"لسنا مجرد بيانات في برنامج على الكمبيوتر"، "من الثامنة صباحًا حتى السابعة مساءً.. هل نحن في مدرسة أم قيد الاحتجاز؟"، "مستقبل البلاد يعتمد على التعليم"، "شرطة أقل.. أموال أكثر للتعليم".. شعارات تصدرت مئات اللافتات التي عُلقت على بوابات المدارس الثانوية في أنحاء فرنسا خلال الأسابيع الأخيرة، بالتزامن مع اتساع حركة احتجاجية يقودها الطلاب من باريس إلى مارسيليا.
وحتى أمس الاثنين 5 أكتوبر، كانت نحو 590 مدرسة ثانوية من أصل 3700 مدرسة في مختلف أنحاء البلاد لا تزال متأثرة بالاحتجاجات.
نقص المدرسين ومخاوف المستقبل
ورغم أن مطالب الطلاب تبدو متنوعة، بدءًا من توفير ورق التواليت وصولًا إلى القلق بشأن التوجيه الجامعي والمهني، فإن شهادات طلاب من ضواحي باريس ومرسيليا وتولوز تكشف قاسمًا مشتركًا، وهو الشعور بتدهور ظروف الدراسة، والقلق بشأن المستقبل، والرغبة في أن يتم الاستماع إلى أصواتهم، بحسب صحيفة "لوموند" الفرنسية.
وفي المناطق الشعبية، ولا سيما الأحياء التي يقطنها عدد كبير من السكان من أصول مهاجرة، يقول الطلاب إن نقص المدرسين والعاملين في الرعاية الصحية، إلى جانب تدهور مباني المدارس، أصبح جزءًا من حياتهم اليومية.
وفي مدرسة "سيمون فيل" المهنية الثانوية بمدينة بانتان شمال باريس، قال كينان، البالغ 17 عامًا، إنه يشارك في الاحتجاجات للمطالبة بموارد إضافية.
وأشار الطالب إلى إغلاق دورات المياه في المدرسة بصورة متكررة، وعدم وجود ممرضة مدرسية، وعدم تعويض المعلمين الغائبين دائمًا، معتبرًا أن الدراسة في مثل هذه الظروف تثير مخاوف حقيقية بشأن المستقبل.
وأضاف أن المشكلة لا تخصه وحده، بل تمس جيلًا كاملًا من الطلاب، محذرًا من أن عدم حصول الشباب على التعليم والموارد التي يحتاجون إليها ستكون له تداعيات على مستقبل المجتمع الفرنسي.
شعور متزايد بالتهميش
ووفقًا لـ"لوموند"، يبرز الشعور بالتهميش بصورة خاصة بين طلاب المدارس المهنية، الذين يواجه كثير منهم تحديات اجتماعية وأكاديمية أكبر.
وفي مدرسة جول ميشليه المهنية بمدينة فونتيني سو بوا شرق باريس، قال كيليان، وهو طالب في الصف الحادي عشر، إنه لم يختر المسار الدراسي الذي التحق به، بعدما رُفض طلبه في مدارس كان يرغب في الالتحاق بها.
وأوضح الطالب، الذي يقطع يوميًا نحو 20 كيلومترًا من مدينة تورسي إلى مدرسته، أنه كان يرغب في دراسة مجال مرتبط بالأعمال، وربما مواصلة تعليمه للحصول على شهادة مهنية متقدمة أو الالتحاق بالجامعة.
غير أن نقص الإمكانات داخل مدرسته، بحسب روايته، يجعله يشعر بأن فرص تحقيق طموحاته محدودة، خصوصًا في ظل غياب مدرس لمادة الاقتصاد والأعمال.
التعليم يدخل قلب المعركة السياسية
ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية، امتدت الاحتجاجات إلى قضايا سياسية أوسع، خصوصًا في منطقة باريس، حيث ظهرت شعارات ترفض اليمين المتطرف.
وفي مدينة سيفران شمال باريس، رُفعت في الأول من أكتوبر أعلام فلسطينية إلى جانب الأعلام الفرنسية أمام مدرسة بليز ساندرار.
وقال محمد، أحد الطلاب المشاركين في الاحتجاج، إنه صُدم بعدما أخبره شخص بأنه ليس فرنسيًا، مؤكدًا أنه ولد في فرنسا وأن له حقوقًا مثل غيره من المواطنين. وتعكس مثل هذه المواقف دخول قضايا الهوية والسياسة والهجرة في النقاشات التي تدور داخل الحركة الطلابية، إلى جانب المطالب المرتبطة مباشرة بالتعليم.
