تقف وراء موجة التصعيد العسكري الراهنة بين ميليشيا الحوثيين والقوات الحكومية في اليمن، مجموعة من الحسابات المتداخلة، في مقدمتها محاولة الحوثيين فرض واقع اقتصادي وميداني جديد، واستغلال التوترات الإقليمية لتعزيز موقفهم التفاوضي، بالتوازي مع تحركات حكومية تستهدف قطع خطوط تهريب السلاح، وتأمين مناطق النفوذ والممرات المائية القريبة من مناطق المواجهات.
وجاء التصعيد خلال شهري يوليو وأغسطس 2026، لينهي مرحلة طويلة من الهدوء النسبي بين الحكومة الشرعية وميليشيا الحوثيين، استمرت بدرجات متفاوتة منذ الهدنة الأممية في أبريل 2022. ورغم أن المواجهات الحالية لم تصل بعد إلى مستوى الحرب الشاملة، فإن اتساع نطاقها الجغرافي، وتعدد الجبهات التي تشهد اشتباكات، ودخول أدوات قتالية أكثر تأثيرًا، خاصة الطائرات المُسيّرة، تشير إلى أن المشهد اليمني يتحرك تدريجيًا من مرحلة "اللاحرب واللاسلم" إلى مرحلة أكثر هشاشة، يمكن أن تنفتح على احتمالات تصعيد أوسع.
وفي هذا السياق، لا تبدو التحركات العسكرية الراهنة منفصلة عن التطورات السياسية والاقتصادية والإقليمية المحيطة بالملف اليمني؛ إذ يحاول كل طرف تحسين موقعه الميداني قبل أي ترتيبات سياسية محتملة، في وقت أصبح فيه البحر الأحمر وباب المندب جزأين أساسيين من معادلة الصراع، ولم تعد المواجهة مرتبطة فقط بخريطة السيطرة داخل اليمن.
خريطة التصعيد:
شهدت الساحة اليمنية تصعيدًا ميدانيًا تجاوز حالة التهدئة النسبية التي استمرت لسنوات، مع تجدُّد المعارك والاشتباكات بين القوات الحكومية وحلفائها، بما في ذلك الجيش الوطني والمقاومة الوطنية وألوية العمالقة، من جهة، وميليشيا الحوثيين من جهة أخرى. ويكشف توزيع المواجهات أن التصعيد لا يتركز في جبهة واحدة، وإنما يمتد عبر مجموعة من المحاور ذات الأهمية العسكرية والاقتصادية والإستراتيجية. وتتمثل أطراف خريطة التصعيد على النحو التالي:
1. بؤرة الاشتعال الرئيسية: تتمثل في جبهات تعز والساحل الغربي (غرب تغز): شهدت هذه الجبهات اشتباكات تُعَد من بين الأكثر عنفًا خلال موجة التصعيد الأخيرة، حيث نفذت القوات الحكومية هجمات معاكسة أسفرت عن السيطرة على مواقع إستراتيجية، من بينها "نقيل وجبل الكورة"، بهدف تأمين طرق الإمداد ونقطة "الشراجة" الممتدة نحو مديريات الساحل.
2. محور البرح وحيس "الحديدة - تعز": شهد هذا المحور مواجهات بمختلف أنواع الأسلحة؛ في ظل محاولات لمنع تقدم الحوثيين باتجاه المناطق الواقعة جنوبي الحديدة وشمال غربي تعز. وتنبع أهمية هذا المحور من موقعه الجغرافي واتصاله بالطرق الرابطة بين تعز وموانئ الساحل الغربي، وفي مقدمتها ميناء المخا، وهو ما يجعل السيطرة عليه تتجاوز القيمة العسكرية المباشرة إلى التأثير في خطوط الإمداد والطرق المؤدية إلى الساحل، فضلًا عن قربه من أحد أهم الممرات البحرية في المنطقة عند باب المندب.
