الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

رسائل جولة الرئيس السيسي الآسيوية

  • مشاركة :
post-title
لقاء الرئيس السيسي مع رئيس كوريا الجنوبية "لي جاي ميونج"

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

تأتي جولة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الآسيوية لكل من جمهورية كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، مطلع أكتوبر 2026، في إطار تنويع توجهات السياسة الخارجية المصرية ومنها التوجُّه شرقًا، لا سيما وأن ثمة توقعات للعديد من المحللين بأن القرن الواحد والعشرين سيكون قرنًا آسيويًا، وأن آسيا ستُشكّل مستقبل العالم في ظل امتلاكها لمقومات الصعود الاقتصادي والثقافي والتنموي، وهو الأمر الذي يعززه التطور الهائل في المجالات التكنولوجية وامتلاك مصادر القوة المعرفية فضلًا عن استنهاض التجارب التنموية الآسيوية لتلك المصادر وتوظيفها بما يعزز من مكانة دولها على الساحة الدولية، مع مراعاة واضحة لخصوصية مجتمعات آسيا الثقافية والاجتماعية، وأهمها الحفاظ على قيم الأسرة وتماسكها كمؤسسة قادرة على تحقيق التوازن بين اكتساب أدوات العصر والحفاظ على هويتها.

ومثّلت كل دولة من محطات الزيارة قيمة مضافة لتعزيز التعاون التنموي؛ فكوريا الجنوبية تمتلك ثقلًا صناعيًا وتكنولوجيًا، إذ يحتل الاقتصاد الكوري الجنوبي في الوقت الراهن المرتبة الـ 14 عالميًا، بناتج محلى يبلغ 1,87 تريليون دولار، ويُعَد رابع أكبر اقتصاد آسيوي بعد الصين واليابان والهند، فضلًا عن أن كوريا الجنوبية تُعَد واحدة من أهم القوى الصناعية والتكنولوجية، لا سيما في مجال الصناعات الثقيلة. أما اقتصاد إندونيسيا، فيأتي في المرتبة الـ 17 على المستوى الدولي، وماليزيا في المركز الـ 34 بين الاقتصادات العالمية، الأمر الذي مكّنها من أن يكون لديها خبرات تعليمية عالمية و قدرات مالية ومؤسسية وإلكترونية متقدمة، ومن ثم فإن تعزيز وتدعيم علاقات مصر الاقتصادية والتجارية مع الدول الثلاث شكّل أولوية تنموية لمصر.

فالاسترشاد بتجارب النماذج الآسيوية يثرى التجربة التنموية المصرية؛ فآسيا التي لم تصبح فقط مستقبل العالم بل مصنعه أيضًا، في ظل وجود تجارب تنموية في دولها نجحت في تحقيق نماذج تنموية حققت فوائض اقتصادية وحافظت على مراكز متقدمة في سُلَّم الاقتصادات الكبرى، مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية وتايوان وهونج كونج وسنغافورة وماليزيا، كما قامت تلك التجارب على ركائز المعرفة والعلم والاستثمار في الكفاءات البشرية وربط من يهاجر منهم بالوطن، لتُشكّل آسيا وتجاربها التنموية أحد مرتكزات التحول لإزاء نظام دولي متعدد الأقطاب الاقتصادية.

تأسيسًا على ما سبق، يُثار تساؤل مركزي حول الدوافع والمردود التنموي والسياسي لجولة الرئيس السيسي الآسيوية لكل من كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا.

دوافع متنوعة

تمتلك الدول الآسيوية العديد من المقومات الداعمة لتعزيز المكانة الآسيوية على المستوى الدولي، وهي المنطلقات التي جعلت العديد من القوى الإقليمية، ومنها مصر، والقوى الدولية، تستدير شرقًا. لذلك تتنوع دوافع الجولة، والتي يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