"غلق المدارس ليس للتسلية"
ورغم اختلاف ظروف الطلاب بين المدن والضواحي والمناطق الريفية، وبين المدارس العامة والمهنية والخاصة، فإن المطالبة بالمساواة في فرص التعليم أصبحت نقطة مشتركة بينهم.
وفي تولوز، جمعت اجتماعات طلابية بين طلاب مدرستين ثانويتين، حيث قال ليو، أحد طلاب الصف النهائي، إن ظروف مدرسته جيدة نسبيًا، لكنه يشارك في الاحتجاج تضامنًا مع الحركة الوطنية.
أما زميلته كلوي، فطالبت بتقليل طول اليوم الدراسي، وتحسين ظروف الدراسة خلال فترات الامتحانات، وإجراء إصلاحات على نظام "باركورسيب" المسؤول عن إجراءات القبول في التعليم العالي.
ويرى طلاب آخرون أن نظام التقييم المستمر يفرض ضغوطًا إضافية عليهم، مطالبين بإجراء التقييمات بصورة أكثر عدالة وتقليل تأثير الخلفية الاجتماعية للطالب عليها.
وفي ليون، قالت بليسين، وهي طالبة في الصف النهائي، إن المشاركة في الاحتجاجات ليست بهدف تعطيل الدراسة لمجرد التعطيل، وإنما لإظهار وحدة الطلاب والمطالبة بالاستماع إليهم.
وأشارت إلى طول أيام الدراسة، التي تمتد في بعض الحالات من الثامنة صباحًا حتى السادسة مساءً، إضافة إلى الوقت الطويل الذي يقضيه بعض الطلاب في التنقل من الضواحي إلى مدارسهم.
المدارس الخاصة في قلب الأزمة
ولم تقتصر الحركة على المدارس التي تعاني ظروفًا صعبة، بل امتدت أيضًا إلى مدارس لم تكن معتادة على الاحتجاجات.
وفي مرسيليا، شاركت إيفا ولينا، وهما طالبتان تبلغان 16 عامًا في مدرسة كاثوليكية خاصة، في أول احتجاج لهما.
وقالتا إن من أبرز مطالبهما خفض أعداد الطلاب داخل الفصول، وتوفير تكييف في المدارس، وإعادة النظر في نظام "باركورسيب"، إلى جانب إجراء إصلاح شامل لطريقة إدارة التعليم في فرنسا.
وأوضحتا أن والديهما يدعمان مشاركتهما، رغم مخاوفهما من تداعيات إغلاق المدارس والاحتجاجات.
إغلاق مئات المدارس وتصاعد التوتر
وخلال يومي الجمعة والاثنين، أُغلقت أو تعطلت الدراسة فيما بين 400 و500 مدرسة، أحيانًا بسبب أضرار لحقت بالمباني، وأحيانًا لمنع تجمعات طلابية بالقرب منها.
وفي بعض المدارس بمدينة ليون وضواحيها، تمكن طلاب من الدخول رغم قرارات الإغلاق، مؤكدين تمسكهم بمواصلة الاحتجاج "حتى يتم الاستماع إليهم".
وقال أحد الطلاب إنهم لا يرون مستقبلًا مشرقًا أمامهم، فيما شدد آخر على أن المحتجين لا يريدون تدمير الممتلكات، وإنما يريدون إيصال مطالبهم.
انتقادات للعنف وتدخل الشرطة
وفي الوقت نفسه، أعرب الطلاب الذين تحدثوا إلى صحيفة "لوموند" عن رفضهم لأعمال العنف وتخريب الممتلكات التي رافقت بعض عمليات إغلاق المدارس، لكنهم انتقدوا أيضًا طريقة تعامل الشرطة مع الاحتجاجات، خصوصًا بعد إصابة طلاب خلال تدخلات أمنية في عدد من الضواحي.
ووفق المعطيات الواردة في التقرير، فُتحت 10 تحقيقات من جانب الهيئة العامة للتفتيش التابعة للشرطة الوطنية للتحقيق في شبهات تتعلق بسلوك أفراد الشرطة.
وقال طالب يدعى نولان إن مشاهد العنف ضد الطلاب تمثل أمرًا غير أخلاقي، مطالبًا بمحاسبة أفراد الشرطة المتورطين.
وبحسب الأرقام المذكورة، جرى توقيف أكثر من 6 آلاف شخص منذ بداية الحركة الاحتجاجية، بينهم نحو 5 آلاف وُضعوا قيد الاحتجاز لدى الشرطة، ومن بينهم نحو 4400 قاصر.