3. جبهة مأرب "شرق اليمن": شهدت المناطق الواقعة جنوبي مأرب، خاصة في محوري الحديثة والجوبة، تحركات عسكرية ومحاولات حوثية للضغط على الأطراف الجنوبية للمحافظة واستعادة المبادرة الميدانية. وفي المقابل، استخدمت القوات الحكومية المدفعية والطائرات المُسيّرة في استهداف تحشدات ومواقع تابعة للحوثيين، من بينها مواقع في محيط معسكر صحن الجن. وتظل مأرب واحدة من أكثر جبهات الصراع حساسية؛ ليس فقط باعتبارها معقلًا رئيسيًا للحكومة الشرعية، وإنما لما تمثله من أهمية اقتصادية ترتبط بالنفط والغاز، فضلًا عن استضافتها أعدادًا كبيرة من النازحين. ولذلك، فإن أي محاولة لإحداث تغيير جوهري في خريطة السيطرة داخل المحافظة يمكن أن تحمل كلفة عسكرية واقتصادية وإنسانية كبيرة، وتعيد مأرب مرة أخرى إلى صدارة الصراع اليمني.
4. جبهتا الجوف والبيضاء "الشمال والوسط" (شرقي الجوف): امتدت المواجهات إلى محيط معسكر اللبنات والقرى المتاخمة له، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية تحقيق تقدم للسيطرة على عدد من النقاط الحاكمة، بهدف منع الحوثيين من استخدام المساحات الصحراوية الواسعة للمناورة والتحرك باتجاه مأرب. وفي محافظة البيضاء، شهدت خطوط التماس بين البيضاء ومحافظتي شبوة وأبين مناوشات وقصفًا مدفعيًا متقطعًا، بما يعكس استمرار قابلية هذه الجبهات للاشتعال بالتزامن مع أي تصعيد على المحاور الرئيسية.
أسباب ودوافع:
لا يمكن تفسير عودة المواجهات بالاحتكاكات العسكرية على خطوط التماس فقط، إذ تقف خلف التطورات الراهنة مجموعة من الدوافع المحلية والإقليمية التي تجعل التصعيد جزءًا من محاولة كل طرف إعادة ترتيب أوراقه داخل معادلة الصراع. ويمكن تحديد أبرز هذه الدوافع فيما يلي:
1- ضرب خطوط تهريب السلاح: نفذت القوات الحكومية اليمنية عمليات أمنية استباقية في صحاري حضرموت ومأرب وشبوة والجوف استهدفت مسارات يُشتبه في استخدامها لتهريب الأسلحة إلى الحوثيين. ومن ثم، يمكن قراءة جانب من التصعيد الحوثي باعتباره محاولة للرد على الضغوط التي تتعرض لها خطوط الإمداد، ومنع الحكومة من تحويل عمليات مكافحة التهريب إلى أداة مستدامة لتقليص القدرات العسكرية للجماعة.
2- الضغط الاقتصادي على الحكومة الشرعية: تسعى ميليشيا الحوثيين إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على الحكومة من خلال تهديد المنشآت الحيوية والموانئ ومناطق النشاط الاقتصادي، بما في ذلك التأثير في نشاط ميناء المخا. ولا ينفصل هذا المسار عن محاولة إضعاف الموارد المتاحة للحكومة ورفع تكلفة استمرارها في المواجهة، بما يمنح الحوثيين أوراقًا إضافية في أي مفاوضات اقتصادية أو سياسية مقبلة.
3- استغلال التحولات الإقليمية وربط الملفات: يحاول الحوثيون إبقاء الحرب اليمنية مرتبطة بخريطة الصراع الإقليمي الأوسع، خاصة ملفات البحر الأحمر وباب المندب والتوترات المرتبطة بإيران وحلفائها. ويتيح ذلك للجماعة تجاوز كونها طرفًا محليًا في أزمة داخلية، وتقديم نفسها باعتبارها فاعلًا قادرًا على التأثير في معادلات أمن إقليمية ودولية أوسع.
