العامل الوحيد المحدد لنتائجها. فالناخبون لا يصوتون على الملف الإيراني وحده، بل يُقيّمون الأداء الاقتصادي والأمني، والثقة في القيادة الحالية، والبدائل السياسية المتاحة لهذه القيادة.

والخلاصة هنا، أن الحرب على إيران التي تستهدف إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، قد أصبحت بدورها موضوعًا للمساءلة داخل الدول المنخرطة فيها. فكلما طال الصراع، ازدادت أهمية السؤال من جانب مواطني أمريكا وإسرائيل عن النتائج التي يمكن تحقيقها، والتكلفة المطلوبة، والمدة اللازمة للوصول إليها.

تكلفة أمريكية باهظة

تخوض الولايات المتحدة انتخابات التجديد النصفي في ظل تساؤلات بشأن كلفة الحرب مع إيران، وأهدافها النهائية، وانعكاساتها على الاقتصاد الأمريكي. ورغم أن الرئيس دونالد ترامب لا يخوض الانتخابات بنفسه، فإن أداء إدارته في إدارة المواجهة سيظل جزءًا من تقييم الناخبين للحزب الجمهوري.

وتشير تقارير رويترز المنشورة في أكتوبر 2026 إلى تراجع الرضا عن تعامل ترامب مع الملف الإيراني، بالتزامن مع ارتفاع أسعار البنزين واستمرار الضغوط المرتبطة بتكاليف المعيشة. ويعكس ذلك انتقال الحرب من دائرة السياسة الخارجية إلى دائرة الاهتمامات اليومية للمواطن الأمريكي، الذي قد يتساءل عن مدى التناسب بين التكلفة الاقتصادية للمواجهة والنتائج الإستراتيجية التي تحققت.

وتتمثل المعضلة الأساسية أمام الإدارة الأمريكية في أن تأييد مواجهة التهديدات الخارجية لا يعني بالضرورة تأييد حرب مفتوحة أو مرتفعة التكلفة. فكلما طال أمد الصراع دون تحقيق نتائج واضحة، ازدادت أهمية الأسئلة المتعلقة بجدوى العمليات العسكرية، وخطة إنهاء الحرب، وتأثيرها في الأولويات الاقتصادية والاجتماعية.

وقد أظهرت تقارير صحفية أن بعض المرشحين الجمهوريين في الدوائر التنافسية حاولوا الابتعاد عن مواقف ترامب في بعض الملفات، بما فيها الحرب مع إيران، خشية انعكاسها على فرصهم الانتخابية. لكن ذلك لا يعني انتقال الأصوات تلقائيًا إلى الديمقراطيين؛ إذ تتوقف النتائج أيضًا على طبيعة المنافسة المحلية، ونسب المشاركة، وأولويات الناخبين في كل دائرة.

والخلاصة هنا، الأهمية الانتخابية للأزمة الإيرانية تكمن في أنها تفرض على الجمهوريين الدفاع عن حصيلة السياسة الخارجية للإدارة، بينما تمنح الديمقراطيين فرصة لمساءلة خصومهم بشأن كلفة الحرب وفاعليتها. غير أن حجم الاستفادة السياسية من هذا الملف يظل مرتبطًا بتطورات الصراع ومدى قدرة كل حزب على تقديم بدائل مقنعة.

تأثير الحرب في أمن اسرائيل

تختلف طبيعة التأثير في إسرائيل، حيث يحتل الأمن القومي موقعًا مركزيًا في تقييم الحكومات والقيادات السياسية. وتأتي الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر 2026 وسط تساؤلات بشأن حصيلة المواجهات الإقليمية، ومستقبل التهديدات الأمنية، وكلفة استمرار الحروب والتعبئة العسكرية. فبالنسبة إلى بنيامين نتنياهو، تمثل المواجهة مع إيران اختبارًا سياسيًا مزدوجًا. فمن جهة، يمكن الاستناد إلى العمليات العسكرية ضد القدرات النووية والصاروخية الإيرانية لتأكيد أهمية الردع وحماية الأمن القومي. ومن جهة أخرى، فإن استمرار التهديدات أو تجدد الهجمات يثير تساؤلات بشأن قدرة القوة العسكرية على إنتاج أمن مستدام، ومدى تحقق الأهداف التي أعلنتها القيادة السياسية.