(*) تنوع القدرات التنموية الآسيوية: تمتلك آسيا ما يقارب نصف الناتج المحلي الإجمالي، كما تستحوذ على نصف احتياطيات النقد الأجنبي العالمي، وتعتمد دول شرق آسيا ودول الآسيان بشكل كبير على التجارة والصناعة مع التحول نحو الصناعات عالية التقنية، كما تبرز جنوب شرق آسيا كمركز متنامٍ في التجارة الرقمية والابتكار المالي، بفضل دول مثل إندونيسيا وسنغافورة. لذلك تتنوع توقعات تقديرات صندوق النقد الدولي لتتجاوز اقتصادات منطقة آسيا والمحيط الهادىء الاقتصادات الغربية. فعلى سبيل المثال، تشير التوقعات الاقتصادية للنمو العالمي إلى أن الهند في عام 2050 ستكون قطبًا مؤثرًا على الساحة الاقتصادية الدولية، لكنها ستظل بعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين والاتحاد الأوروبي، مع احتمالية تفوقها على اليابان والبرازيل وروسيا، ومن المحتمل أن تتخطى ألمانيا في الناتج الإجمالي المحلي عام 2026، واليابان 2027، لتصبح ثالث أكبر اقتصاد بعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين. وإجمالًا فإن آسيا تتجه لتصبح قلب العالم حيث تُقدَّر قيمة أكبر 10 اقتصادات في القارة بأكثر من 40 تريليون دولار خلال عام 2025، وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، حيث تتصدر الصين المشهد بناتج محلي إجمالي يبلغ 19.23 تريليون دولار جعلها ثاني أكبر اقتصاد في الولايات لمتحدة الأمريكية والتي يتجاوز ناتجها المحلي الإجمالي 30 تريليون دولار ليُشكّل نحو ربع الاقتصاد العالمي، ثم اليابان في المركز الثاني آسيويًا بناتج محلي إجمالي 4.19 تريليون دولار، ثم الهند بنفس الناتج تقريبًا، وتأتي كوريا الجنوبية في المركز الرابع بناتج محلي إجمالي 1.79 تريليون دولار. ثم إندونيسيا خامسًا بـ 1.43 تريليون دولار كأكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا. وفي المركز السادس تركيا بـ 1.44 تريليون دولار، وفي المركز السابع السعودية بـ 1.12 تريليون دولار، ثم تأتي تايوان في المركز الثامن بـ 907 مليارات دولار، والإمارات في المركز التاسع بـ 544 مليار دولار، وجاءت سنغافورة في المركز العاشر بـ 564.8 مليار دولار.

(*) جاذبية النموذج التنموي الآسيوي: يستند النموذج التنموي في آسيا على الثراء والتنوع والاعتماد على تجنب المشروطية السياسية لنقل واستلهام تجاربه في دول أقل نموًا، كما قام النموذج الآسيوي على الحفاظ على مؤسسة الأسرة كركيزة رئيسية للتنمية في آسيا، بما أسهم في الحفاظ على منظومة قيمية تجسد الهوية والثقافة الآسيوية وتحفظ أيضًا أحد أهم أعمدة المجتمع الأساسية من التفكك أو الانهيار وهى الأسرة. يُضاف إلى ذلك أن هذا الثراء والتنوع التنموي انعكس في تجارب الدول الآسيوية وتبنيها لمقاربات اقتصادية متنوعة ما بين الاقتصاد الاشتراكي (الصين)، واقتصاد السوق الحر (اليابان)، والاقتصادات المختلطة (الهند، وكوريا الجنوبية، وماليزيا، وسنغافورة، وإندونيسيا). كما تقدم تجاربها التنموية نماذج ملهمة على تجاوز التحديات فبعد أربع سنوات من المحاولات المستمرة، نجحت الهند في أغسطس 2023 في أن تصل مركبتها الفضائية إلى سطح القمر، لتنضم إلى صفوف الدول المتقدمة التي نجحت في الوصول إلى سطح القمر، وهي: الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، والصين. وهو الأمر الذي وصفه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي "بأنه حدث تاريخي".

(*) محورية التجمعات الاقتصادية الآسيوية: أضحت آسيا مركزًا للعديد من التجمعات التنموية الإقليمية العالمية والتي تهتم بقضايا الأمن والتنمية في آسيا والعالم مثل منظمة شنجهاي للتعاون والتي تجمع دولًا من آسيا وأوروبا لتعزيز الأمن، وتُعَد مصر من دول "حوار المنظمة". ورابطة دول جنوب شرق آسيا "الآسيان"، ورابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي "سارك" والتي تركز على التكامل التنموي في جنوب آسيا، ومجلس التعاون الخليجي، والإسكوا التي تعمل على تعزيز التنمية في غرب آسيا. كما تنضم العديد من الدول الكبرى في آسيا للتكتلات الدولية التي تسعى لبلورة رؤية عالمية للانتقال من النظام الهيمنة الأحادي القطبية الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة والمنظومة الغربية إلى نظام متعدد الأقطاب حتى لو من الناحية الاقتصادية. لذلك كان الانخراط في مثل تلك التكتلات العالمية مثل بريكس، التي تضم، من دول آسيا ضمن مؤسسيها، كلًا من الهند، والصين، وأخيرًا انضم، بعد توسيع عضوية بريكس، في يناير 2023، كل من مصر، وإيران، وإثيوبيا. كما انضمت إندونيسيا لعضوية المجموعة في يناير 2025 لتصبح العضو العاشر وتكون أول دولة من جنوب شرق آسيا، مما يعزز من دور بريكس في الجنوب العالمي ويدعم دور الاقتصادات الناشئة، ويسهم في فتح آفاق جديدة للتمويل والتنمية بعد أن أسست المجموعة بنك التنمية الجديد في 2015 لتمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية المستدامة في الدول النامية. كما تضم مجموعة العشرين التي تستحوذ على ما يقرب من 85% من الناتج العالمي الإجمالي، 6 دول من دول المجموعة من القارة الآسيوية والتي تُشكّل ما يقرب من ثلث دول المجموعة، والتي تُعَد من أكبر الاقتصادات العالمية، وهي دول: الصين، والهند، وإندونيسيا، واليابان، وكوريا الجنوبية، والسعودية.

