في يوم الخميس 10 سبتمبر 2026 سيطرت ميليشيا "الحوثي" على مدينة المخا، وهي موقع ساحلي استراتيجي يقع على بعد نحو 50 ميلًا شمال جزيرة بريم التي سقطت كذلك في قبضتهم في 11 سبتمبر الجاري، واستمر التقدم حتى سيطرت الميليشيا على آخر جزيرتين في محيط باب المندب وهما حنيش الكُبرى والصغرى، مما يؤثر على سلاسل الإمداد وحركة الملاحة العالمية، إذ إن مضيق باب المندب يُعد المخرج الثاني لتجارة العالم، خاصة النفط بعد تعطُّل مضيق هرمز، ورغم أن مضيق باب المندب يعتبر أقل حيوية من مضيق هرمز، إلا أنه يظل ممرًا لنقل السلع الأساسية إلى العالم، بما فيها ملايين البراميل من النفط يوميًا.
تأسيسًا على ما سبق؛ يتطرق هذا التحليل إلى التداعيات الاقتصادية للأحداث الجارية حول مضيق باب المندب، بالإضافة إلى توضيح السيناريوهات المُحتملة اقتصاديًا حول هذا الوضع.
تداعيات اقتصادية
يحمل التصعيد الحالي حول مضيق باب المندب مجموعة من التداعيات الاقتصادية، وذلك على النحو التالي:
(-) ارتفاع أسعار النفط: ترتفع درجة مرونة أسعار النفط في ظل الأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، بمعنى أن تأثُر النفط يكون سريعًا جدًا، فبمجرد تداول الأخبار التي توضح أن التوقعات المستقبلية ستكون متشائمة إلى حد كبير، ترتفع أسعار النفط، فوفقًا لشكل (1) ارتفعت أسعار النفط فوق مستوى الـ100 دولار في 9 سبتمبر 2026 في سياق التصعيد البري من قبل ميليشيا "الحوثي" على الساحل الغربي، وزحفهم باتجاه مدينة المخا والمناطق القريبة من باب المندب، وفي 10 سبتمبر مع سيطرتهم على مدينة المخا، ارتفع سعر النفط إلى 107.02 دولار، ثم انخفض إلى 105.41 دولار في 11 سبتمبر وحتى وقت كتابة التحليل، ولكن في ظل التصعيد الحالي ستشهد أسعار النفط تقلُبات مستمرة، خاصةً في ظل مخاوف تراجع الطلب والإمدادات من الدول المُنتجة.
في السياق ذاته تتمثل الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب في مرور 6.2 مليون برميل نفط ومنتجات مكررة من خلاله يوميًا، بالإضافة إلى نحو 80% من الغاز الطبيعي المُسال المتجه شمالًا إلى أوروبا، وفي عام 2023 مر خلال هذا المضيق 7.8 مليون برميل نفط يوميًا، أي 12% من إجمالي النفط المنقول بحرًا في العالم، وهو الأمر الذي يوضح أن هذا المضيق يُعتبر حيويًا بجانب مضيق هرمز في تجارة النفط.
(-) ارتفاع أسعار السلع: يُمثل ارتفاع أسعار السلع العالمية انتقالًا للتداعيات من قطاع الطاقة إلى الاقتصاد الحقيقي، فإذا طال أمد الأزمة فإن الارتفاع في أسعار السلع العالمية سيكون مُرجحًا بشكل كبير، فالأثر التراكمي للسيطرة على مضيق باب المندب بجانب التهديدات في مضيق هرمز، سيكون مُضاعفًا على حركة التجارة العالمية، فالسفن ستتجنب العبور من هذه المضائق، وسيضطرون للجوء إلى رأس الرجاء الصالح، وهو ما يعني رحلات أطول واستهلاك وقود أكثر وتكلفة تأمين أعلى، مما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة وصول السلع إلى الأسواق، خاصة السلع ذات الاعتماد المرتفع على النقل البحري والسلع كثيفة الطاقة.