ومع ذلك، لا تُختزل الانتخابات الإسرائيلية في الملف الإيراني. فهناك قضايا أخرى تتعلق بإدارة الحرب في غزة ولبنان، والعلاقات مع الولايات المتحدة، والتجنيد والخدمة العسكرية، والاستقطاب الداخلي، والثقة في مؤسسات الدولة. كما أن تأثير الانتقادات الموجهة إلى الحكومة يتوقف على قدرة المعارضة على تقديم بديل سياسي وأمني متكامل، وعلى طبيعة التحالفات التي يمكن أن تتشكل بعد الانتخابات.

الخلاصة هنا، الأزمة الإيرانية تمثل محورًا مهمًا في الانتخابات الإسرائيلية، لكنها ليست المحدِّد الوحيد لتوجهات الناخبين أو توزيع المقاعد البرلمانية.

تعارض المصالح الانتخابية

على الرغم من التقاطع الإستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب في التعامل مع إيران، فإن المصالح والحسابات السياسية الانتخابية للطرفين ليست متطابقة بالضرورة. فإسرائيل تنظر إلى التهديد الإيراني من منظور مباشر يرتبط بأمنها الإقليمي، بينما تواجه الولايات المتحدة معادلة أوسع تشمل الالتزامات العسكرية، وأسعار الطاقة، والعلاقات الدولية، والأوضاع الاقتصادية الداخلية.

ويكتسب التقارب الزمني بين الانتخابات أهمية خاصة؛ إذ يسبق الاقتراع الإسرائيلي الانتخابات الأمريكية بأسبوع واحد فقط. وقد يجعل ذلك التطورات العسكرية والدبلوماسية خلال هذه الفترة مؤثرة في الخطاب السياسي لدى الطرفين، من دون أن يعني بالضرورة أن أي تصعيد سيحسم النتائج.

وتكمن المفارقة في أن القيادة الإسرائيلية قد ترى في استمرار الضغط على إيران وسيلة لتعزيز الردع، بينما تواجه الإدارة الأمريكية ضغوطًا للموازنة بين أهدافها الأمنية وتكاليف الحرب على الناخبين. وقد أشارت تقارير صحفية في أكتوبر الجاري إلى مناقشات بشأن احتمال استئناف العمليات العسكرية، إلى جانب مواقف أمريكية معلنة تتحدث عن فرص التفاوض والتهدئة.

وهذا التباين المحتمل لا يعني انهيار التحالف، بل يعكس اختلاف المسؤوليات السياسية. فالرئيس الأمريكي يواجه مساءلة غير مباشرة من خلال انتخابات الكونجرس، بينما يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي اختبارًا مباشرًا لاستمرار قيادته. وفي الحالتين، تصبح إدارة الأزمة جزءًا من تقييم الأداء السياسي، لكن بمعايير داخلية مختلفة.

مدى التأثير الانتخابي

لا يقتصر تأثير الأزمة الإيرانية على الحسابات العسكرية، بل يمتد إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية، خصوصًا في ظل الأهمية الإستراتيجية لمضيق هرمز. فأي اضطراب في الملاحة أو ارتفاع مستمر في أسعار النفط يمكن أن ينعكس على تكاليف النقل والإنتاج وأسعار الوقود، بما يضاعف الضغوط الاقتصادية على الحكومات.

وتشير تقارير رويترز في أكتوبر 2026 إلى أن مسؤولين إيرانيين تحدثوا عن توظيف اضطرابات الملاحة وأسعار الطاقة للضغط على الولايات المتحدة قبل انتخابات التجديد النصفي. غير أن هذه التصريحات لا تثبت وحدها حجم التأثير الفعلي في الناخبين أو نتائج الانتخابات. وتتمثل آلية التأثير الأساسية في انتقال تداعيات الصراع من الميدان العسكري إلى الاقتصاد، ثم إلى تقييم المواطنين لأداء حكوماتهم. فقد ينظر بعض الناخبين إلى ارتفاع الأسعار باعتباره نتيجة لسياسة خارجية مكلفة، بينما يرى آخرون أن تحمل تكاليف مؤقتة قد يكون ضروريًا لتحقيق أمن طويل الأمد.

لذلك، لا يؤدي التصعيد بالضرورة إلى تراجع شعبية الحكومة الإسرائيلية أو الإدارة الأمريكية، كما لا تضمن التهدئة مكاسب سياسية لهما. ويتوقف التأثير على تفسير الناخبين للأحداث، ومدى وضوح الأهداف، ومصداقية الخطاب الرسمي، وقدرة القيادات على إثبات أن النتائج تتناسب مع التكاليف.