4- اختبار القدرات العسكرية الجديدة للجيش اليمني: يمثل دخول الطائرات المُسيّرة الحكومية بصورة أكثر فاعلية إلى ساحة العمليات تطورًا في طبيعة المواجهة، خاصة مع استخدامها في رصد التحركات والتحصينات واستهدافها. ومن هذه الزاوية، قد يحمل التصعيد الحوثي بُعدًا اختباريًا لقدرات القوات الحكومية الجديدة، ومحاولة كشف نقاط قوتها وضعفها قبل أن تتحول إلى عنصر دائم في ميزان القوة الميداني.
5- تعزيز الموقف التفاوضي واستباق الحلول السياسية: يتزامن التصعيد مع استمرار تحركات المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس جروندبرج، والجهود الرامية إلى إعادة تنشيط المسار السياسي. وفي مثل هذه المراحل، تصبح التحركات العسكرية وسيلة لتحسين شروط التفاوض، إذ يسعى كل طرف إلى الوصول إلى أي تسوية محتملة وهو يمتلك أكبر قدر ممكن من أوراق الضغط الميدانية والاقتصادية.
6- محاولة تعديل خريطة السيطرة: تسعى ميليشيا الحوثيين إلى تحقيق اختراقات، ولو محدودة، في الجبهات ذات القيمة الاقتصادية والإستراتيجية، وفي مقدمتها مأرب ومناطق الساحل الغربي. فالسيطرة على مناطق جديدة في مأرب تعني الاقتراب من مصادر الطاقة والموارد، بينما يمنح التقدم على الساحل أوراقًا إضافية مرتبطة بالموانئ والملاحة البحرية. ومن ثم، فإن التحركات الحالية قد تستهدف تحسين خريطة السيطرة قبل أي استحقاق سياسي أو ترتيبات دولية جديدة بشأن الأزمة اليمنية.
تداعيات متنوعة:
من المحتمل أن يكون للصراع الدائر في اليمن، تداعيات على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، يمكن التطرق لها على النحو التالي:
(1)- على المستوى المحلي، تتمثل تداعيات الصراع على المستوى الداخلي على النحو التالي:
- اتساع رقعة المواجهات الميدانية: تشير التحركات العسكرية في مأرب والجوف وتعز ومحور البرح والحديدة إلى أن المواجهة لم تعد محصورة في نقطة اشتباك واحدة، وإنما أصبحت مُوزَّعة على جبهات متعددة، وهو ما يزيد احتمالات انتقال التصعيد من عمليات محدودة إلى جولة أوسع إذا نجح أي طرف في تحقيق اختراق ميداني مؤثر.
- ارتفاع الخسائر البشرية والمادية: أعلنت القوات الحكومية تنفيذ عشرات العمليات والهجمات المضادة التي أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الحوثيين وتدمير أهداف عسكرية في الحديدة ومأرب، فيما أدت الهجمات الحوثية، في المقابل، إلى سقوط ضحايا في صفوف القوات الحكومية والمدنيين. ومع استمرار التصعيد، ترتفع احتمالات اتساع دائرة الخسائر، خاصة مع تزايد استخدام الطائرات المُسيّرة والقصف بعيد المدى.
- تفاقم أزمة النازحين والوضع الإنساني: يهدد القصف المتبادل واستخدام الطائرات المُسيّرة المناطق القريبة من تجمعات ومخيمات النازحين، خاصة في مأرب التي تستضيف أعدادًا كبيرة منهم. كما يمكن لاتساع المواجهات في جنوب الحديدة وتعز أن يدفع إلى موجات نزوح جديدة، بما يضاعف الأعباء الإنسانية والمعيشية في بلد يعاني بالفعل واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا.
- تعميق الانقسام الاقتصادي والمالي: تؤدي عودة المواجهات واستهداف المنشآت الاقتصادية وطرق النقل ومناطق الإنتاج إلى زيادة الضغوط على الإيرادات الحكومية وتعميق الانقسام المالي بين مناطق سيطرة الحكومة ومناطق سيطرة الحوثيين. ومن شأن استمرار هذا الوضع أن يحول الاقتصاد نفسه إلى إحدى ساحات المواجهة، بدلًا من بقائه مجرد نتيجة للصراع العسكري.
