الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

كيف يحمي الفلسطينيون تراثهم وذاكرتهم بعد 7 أكتوبر؟

  • مشاركة :
post-title
منذ السابع من أكتوبر، تعرّض المشهد الثقافي الفلسطيني لخسائر واسعة طالت مواقع تاريخية ومؤسسات ثقافية

القاهرة الإخبارية - محمد عبد المنعم

لم تكن الحرب في غزة معركة على الأرض وحدها، فبين الركام الذي خلّفته المعارك والغارات، بقيت هناك معركة أخرى تدور على الذاكرة والهوية؛ معركة تستهدف ما تركه الفلسطينيون من تراث يشمل كتب ومخطوطات ومبانٍ تاريخية ومكتبات ومراكز ثقافية، وما راكموه عبر عقود من فنون وحكايات وملامح تراثية تُشكّل جزءًا أساسيًا من الذاكرة الفلسطينية.

ومنذ السابع من أكتوبر، تعرّض المشهد الثقافي الفلسطيني، وفق تقارير وزارة الثقافة الفلسطينية، لخسائر واسعة طالت مواقع تاريخية ومؤسسات ثقافية ومكتبات وأرشيفات ومبدعين، فيما تقول الوزارة إن حجم الأضرار لا يقتصر على تدمير المباني، وإنما يمتد إلى محاولة الإضرار بالتراث المادي وغير المادي والهوية الثقافية الفلسطينية.

تراث تحت الركام

منذ اندلاع الحرب، بدأت طواقم وزارة الثقافة الفلسطينية في المحافظات رصد وتوثيق الأضرار التي لحقت بالمواقع والمؤسسات الثقافية في قطاع غزة، وأظهرت التقارير حجمًا كبيرًا من الدمار الذي طال المكتبات والمواقع التاريخية والفضاءات والمراكز الثقافية.

وبحسب الوزارة، فإن الخسائر لا تتعلق بالمباني وحدها، وإنما تمتد إلى الإرث الثقافي والهوية الفلسطينية، في ظل تضرر مواقع تحمل قيمة تاريخية ودينية، ومؤسسات كانت تؤدي دورًا أساسيًا في حفظ المعرفة والفنون والوثائق.

كما ترى الوزارة أن تدمير هذه المواقع يهدد الشواهد المادية التي توثق تاريخ الفلسطينيين وارتباطهم بالمكان، في وقت يصعب فيه الوصول إلى حصر نهائي للخسائر بسبب استمرار الحرب وصعوبة الوصول إلى العديد من المواقع المتضررة.

مكتبات اختفت

كان قطاع المكتبات من أكثر عناصر المشهد الثقافي تعرُّضًا للخسائر، ورصدت وزارة الثقافة الفلسطينية أضرارًا جزئية في مكتبة الجامع العمري، المعروفة باسم مكتبة الظاهر بيبرس، شملت تشققات وتدميرًا في عدد من الأرفف والأبواب الخارجية، بينما بدت الكتب والمخطوطات داخل المكتبة في حالة جيدة، مع استمرار الحاجة إلى التحقق من اكتمال محتوياتها والتأكد من عدم تعرضها للنهب.

وفي المقابل، دُمِّرَت مكتبتا منصور واليازجي بالكامل، كما تعرّض قسم الأرشيف في بلدية غزة للحريق، وهو الأرشيف الذي كان يضم وثائق يعود بعضها إلى أكثر من 150 عامًا، ما يعني فقدان جانب مهم من الوثائق التي تؤرخ لتاريخ المدينة وتطورها عبر العقود.

وامتد الضرر كذلك إلى مكتبات الجامعات، ومكتبة الكلمة، ومكتبة أبو شعبان، ومكتبات البلديات، ومكتبة مركز التخطيط التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي تضم أرشيفًا مرتبطًا بتاريخ الثورة الفلسطينية.

بيوت تحمل الذاكرة

لم تسلم المباني التاريخية من آثار الحرب، إذ وثقت وزارة الثقافة الفلسطينية أضرارًا لحقت بقبة المخطوطات القديمة التابعة لوزارة الأوقاف، إلى جانب تدمير عدد من البيوت التاريخية، من بينها بيت العلمي القديم وبيت السقا وبيت الغصين.