(*) توظيف القدرات البشرية: نجحت التجارب الآسيوية في تحويل المقومات البشرية من تهديد إلى فرصة تضاف إلى القدرات الشاملة للدولة، إذ يبلغ عدد سكان آسيا 4.84 مليار نسمه حتى 21 ديسمبر 2025، وفقًا لأحدث بيانات الأمم المتحدة استنادًا إلى مؤشر Worldometer. لتمثل 58.74% من إجمالي سكان العالم البالغ عددهم حوالي 8.23 مليار نسمة، لذلك تُعَد آسيا القارة الأكثر اكتظاظًا بالسكان. الهند منذ، أبريل 2023، الدولة الأكبر على مستوى العالم من حيث عدد السكان، ويصل تعداد سكانها إلى 1.4276 مليار نسمة لتحتل المرتبة الأولى عالميًا وتتخطى الصين التي يُقدَّر عدد سكانها 1.4256 مليار نسمة. كما تمتلك الهند أكبر جالية منتشرة في جميع دول العالم تُقدَّر بحوالي 25 مليون صيني. وتُشكّل تحويلات الصينيين المنتشرين في جميع أنحاء العالم دعمًا للاقتصاد الهندي، فوفقًا لتقرير البنك الدولي عن الهجرة والتنمية خلال عام 2022، فإن الهند نجحت في تحقيق رقم قياسي من تحويلات العاملين بالخارج بلغ 100 مليار دولار، جعل ترتيبها الأول على دول العالم، حيث زادت تحويلات عامليها في الخارج لتقترب من 12% مقارنة بنمو 7,5 % في عام 2021، عندما بلغت تحويلات المهاجرين إلى وطنهم 89,4 مليار دولار.

(*) خصوصية القيم الآسيوية: شكّلت المنظومة القيمية الآسيوية الإطار الداعم لتجارب النهوض في الاقتصادات الآسيوية بخصوصيتها الفريدة، حيث سعت الدول المركزية الآسيوية، في مقدمتها الصين والهند وسنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وماليزيا والفلبين وتايلاند وفيتنام، إلى بناء وتعزيز حركات نمو سياسية وأيديولوجية داخلية تطرح منظومة قيمية للتنمية تقوم على مركزية الدولة والكفاءة البيروقراطية والنهوض الحضاري لمواجهة المنظوم القيمية الغربية ونماذجها التنموية، حيث تسعى المنظومة القيمية الآسيوية لتحقيق الدمج بين النهضة التنموية وتحسين مستويات المعيشة للطبقات الاجتماعية وحماية الطبقة الوسطى وتعزيز مكانتها وضمان استمرار دورها كداعم للاستقرار. إلى جانب ذلك، اتجهت الدول الآسيوية لطرح رؤى سياسية جديدة، منها على سبيل المثال التحديث الصيني والواقعية البراجماتية اليابانية والهندية الحضارية، وذلك بهدف تأسيس منظومة نهضوية آسيوية وغير غربية وصفت بالآسيوية الجديدة.