(2)- على المستوى الإقليمي، حيث تتمثل تداعيات الصراع على المستوى الإقليمي على النحو التالي:
- تعقيد مسارات الوساطة والدبلوماسية: يهدد التصعيد بتقويض الجهود الإقليمية التي قادتها السعودية وسلطنة عمان للوصول إلى خارطة طريق للسلام. فكلما اتسعت المواجهات، عادت الحسابات العسكرية والأمنية لتتقدم على الحلول الدبلوماسية، وأصبح من الصعب تثبيت التفاهمات السابقة أو البناء عليها.
- إعادة ربط الجبهة اليمنية بمحور التصعيد الإقليمي: تكشف التطورات الميدانية عن استمرار تقاطع المصالح الحوثية مع الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، خاصة مع قدرة الجماعة على استخدام التصعيد في اليمن والبحر الأحمر أداة ضغط ضمن حسابات إقليمية أوسع. وهو ما يعني أن مسار المواجهة داخل اليمن سيظل قابلًا للتأثر بمستوى التصعيد أو التهدئة بين إيران والقوى الإقليمية والدولية.
(3)- على المستوى الدولي، حيث تتمثل تداعيات الصراع على المستوى الدولي على النحو التالي:
- تعثُّر مساعي السلام: يهدد التصعيد بإضعاف جهود الأمم المتحدة وإعادة الأزمة إلى نقطة الصراع العسكري المفتوح، خاصة في ظل تحذيرات المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس جروندبرج، من مخاطر العودة إلى حرب واسعة. ويؤدي استمرار المواجهات إلى تقليص المساحة المتاحة أمام المسار السياسي، ويدفع الأطراف إلى إعطاء الأولوية لحسابات القوة على حساب التسوية.
- تهديد الملاحة البحرية ومضيق باب المندب: يمثل اقتراب العمليات العسكرية من مدينة المخا ومحاور الساحل الغربي عامل خطر بالنسبة إلى أمن باب المندب والبحر الأحمر. فأي تغيير جوهري في خريطة السيطرة على الساحل يمكن أن ينعكس على أمن الملاحة وسلاسل الإمداد وحركة السفن التجارية وناقلات الطاقة، بما يحول التطورات الداخلية اليمنية سريعًا إلى أزمة ذات تداعيات دولية.
- تفاقم الأزمة الإنسانية وزيادة موجات النزوح: يؤدي تجدُّد المعارك إلى زيادة احتمالات النزوح الداخلي وتعقيد وصول المساعدات الإنسانية، في وقت يعاني فيه الملف اليمني من تراجع التمويل الدولي المخصص للعمل الإغاثي. ومن ثم، فإن جولة عسكرية واسعة لن تقتصر نتائجها على إعادة رسم خطوط التماس، وإنما ستضيف أعباء جديدة إلى أزمة إنسانية ممتدة منذ سنوات.
- إرباك الإستراتيجية الدولية لإدارة الأزمة: يفرض التحول الميداني على القوى الدولية الفاعلة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والأمم المتحدة، التعامل مع مستويين متزامنين من التهديد: الأول يتعلق بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية، والثاني يرتبط باحتمال عودة الحرب الداخلية واسعة النطاق. ويزيد تداخل المستويين من صعوبة إدارة الأزمة؛ لأن احتواء التهديد البحري دون معالجة ديناميات الصراع داخل اليمن لن يكون كافيًا لضمان استقرار طويل المدى.
في النهاية، يمكن القول إن التحركات العسكرية في اليمن لا تكشف حتى تاريخه عن قرار واضح بالعودة إلى الحرب الشاملة، لكنها تؤكد أن حالة الهدوء التي استمرت منذ 2022 لم تتحول إلى سلام، وأن خطوط التماس لا تزال قابلة للاشتعال بمجرد تغير حسابات أحد الأطراف.