الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

الانعكاسات الاقتصادية المحتملة لجولة الرئيس المصري في آسيا

  • مشاركة :
post-title
جولة آسيوية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

القاهرة الإخبارية - رضوى محمد

بدأ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جولة آسيوية في يوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 تستمر حتى 9 أكتوبر 2026، استهلها بزيارة إلى كوريا الجنوبية والتي ترتب عليها توقيع 12 اتفاقية ومذكرة تفاهم، ثم ستنتقل إلى مملكة ماليزيا وجمهورية إندونيسيا، وهو مسار يستهدف تعزيز العلاقات المصرية الآسيوية، عن طريق دفع أطر التعاون في مختلف المجالات، خاصة المجال الاقتصادي، فالاقتصاد العالمي في الوقت الراهن أصبح يستوجب تنويع العلاقات، بهدف زيادة مرونة مواجهة الصدمات، وتحقيق معدلات نمو مستدامة.

تأسيسًا على ما سبق يتطرق هذا التحليل إلى التعرُف على حجم العلاقات الاقتصادية بين مصر والدول الثلاث التي تشملها الزيارة، بالإضافة إلى ذلك يحاول التحليل التعرُف على الانعكاسات الاقتصادية المحتملة لهذه الجولة.

مؤشر العلاقات الاقتصادية

يُمكن الاستدلال على أنماط التعاون الاقتصادي بين مصر وكل من كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا من خلال النقاط التالية:

الشكل (1): حجم التبادل التجاري بين مصر وكل من كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا (بالمليار دولار)-المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

(-) حجم التبادل التجاري: إن محور العلاقات الاقتصادية بين الدول المُختلفة يُقاس بحجم تبادُل السلع والخدمات بينهم، وبالتالي يُشير الشكل (1) إلى أحدث بيانات التبادل التجاري بين مصر والدول الثلاث في الزيارة، إذ بلغ حجم التجارة بين مصر وكوريا الجنوبية 874 مليون دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، بينما بلغ في ماليزيا نحو 718 مليون دولار في عام 2025، ولكن في إندونيسيا بلغ حجم التبادل التجاري 1.7 مليار دولار في عام 2024، مما جعل مصر الشريك التجاري الأول لإندونيسيا في شمال إفريقيا.

الجدول (1): أهم السلع المُصدرة والمستوردة من مصر مع كل من كوريا الجنوبية وإندونيسيا وماليزيا

ويُمكن قراءة أرقام التبادل التجاري من خلال أنها تُحقق المصلحة المتبادلة بين هذه الدول وفقًا للجدول (1)، فمصر تُصدر لكوريا الجنوبية الحديد والصلب بقيمة 18.47 مليون دولار، ومخلفات الصناعات الغذائية وأعلاف الحيوانات بقيمة 13.29 مليون دولار، والأسمدة بقيمة 3.80 مليون دولار، وعلى الجانب الآخر تستورد مصر من كوريا الجنوبية المركبات بخلاف مركبات السكك الحديدية والترام بقيمة 286.88 مليون دولار، والآلات ومكونات تتعلق بمفاعلات الضبعة النووية بقيمة 212.76 مليون دولار، والبلاستيك بقيمة 161.52 مليون دولار، والمعدات الكهربائية والإلكترونيات بقيمة 146.10 مليون دولار.

ومن هنا ارتفعت الصادرات المصرية إلى كوريا الجنوبية لتصل إلى 44.6 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنةً بـ 40.1 مليون دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بينما بلغ إجمالي الواردات المصرية من كوريا الجنوبية 595.7 مليون دولار في النصف الأول من عام 2026.

وعلى الجانب الآخر بلغت الصادرات المصرية إلى إندونيسيا 177.99 مليون دولار في عام 2025، وكانت أهم السلع المُصدرة مجموعة الملح والكبريت والتراب والحجر والجبس والجير والأسمنت بـ 116.76 مليون دولار، بينما الفواكه والمكسرات بـ 23.37 مليون دولار، والخضراوات بـ 10.34 مليون دولار، بينما استوردت مصر من إندونيسيا بقيمة 1.92 مليار دولار، أهمها الدهون والزيوت النباتية والحيوانية بقيمة 1.27 مليار دولار، والقهوة والشاي بقيمة 198.1 مليون دولار، والمعدات الكهربائية والإلكترونية بـ 66.60 مليون دولار.