مردود مؤثر

بتنوع دوافع الجولة تنوع مردودها على المستويين التنموي والسياسي:

(*) على المستوى السياسي: عكست الجولة الثقل الإقليمي لمصر، ومحورية الدائرة الآسيوية في إطار عقيدة الاتزان الإستراتيجي التي تقوم في أحد مبادئها على مراعاة أبعاد الأمن القومي المصري والحفاظ على المصالح الوطنية. وعليه فإن ثمة توافقًا مع ما تطرحه مصر بشأن حلحلة الأزمات الإقليمية والدولية، ورؤى دول الجولة الآسيوية. فماليزيا وإندونيسيا من الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي التي تتمتع مصر أيضًا بعضويتها، وأن ثمة توافقًا فيما يتعلق بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة بتسوية الصراع الأمريكي الإيراني بالطرق السلمية، ورفض اللجوء إلى القوة، واحترام سيادة الدول ورفض الاعتداءات الخارجية على دول مجلس التعاون الخليجي. أما إندونيسيا فقد انضمت مثل مصر إلى تجمع بريكس، وما يُشكّله من ثقل تنموي واقتصادي على المستوى الدولي في إطار سعي الأعضاء إلى بلورة تجربة تنموية لدول الجنوب العالمي تسهم في تدشين نظام دولي متعدد الأقطاب الاقتصادية. وعكست الجولة جاذبية القوة الناعمه المصرية سواء من خلال كورال الأطفال بكوريا الجنوبية الذي أنشد أغنية "فيها حاجة حلوة" باللغة العربية احتفاءً بزيارة الرئيس السيسي، أو ما ردده رئيس وزراء ماليزيا أنور ابراهيم، الذي زار مصر في نوفمبر 2024، حول فضائل مصر خلال المؤتمر الصحفي مع الرئيس السيسي في ماليزيا 10 أكتوبر 2026، مُذكِّرًا بالتعليم في أزهرها، وبتاريخها العريق، وأغانيها التي لا زالت تُردد.

(*) على المستوى التنموي: يأتي إعلان مصر وكوريا الجنوبية، في بيان مشترك فى 9 أكتوبر 2026، إرساء شراكة إستراتيجية بين البلدين للارتقاء بالعلاقات الثنائية وتعميق آفاق التعاون في المجالات السياسية، والدفاعية، والاقتصادية، والثقافية، والإقليمية، ليُشكّل أحد أهم مكتسبات الجولة، لا سيما وأن الجانب المصري رحّب بمبادرة "S.H.I.N.E"، وهي سياسة جمهورية كوريا تجاه الشرق الأوسط، التي أُعلن عنها في جامعة القاهرة خلال زيارة الرئيس لي جاي ميونج إلى مصر عام 2025، كما رحّب الجانب الكوري بسياسة "الاتزان الإستراتيجي" التي ينتهجها الرئيس عبد الفتاح السيسي، فضلًا عن الإشادة بعقد الدورة الأولى للحوار الإستراتيجي بين وزيري الخارجية في سول في يونيو الماضي، مع الترحيب بإطلاق مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة "CEPA" كما اتفق البلدان على تخصيص عام 2027 عامًا للتبادلات الثقافية. أما التعاون التنموي مع ماليزيا فقد انعكس على مستوى التجارة الثنائية بين البلدين، إذ بلغ 495 مليون دولار في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، مُقابل 516 مليون دولار خلال نفس الفترة من عام 2025، ما يُسلط الضوء على أن التعاون التجاري بين البلدين من المُرجح أن يتجه إلى الارتفاع بشكل أكبر بعد هذه الزيارة. وتأتي اتفاقية الشراكة الإستراتيجية بين مصر وإندونيسيا والتي تم توقيعها في أبريل 2025، خلال زيارة الرئيس الإندونيسي لمصر، لتُمثل إضافة للتعاون التنموي المصري الإندونيسي.

مجمل القول، تعكس جولة الرئيس السيسي الآسيوية التوازن في سياسة مصر الخارجية، ومنها التوجُّه شرقًا إزاء آسيا، التي تشهد صعودًا تنمويًا على مسرح السياسة الدولية، ما بين الصعود الصيني، والتفوق الهندي والياباني، وكذلك تنامي اقتصادات دول جنوب شرق آسيا، منها كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، والسعي لتأطير وتفعيل علاقاتها التنموية بشكل مؤسسي، وتعزيز الحضور الآسيوى في التجمعات والتحالفات الدولية مثل بريكس، ومجموعة العشرين، ومنظمة شنجهاي للتعاون، والآسيان وغيرها، فضلًا عن التوقعات بنمو قوي لاقتصادات آسيا الوسطى ليجعل كل ذلك الزخم من آسيا قوةً مركزيةً دافعةً ومحتملةً للاقتصاد العالمي لتصيغ مستقبل العالم ومساراته الحاسمة في لحظة مفصلية من تطور النظام الدولي.