(-) ارتفاع تكاليف الشحن: منذ بداية التوترات في منطقة الشرق الأوسط ارتفعت تكاليف الشحن بشكل حاد، ففي 10 أغسطس 2026 ارتفعت تكلفة نقل النفط من دول الخليج العربي إلى آسيا لتصل إلى 15.22 دولار للبرميل، مسجلة بذلك أعلى مستوى لها منذ عام 2005، كما ارتفع متوسط أسعار الشحن الفوري (spot rates) للحاويات المنقولة من الدول الآسيوية إلى موانئ الساحل الشرقي للولايات المتحدة بنسبة 234% مقارنة بالعام الماضي، متجاوزًا حاجز 10,200 دولار للحاوية القياسية بطول 40 قدمًا، وبالتالي مع استمرار التصعيد الحاد حول مضيق باب المندب ستشهد هذه التكاليف ارتفاعًا جديدًا يؤثر على الأسعار في العالم أجمع.
(-) ارتفاع التضخم العالمي: يحدث التضخم إما نتيجة لارتفاع حجم الطلب الاستهلاكي أو نتيجة لارتفاع التكلفة، ولكن تطور الأحداث في مضيق باب المندب قد يؤدي إلى تضخم عالمي مدفوع بارتفاع التكاليف، فالارتفاع الكبير في أسعار النفط المتوقع حدوثه في حال طالت الأزمة بشكل أكبر سيتسبب في ارتفاع تكاليف إنتاج السلع، وهو ما يؤدي إلى تضخم داخل العديد من الدول، مما يدفع البنوك المركزية إلى تشديد السياسة النقدية، بمعنى رفع أسعار الفائدة، بشكل يؤثر على حجم الاستثمارات الوافدة إليها.
(-) تأثُر قناة السويس: يُشكل مضيق باب المندب البوابة الجنوبية لقناة السويس، مما يعني أن السفن يتعين عليها المرور عبره للوصول إلى القناة من جهة الجنوب، وهو الأمر الذي من المُرجح بشكل كبير أن يعمل على انخفاض حركة مرور السفن عبر قناة السويس، وهو ما يؤثر على مورد رئيسي للاقتصاد المصري، ففي عام 2025 أشارت تقديرات مصرية إلى خسائر شهرية تقارب 800 مليون دولار خلال فترة أزمة اضطرابات البحر الأحمر.
ولكن من ناحية أخرى من المُحتمل أن تؤدي سيطرة ميليشيا "الحوثي" على باب المندب، أن تصبح قناة السويس أحد البدائل القليلة المتاحة لبعض حركة التجارة والملاحة، وهذا بدأ يظهر في عام 2026، إذ أدت اضطرابات هرمز والبحر الأحمر إلى إعادة توجيه بعض السفن نحو قناة السويس، وسجلت القناة تحسُنًا في الإيرادات خلال بعض الفترات، ولكن بالرغم من ذلك فالضرر على الملاحة في القناة سيكون أكبر من النفع.
(-) ارتفاع مؤشر الدولار الأمريكي: شهد مؤشر الدولار الأمريكي(DXY) عمليات شراء أدت إلى تعزيز قيمته، حيث تجاوز متوسطه المتحرك لـ 200 يوم، متجهًا نحو أعلى مستوياته خلال الجلسة عند مستوى 98.91 تقريبًا، وتجاوز ذلك ليُسجل 99.1، وذلك في ظل تصاعد المخاوف من التضخم المدفوع بأسعار الطاقة عقب سيطرة ميليشيا "الحوثي" على كامل الساحل الغربي لليمن المطل على مضيق باب المندب.
(-) تراجع أداء البورصات: تأثرت البورصات سلبًا بصورة إجمالية، لكن التأثير لم يكن موحدًا، فقد تراجعت بقوة البورصة الهندية، إذ انخفض مؤشرNifty 50 بنحو 0.92%، وSensex بنحو 0.84% في جلسة 11 سبتمبر، مع تراجع 15 قطاعًا من أصل 16 قطاعًا، كما شهدت الأسواق الأوروبية تقلبات، لكن بعضها ارتد في نهاية الأسبوع، فمؤشر Ibex35 الإسباني ارتفع 0.91% في جلسة يوم الجمعة، رغم أنه خسر 1.06% خلال الأسبوع، وقد ارتفع مؤشر سوق دبي المالي بنسبة 0.058%، ومن هذه الأرقام يُمكن القول إن أسهم الطاقة ستشهد انتعاشًا بالتوازي مع ارتفاع أسعار النفط، على العكس بالنسبة لباقي القطاعات.