بالإضافة إلى ذلك بلغت الصادرات المصرية إلى ماليزيا 88.04 مليون دولار في عام 2025، وكانت أهم السلع المُصدرة الفواكه والمكسرات بقيمة 34.56 مليون دولار، والملح والكبريت والحجر والأسمنت بقيمة 22.86 مليون دولار، والألومنيوم بقيمة 11.40 مليون دولار، بينما استوردت مصر من ماليزيا بقيمة 699.15 مليون دولار، أهمها الدهون والزيوت النباتية والحيوانية بقيمة 388.98 مليون دولار، والمطاط بقيمة 52.11 مليون دولار، والكاكاو ومستحضرات الكاكاو بقيمة 46.47 مليون دولار.

(-) حجم الاستثمارات المُتبادلة: تُعد الاستثمارات بوابة الانفتاح الاقتصادي بين الدول، فلا يُمكن وصف العلاقات بالاستراتيجية بدون توطين الاستثمارات المباشرة بشكل أساسي، فوفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بلغت الاستثمارات الكورية الجنوبية في مصر 736.3 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2025/2026، مقارنةً بـ 77.2 مليون دولار خلال الفترة نفسها من عام 2024/2025.

بينما بلغ حجم الاستثمارات الماليزية في مصر نحو 24 مليون دولار وفق آخر بيانات للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وذلك من خلال نحو 26 شركة ماليزية، حيث تشمل هذه الاستثمارات قطاعات البترول والغاز والكهرباء والتشييد، بالإضافة إلى التوجه نحو صناعة الإطارات والمطاط وزيت النخيل، بينما تُركز الاستثمارات المصرية في ماليزيا على مجالات الكيماويات والصناعات الخشبية.

وبلغت الاستثمارات الإندونيسية في مصر 1.2 مليون دولار خلال العام المالي 2022/2023، بالمُقارنة بنحو 956 ألف دولار خلال العام المالي 2021/2022، بينما بلغت الاستثمارات المصرية في إندونيسيا 54.2 مليون دولار خلال العام المالي 2022/2023، مقابل 179.9 مليون دولار خلال العام المالي 2021/2022.

انعكاسات محتملة للجولة

إن الجولة الآسيوية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تبلور عددًا من الانعكاسات الهامة تتمحور في الشراكة الاستراتيجية الشاملة، والتي سيتم توضيحها فيما يلي:

(-) زيادة القيمة المضافة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس: إن الجولة سينتج عنها بشكل أساسي توطّن كبير للاستثمارات الآسيوية في مصر، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وهو الأمر الذي اتضح من زيارة كوريا الجنوبية، حيث دعا الرئيس المصري إلى إنشاء منطقة صناعية كورية متكاملة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس؛ لتعزيز الاستثمار وتوطين الصناعات الحيوية والتكنولوجية المُتقدمة.

ومن هنا يُمكن القول إن تلاقي هذه الاستثمارات لكوريا الجنوبية وإندونيسيا وماليزيا مع الاستثمارات الصينية المتوطّنة في هذه المنطقة والتي بلغت نحو 5.8 مليار دولار، سيعمل على زيادة القيمة المضافة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وسترتفع درجة مساهمتها في معدلات التصدير ومعدلات النمو المُستهدفة، إذ وقعت وزارتا الصناعة المصرية والكورية مذكرة تفاهم للتعاون في بناء السفن، هذا فضلًا عن توقيع مذكرة تفاهم للتعاون البحري بين وزارة المحيطات والثروة السمكية الكورية ووزارة النقل المصرية.