وتكتسب هذه المباني أهميتها من كونها لم تكن مجرد منشآت قديمة، بل ارتبط بعضها بالفعاليات الثقافية والأدبية والفنية، وكانت جزءًا من المشهد الاجتماعي والثقافي للمدينة.

كما تعرّض منزل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات للتدمير، بما كان يضمه من مكتبة ومقتنيات ذات قيمة تاريخية.

أرقام تكشف الخسائر

ووفقًا لبيان صادر عن وزارة الثقافة الفلسطينية، فقد المشهد الثقافي عددًا من المبدعين في مجالات مختلفة، ووثقت الوزارة استشهاد 41 مبدعًا حتى نهاية عام 2024.

كما رصدت أضرارًا كلية أو جزئية لحقت بـ24 مركزًا ثقافيًا، إلى جانب تضرُّر 195 مبنى تاريخيًا، من بينها 10 مساجد وكنائس، فضلًا عن تضرُّر 8 دور نشر ومطابع و3 استوديوهات وشركات للإنتاج الإعلامي والفني.

وتكشف هذه الأرقام عن حجم الخسائر التي لم تتوقف عند المؤسسات الثقافية، وإنما امتدت إلى الأشخاص الذين شكّلوا جزءًا من الحركة الثقافية الفلسطينية، وإلى الأماكن التي احتضنت الكتب والفنون والفعاليات والأرشيفات.

معركة على الرواية

ولا يبدو استهداف الثقافة منفصلًا عن الصراع على الرواية والذاكرة؛ فالمواقع التاريخية والأرشيفات والمكتبات والمقتنيات التراثية تمثل مصادر أساسية لتوثيق علاقة الفلسطينيين بالمكان وتاريخهم الممتد عبر أجيال.

ووفقًا لوزارة الثقافة الفلسطينية، تعرضت مواقع دينية وثقافية في الضفة الغربية أيضًا لتعديات وتغييرات طالت معالمها، من بينها الحرم الإبراهيمي في الخليل، إلى جانب تدمير المسجد العمري في المدينة، وعدد من المباني العثمانية القديمة.

وتشير الوزارة إلى أن هذه الاعتداءات لا تستهدف الحجر بوصفه مادة بناء فحسب، وإنما تمس القيمة التاريخية والثقافية التي يحملها المكان، وما يمثله من جزء من الذاكرة الفلسطينية.

الفن يُولَد من الحرب

ورغم كل هذا الدمار، لم يتوقف الفلسطينيون عن إنتاج الثقافة والفن، ومن قلب الحرب، ظهرت مشروعات سينمائية وفنية حاولت توثيق الحياة اليومية تحت القصف، ورصد الانتهاكات والدمار، وتحويل التجربة التي يعيشها الفلسطينيون إلى صور وأفلام وشهادات توثق ماحدث.

وتكشف هذه المشروعات عن محاولة مستمرة للحفاظ على الصوت الفلسطيني في وقت تتعرض فيه المؤسسات الثقافية ومصادر التوثيق للتدمير، فالكاميرا تتحول إلى أرشيف، والفيلم إلى شهادة، والعمل الفني إلى محاولة لحفظ ما قد يختفي من المكان.

ذاكرة تقاوم

وتؤكد وزارة الثقافة الفلسطينية أن ما جرى توثيقه حتى الآن لا يمثل بالضرورة الحصيلة النهائية للخسائر، في ظل صعوبة الوصول إلى جميع المواقع وحصر الأضرار بصورة شاملة ودقيقة.

لكن المؤكد أن الخسارة الثقافية لا تُقاس بعدد المباني المدمرة أو المكتبات التي اختفت فقط؛ فكل كتاب مفقود قد يحمل جزءًا من التاريخ، وكل أرشيف محترق قد يمحو وثائق يصعب تعويضها، وكل مبنى تاريخي يهدم يفقد المكان جزءًا من ملامحه.