أسدل الاتحاد الأوروبي والصين الستار على يومين من المفاوضات المكوكية في بكين بإعلان تفاهم مفاجئ يُلجم صادرات السيارات الهجينة الصينية نحو أوروبا، في خطوة وصفتها صحيفة نيويورك تايمز بأنها أبعدت شبح حرب تجارية وشيكة كانت تتهدد العلاقات بين الجانبين، في حين أن الاتفاق الذي رعاه مفوض التجارة الأوروبي ماروس شيفتشوفيتش، ينطوي على تخفيض صادرات السيارات الهجينة الصينية بأكثر من النصف، خلال أربع سنوات، لكنه في الوقت ذاته قد يُعيد رسم مستقبل الصناعة الأوروبية بصورة لا تتوقعها بروكسل.
التهديد الأكبر
وفقًا لما رصدته نيويورك تايمز، أعلن شيفتشوفيتش أن التفاهم سيحول دون دخول "ملايين السيارات الصينية" إلى السوق الأوروبية في السنوات الأربع المقبلة، مستندًا إلى تقديرات تُظهر الحجم الذي كانت ستبلغه تلك الصادرات لو تُركت دون قيود.
وتكشف الأرقام حجم المشكلة، إذ قفزت صادرات السيارات الهجينة الصينية من أقل من عشرة آلاف سيارة شهريًا إلى ما يقارب مئتي ألف في غضون ثلاث سنوات فحسب، حتى باتت تُمثل في أغسطس الماضي، واحدة من كل ثماني سيارات تُباع في دول الاتحاد.
وكان لهذا التدفق الهائل أثره المباشر على كبرى الشركات الأوروبية، إذ أعلنت فولكسفاجن خططًا لتسريح خمسين ألف عامل إضافي بنهاية العقد، فيما أغلقت مرسيدس بنز بعض مصانعها.
الألواح الشمسية تعود من جديد
ما يلفت الانتباه في هذا الاتفاق، بحسب نيويورك تايمز، هو شبهه اللافت باتفاق مماثل أبرمه الجانبان عام 2013، حين وافقت الصين على تقليص صادراتها من الألواح الشمسية مقابل تخلي أوروبا عن تعريفاتها الجمركية.
آنذاك، أتاح تقييد العرض لمصنعي الألواح الصينيين رفع أسعارهم وتحقيق أرباح طائلة، أعادوا ضخها في مصانع جديدة وأبحاث متقدمة، حتى باتت الصين اليوم تُنتج ما يقارب كامل الإنتاج العالمي من الألواح الشمسية.
وحين واجه صحفيون، شيفتشوفيتش بهذه المقارنة، أقر بالتشابه لكنه دافع عن الاتفاق بالقول إن "الرأي العام والقادة يتوقعون تحركًا سريعًا جدًا"، مضيفًا أن الشركاء الصينيين أدركوا ثقل هذه الحجة السياسية فقبلوا بالحل التفاوضي، غير أن المنتقدين يرون أن هذا المسار قد يُفضي إلى تقوية الصناعة الصينية على المدى البعيد بدلًا من كبح جماحها.
مكاسب متبادلة
لم يكن الاتفاق نزاعًا خسر فيه أحد الطرفين كل شيء، فبحسب ما أوردته بوليتيكو، قدمت بكين جملة من التنازلات لإقناع الأوروبيين، إذ وافقت على خفض رسومها الجمركية على بضائع أوروبية بقيمة أربعة مليارات يورو تشمل قطع غيار السيارات وزيت الزيتون والأحذية، بما يوفر على المُصدرين الأوروبيين ما بين 125 و225 مليون يورو سنويًا.
وعلى الصعيد الإستراتيجي، تعهدت بكين بمواصلة منح تراخيص تصدير عناصر الأرض النادرة والمغناطيسات الدائمة إلى أوروبا، بعد أن كانت قيدت تصديرها منذ أبريل 2025، ردًا على الرسوم الأمريكية، ما أجبر بعض خطوط إنتاج السيارات الأوروبية على التوقف.
في المقابل، ظلت ملفات شائكة دون حسم، في مقدمتها اشتراطات المكون المحلي الأوروبي في صناعتَي توربينات الرياح والسيارات الكهربائية، وهو ما تعارضه بكين بشدة، مستندة إلى أنها هي ذاتها ألغت قواعد مماثلة بعد سنوات من الضغوط الأوروبية.
خطوة أولى على طريق طويل
أشار شيفتشوفيتش إلى أن ما تحقق ليس سوى "خطوة أولى حاسمة في مسار إعادة التوازن"، مُلمحًا إلى جولات تفاوضية مرتقبة مطلع عام 2027، غير أن الأرقام الكبيرة تُذكر بصعوبة المهمة، فالعجز التجاري للاتحاد الأوروبي مع الصين بلغ نحو 360 مليار يورو عام 2025، وهو في ارتفاع بنسبة 12% خلال العام الجاري وحده، في حين لا تتجاوز صادرات السيارات الصينية للقارة العجوز 15 مليار يورو سنويًا، أي جزء بسيط من هذه الهوة.