(-) طفرة في التعاون التكنولوجي: تتمتع كل من كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا بخبرات تكنولوجية كبيرة، إذ إنهم يمتلكون تراكمًا تكنولوجيًا في التصنيع والتحول الرقمي والبحث والتطوير، ففي كوريا الجنوبية تحوّل التركيز الاقتصادي نحو الريادة في التقنيات الناشئة والمتطورة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والحوسبة الكمية والروبوتات المتقدمة وأشباه الموصلات من الجيل التالي.

وبالتالي تُعزز القدرة التكنولوجية لكوريا الجنوبية دورها في الدبلوماسية الاقتصادية العالمية، لا سيما في أشباه الموصلات وشبكات الجيل الخامس والتصنيع، وتُترجم هذه الريادة إلى زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر وتسهيل نقل التكنولوجيا وازدهار المشروعات المشتركة، وما يُدلل على ذلك توقيع وزارة العلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الكورية ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المصرية مذكرة تفاهم في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

(-) تبادل البعثات التعليمية: إن التعليم يُعتبر حلقة أساسية في التعاون بين مصر والدول الآسيوية الثلاث، فمصر بها أكثر من 20 ألف طالب إندونيسي يدرس في جامعة الأزهر، ونحو 7 آلاف طالب ماليزي، كما أن التبادل الثقافي الكوري المصري يحتل موقعًا رئيسيًا في العلاقات بين البلدين، فالمدرسة الكورية في مصر تُعد من أهم المؤسسات التعليمية الأجنبية المرتبطة بالجالية الكورية والعلاقات الثقافية بين مصر وكوريا الجنوبية، وذلك بالإضافة إلى المركز الثقافي الكوري، وهو ما جعل الجانبين يتفقان في مذكرة تفاهم على تخصيص عام 2027 عامًا للتبادلات الثقافية، هذا فضلًا عن الاهتمام بتطوير البرامج التعليمية، بما في ذلك المنح الدراسية وتعليم اللغة الكورية، ومبادرات تدريب الشباب، بالإضافة إلى التعاون في مجال التعليم العالي، وهو الأمر الذي يترتب عليه نقل الخبرات التعليمية من كوريا الجنوبية إلى مصر.

(-) زيادة التبادل التجاري: تعمل هذه الجولة بشكل أساسي على توطيد العلاقات التجارية بين مصر والدول الثلاث الآسيوية، فقد وقعت وزارة الخارجية الكورية ووزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج مذكرة بشأن إنشاء منصة رقمية للفحص والتتبُع المبني على المخاطر؛ لتسهيل التجارة، وهو الأمر الذي سيعمل على زيادة تبادل السلع والخدمات بين مصر وكوريا الجنوبية، ومن المتوقع أن ينتج عن زيارة إندونيسيا وماليزيا اتفاقيات أخرى تعمل على زيادة تدفق التجارة مع مصر.

(-) تعميق التعاون الطاقوي: إن مذكرتي التفاهم اللتين وقعتهما وزارة المناخ والبيئة والطاقة الكورية ووزارة الكهرباء والطاقة المتجددة المصرية، تعملان على ترسيخ التعاون في مجال الطاقة بين البلدين بشكل كبير، إذ إن إحداهما بشأن التعاون في مجال الطاقة النظيفة، والأخرى بشأن شراكة للتعاون في البنية التحتية للكهرباء، وهو الأمر الذي سيُحقق هدف مصر بأن تكون مركزًا للطاقة النظيفة في الشرق الأوسط.

في النهاية يُمكن القول إن الجولة الآسيوية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في هذا التوقيت تعكس حكمة سياسية واقتصادية كبيرة، فالجانب الآسيوي أصبح له ثقل عالمي ملحوظ في النظام الاقتصادي الدولي، وتوطيد العلاقات معه بات ضرورة حتمية مع أي دولة تُريد أن تُحقق توازنًا اقتصاديًا وسياسيًا في علاقاتها، كما أن تحقيق النمو الاقتصادي المُستدام لن يتحقق بدون تنويع العلاقات الخارجية، بحيث تتنوع الاستثمارات داخل الدولة، ويزداد الدخل القومي بشكل يُحقق التنمية للجيل الحالي والمُستقبلي.