طرحت الولايات المتحدة على حلفائها الأوروبيين مقترحًا يقضي بالإفراج عن جزء من الأصول السيادية الروسية المجمدة ونقلها إلى صندوق مالي خاص يخضع للإشراف الأمريكي، وذلك بهدف إعادة تحريك مسار مفاوضات السلام في أوكرانيا المتعثر منذ أشهر، غير أن الاقتراح اصطدم برفض أوروبي حازم، كاشفًا عن شرخ عميق في المقاربات الغربية لإدارة الملف الأوكراني.
ميامي تحتضن نقاشات ساخنة حول أموال موسكو
كشفت صحيفة "فاينانشال تايمز " البريطانية، استنادًا إلى أربعة مصادر مطلعة، أن هذا المقترح طُرح خلال اجتماع عُقد في ميامي الأسبوع الماضي، جمع مفاوضي الرئيس دونالد ترامب مع مسؤولين من أوكرانيا وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
وتولى تقديم الفكرة المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر، اللذان اقترحا جملةً من الآليات لتحرير الأصول، أبرزها تحويلها إلى صندوق مالي خاص ترعاه واشنطن.
وأكد مسؤول أمريكي لـ"فاينانشال تايمز" أن توظيف هذه الأصول نوقش في إطار حزمة تسوية شاملة، مشيرًا إلى أن آليات الإفراج عنها وأوجه إنفاقها لا تزال قيد التداول، وأن مسؤولين أوكرانيين أكدوا من جهتهم أن الملف سبق أن طُرح في لقاءات سابقة مع الجانب الأمريكي.
عقبة الـ260 مليار يورو
تعود جذور هذا الملف إلى عام 2022، حين جمد الغرب نحو 260 مليار يورو من الأصول السيادية الروسية ردًا على العملية العسكرية في أوكرانيا، إذ يحتفظ الاتحاد الأوروبي بالحصة الأكبر منها.
وفي إطار الاستفادة من عائدات هذه الأصول دون المساس بأصلها، أقرضت دول مجموعة السبع كييف 45 مليار يورو مكفولةً بفوائد الأموال المجمدة.
وكان قادة التكتل الأوروبي قد تعهدوا في وقت سابق باستخدام هذه الأصول لإعادة إعمار أوكرانيا إن أخفقت موسكو في سداد تعويضات الحرب، غير أن أي قرار من هذا القبيل يستلزم إجماع الدول السبع والعشرين، وهو ما يبدو بعيد المنال.
وتتمسك عواصم أوروبية عديدة برفض المساس بأصل الأموال، محتجةً بعقبات قانونية تحول دون ذلك.
أوروبا تسد الباب
رفض المسؤولون الأوروبيون المشاركون في اجتماع ميامي الاقتراحَ الأمريكي رفضًا قاطعًا، مؤكدين عدم استعدادهم للتخلي عن أي سيطرة على الأصول أو إعادة أي جزء منها إلى موسكو.
وقال أحد المطلعين على النقاشات لـ"فاينانشال تايمز" إن الأوروبيين أبلغوا نظراءهم الأمريكيين صراحةً بأن هذا المسار "لن يحدث ببساطة"، في حين وصفت الصحيفة ردود الفعل الأوروبية بأنها فاجأت عواصم القارة العجوز وكييف على حد سواء، مثيرةً تساؤلات جدية حول النوايا الأمريكية الحقيقية وطبيعة ضغوطها على موسكو.
موسكو تلوح بالقضاء وواشنطن تشترط
على الجبهتين الروسية والأمريكية، تتصاعد الضغوط من زاويتين مختلفتين، إذ نقلت وسائل الإعلام الرسمية الروسية عن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف قوله إن موسكو ستبذل "كل جهد ممكن" لاسترداد ما وصفه بـ"الأصول المسروقة"، معلنًا أن ذلك يشمل المسارات القانونية والملاحقات القضائية والإجراءات أمام المحاكم الدولية.
في المقابل، طالبت واشنطن كييف بتقديم خطة واضحة لصرف أي أموال مستقبلية من أي مصدر كان، بالتنسيق مع البنك الدولي لتطبيق إصلاحات تضمن الشفافية وتكافح الفساد.
ولا يُخفى أن مقترحًا مماثلًا أُدرج قبل نحو عام ضمن خطة السلام الأمريكية المؤلفة من 28 نقطة، إلا أنه أخفق في اكتساب أي زخم دبلوماسي وقتذاك، وهو ما يجعل إحياءه اليوم رهينًا بقدرة واشنطن على ردم الهوة مع شركائها الأوروبيين.