هل أصبحت إيران العامل المشترك الحاسم في الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية؟

يتطلب اعتبار الأزمة الإيرانية العامل المشترك الحاسم في الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية، التمييز بين كونها قضية محورية في المنافسة السياسية، وبين كونها العامل الوحيد المحدد لنتائج الانتخابات في كل من أمريكا واسرائيل. فالتصويت يتأثر بمجموعة من الاعتبارات الداخلية، لكن أهمية الملف الإيراني تكمن في قدرته على التأثير وبالتالي التشابك في عدد كبير من هذه الملفات في الوقت نفسه. وفي ضوء ذلك، يتبين أهمية تحديد الوزن الانتخابي للأزمة الإيرانية في الانتخابات الأمريكية أو الإسرائيلية المقبلة. فهذا الوزن يرتبط بخمسة عوامل رئيسية؛ هي:

(*) الحصيلة العسكرية للحرب على إيران من وجهة نظر الناخب الأمريكي أو الإسرائيلي: مدى تحقُّق الأهداف العسكرية المعلنة من الحرب على إيران، وما تم من إنجازات ميدانية تحد أو تقلل من التهديدات الإيرانية بصورة مستدامة. وفي أغلب الظن قد لا يرضى المواطن الأمريكي أو الإسرائيلي عن هذه الحصيلة في ضوء استمرار التهديدات الإيرانية سواء للمصالح الأمريكية في المنطقة أو لأمن إسرائيل الذي بات تهدده الصواريخ والمُسيّرات الإيرانية.

(*) مدى تحمُّل أو تقبُّل الناخب الأمريكي أو الإسرائيلي للتكلفة الاقتصادية المرتفعة للحرب على إيران: تتجلى هذه التكلفة بشكل واضح في تأثير هذه الحرب في أسعار الطاقة والمعيشة والإنفاق العام في الولايات المتحدة، وفي الاقتصاد والتعبئة العسكرية في إسرائيل.

(*) مدى ثقة الناخب الأمريكي أو الإسرائيلي في القيادة السياسية الحالية: ترتبط هذه الثقة بمدى اقتناع الناخبين في الولايات المتحدة وإسرائيل بأن هذه القيادة تدير الأزمة بكفاءة وشفافية وتقدم أهدافًا قابلة للتحقيق.

(*) قوة المنافسة السياسية في الانتخابات القادمة: ويرتبط ذلك بقدرة الأحزاب المنافسة على تقديم برامج مقنعة، وتشكيل تحالفات تقدم بدائل أفضل للناخب الأمريكي والاسرائيلي.

(*) تطورات ما قبل الانتخابات بشأن الاتفاق أو التصعيد مع إيران: تتأثر الانتخابات المقبلة بما ستشهده المرحلة السابقة لأجرائها من التوصل لتهدئة قابلة للاستمرار، أو اتفاقًا دبلوماسيًا، أو تصعيدًا جديدًا مع إيران.

وتوضح هذه العوامل، أن الأزمة الإيرانية لا تؤثر بمعزل عن بقية الملفات في الانتخابات الأمريكية أو الإسرائيلية، بل تتفاعل مع الاقتصاد والاستقطاب الحزبي وطبيعة النظام السياسي. ولهذا لا يكفي قياس أهميتها بعدد مرات ظهورها في الخطاب الانتخابي، وإنما بمدى تأثيرها في تقييم القيادة في كل من أمريكا واسرائيل وإعادة ترتيب أولويات الناخبين في الدولتين الحليفتين.

وفي النهاية، يمكن القول إن الأزمة الإيرانية ليست مجرد خلفية إقليمية للانتخابات القادمة في كل من الولايات المتحدة واسرائيل، بل اختبار لقدرة القيادة الحالية في الدولتين على التوفيق بين متطلبات الأمن وضغوط الاقتصاد، وبين الحاجة إلى تحقيق الحسم العسكري على إيران الذي على ما يبدو أصبح أصعب مع استمرار الصمود الإيراني على الأقل حتى الآن. أما العامل الأكثر تأثيرًا في صناديق تلك الانتخابات، فسيظل مرتبطًا بكيفية إدارة هذه الأزمة، وبالنتائج التي يلمسها الناخبون، وبمدى قدرتهم على التمييز بين الإنجازات المعلنة والمكاسب المستدامة على أرض الواقع.