(-) ارتفاع نسبي في سعر الذهب: انعكست التطورات في مضيق باب المندب والبحر الأحمر على سوق الذهب من خلال زيادة الطلب على الأصول الآمنة، في ظل ارتفاع مخاطر اضطراب التجارة والطاقة عالميًا، فقد ارتفع سعر أونصة الذهب إلى نحو 4346.9 دولار حتى وقت كتابة التحليل، بالمقارنة بـ 4326 دولارًا في 10 سبتمبر 2026، إلا أن صعود عوائد السندات الأمريكية وتزايد توقعات رفع أسعار الفائدة حدّا من مكاسب الذهب، ليظل اتجاهه محكومًا بالتوازن بين المخاطر الجيوسياسية والسياسة النقدية الأمريكية.
سيناريوهات مستقبلية
إن تطور الأحداث في منطقة الشرق الأوسط ينطوي على عدد من السيناريوهات، وذلك وفقًا للتالي:
(*) تثبيت السيطرة على المناطق المحيطة بباب المندب: يفترض هذا السيناريو أن تعمل ميليشيا "الحوثي" على تحويل سيطرتها على كامل الساحل الغربي اليمني إلى منطقة ارتكاز استراتيجية، ومن ثم التقدم جنوبًا إلى منطقة ذو باب، وهو ما حدث بالفعل، فقد تقدموا أيضًا إلى جزيرة ميون الواقعة وسط مضيق باب المندب، بعد انسحاب القوات الحكومية منها، وهو ما سيكون ورقة ضغط إيرانية على الجانب الأمريكي مقابل الحصار الاقتصادي العنيف عليها.
(*) السيطرة الفعلية على مضيق باب المندب: يُعد هذا السيناريو هو الأكثر خطورة إقليميًا ودوليًا، فالسيطرة لا تعني بالضرورة غلق المضيق رسميًا، وإنما من الممكن أن تعني أن تمتلك ميليشيا "الحوثي" قدرة عسكرية أكبر تجعل السفن التجارية تشعر بمخاطر جدية لاستهدافها، وهو ما سيكون بمثابة شل لحركة التجارة العالمية، وبالتالي فهذا السيناريو سيكون آلية تحويل السيطرة العسكرية إلى أزمة اقتصادية عالمية.
(*) احتمالية التدخل الدولي: إن سيناريو التدخل الدولي، خاصة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، من المُرجح بشكل كبير في حالة امتداد سيطرة الحوثي من مضيق باب المندب إلى خليج عدن واستهدافها للسفن المارة؛ لأن ذلك يعني أنها لن تتراجع عن التصعيد الذي تقوم به، وما يؤكد ذلك توجه قائد القيادة المركزية الأمريكية إلى السعودية في 11 سبتمبر 2026؛ للتنسيق بشأن تقدُم ميليشيا "الحوثي" في المعارك، وهو الأمر الذي يجعل من المُحتمل أن نرى تدخلًا أمريكيًا دوليًا؛ لكبح تحركات الحوثي الحالية في حال تصاعدها بشكل أكبر.
في النهاية يُمكن القول إن تقدم ميليشيا "الحوثي" نحو مضيق باب المندب يحمل اشتعالًا كبيرًا للأحداث في منطقة الشرق الأوسط والتي تنتقل آثارها بشكل فوري إلى الاقتصاد العالمي، في صورة ارتفاع أسعار النفط وأسعار السلع العالمية، فمضيق باب المندب هو أحد أهم الممرات البحرية في المنطقة نظرًا لكونه يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وبالتالي فإن اضطراب الأوضاع فيه على نحو متسارع يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، وارتفاع مخاطر الملاحة والتأمين، وهو الأمر الذي يُحدث اضطرابًا كبيرًا في الاقتصاد العالمي، بالأخص اقتصاديات المنطقة التي ستُعاني من أزمات عدة في حالة عدم استقرار الأوضاع.