الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

ميرز في مواجهة "حرب الظل".. استخبارات ألمانيا تحذر من التصعيد الروسي

  • مشاركة :
post-title
المستشار الألماني فريدريش ميرز

القاهرة الإخبارية - أحمد أنور

حذّر رئيس جهاز المخابرات الخارجية الألماني من أن بلاده أصبحت معرضة لخطر متزايد يتمثل في الانجرار إلى صراع عنيف مع روسيا، بعدما صعّد الكرملين ما وصفته برلين بـ"حرب الظل" ضد ألمانيا ودول أوروبية أخرى، بالتزامن مع استمرار الحرب الأوكرانية وتصاعد الهجمات الروسية على البنية التحتية والمنشآت المدنية، ما أثار مخاوف من انتقال المواجهة تدريجيًا من الأراضي الأوكرانية إلى دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي.

وقال رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني"BND"، مارتن ياجر، أمام أعضاء البرلمان إن المواجهة مع روسيا دخلت "مرحلة جديدة وأكثر خطورة"، محذرًا من أن ألمانيا قد تنجر إلى صراع عنيف.

وأشار إلى محاولة استهداف طائرة شحن أوكرانية في مطار لايبزيج في أغسطس الماضي باعتبارها أحد الأمثلة على تصاعد التهديدات، مؤكدًا أن موسكو أصبحت تعتبر ألمانيا عقبة رئيسية أمام تمدد نفوذها في أوروبا، بحسب بوليتيكو.

تهديد متصاعد

أوضح "ياجر" أن أجهزة الاستخبارات الروسية تنفذ عمليات بصورة "احترافية ووحشية"، وأن خطر الهجمات ضد أهداف داخل ألمانيا لا يزال "حقيقيًا وقائمًا"، في وقت تتهم فيه السلطات الألمانية موسكو بالوقوف وراء حملة متزايدة من الهجمات الهجينة التي تشمل الطائرات المسيّرة والهجمات الإلكترونية وأعمال التخريب، وهي أنشطة يصعب في بعض الأحيان تحديد حدودها بدقة بين العمل الاستخباراتي والعدوان المباشر.

وأضاف أن روسيا تسعى إلى ضمان عدم اتخاذ برلين وعواصم أوروبية أخرى قرارات سياسية تتعارض مع مصالح موسكو، معتبرًا أن ما يجري يمثل نوعًا من المواجهة التي لا تنطبق عليها التصنيفات العسكرية والقانونية التقليدية، لأن الدول الأوروبية ليست في حالة حرب معلنة مع روسيا، لكنها تتعرض في الوقت نفسه لهجمات وعمليات ضغط تستهدف أمنها وبنيتها التحتية ومواقفها السياسية.

وأشار رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني إلى أن الدعم الذي تقدمه ألمانيا لأوكرانيا ودول البلطيق جعل برلين هدفًا رئيسيًا للتحركات الروسية، في ظل رفض الحكومة الألمانية التراجع عن دعم كييف، وتأكيد المستشار فريدريش ميرز أن بلاده ستواصل مساندة أوكرانيا وتعزيز قدراتها الدفاعية، رغم الضغوط السياسية الداخلية وتصاعد نفوذ حزب البديل من أجل ألمانيا.

حرب الظل

ربط "ياجر" التصعيد الروسي بما وصفه بمحاولة موسكو الضغط على الدول الأوروبية لإضعاف دعمها لأوكرانيا، مشيرًا إلى أن الكرملين يستخدم أدوات متعددة لا تصل في كل مرة إلى مستوى الحرب التقليدية، لكنها تهدف إلى اختبار قدرة الدول الأوروبية على الرد، وإثارة الخلافات الداخلية، وزيادة تكلفة دعم كييف.

وشملت تلك التحركات، وفق المسؤول الألماني، أنشطة تستهدف منشآت حيوية وأهدافًا مدنية، إلى جانب عمليات إلكترونية وطائرات مسيّرة، فيما حذرت أجهزة أمنية أوروبية خلال الأشهر الماضية من اتساع نطاق الهجمات المنسوبة إلى روسيا، وهو ما دفع عددًا من الحكومات إلى رفع مستوى الحماية حول المطارات والمنشآت العسكرية وشبكات الطاقة والنقل.

ولفت رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني مارتن ياجر إلى أن الخطر لا يقتصر على هجوم واسع النطاق، إذ قد تلجأ روسيا إلى عمليات أصغر حجمًا وأكثر محدودية بهدف اختبار رد فعل حلف شمال الأطلسي من دون الدخول مباشرة في حرب شاملة، وهو السيناريو الذي يجعل أوروبا أمام معضلة تتعلق بكيفية الرد على هجمات تقع في المنطقة الرمادية بين السلم والحرب.

خطر التمدد

حذّر "ياجر" من أن الحرب الأوكرانية تدخل في واحدة من أخطر مراحلها، مع توقع تصعيد روسي خلال الشتاء المقبل، مشيرًا إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين يواجه ضغوطًا داخلية متزايدة لإظهار تقدم عسكري يمكن أن يبرر الخسائر البشرية والاقتصادية الهائلة التي تكبدتها روسيا منذ بدء الحرب.

وقال إن بوتين وصل إلى مرحلة لم يعد من السهل فيها التراجع عن الحرب من دون تعريض مكانته السياسية وقاعدته الداخلية للخطر، ولذلك فإنه يحتاج إلى تحقيق مكاسب عسكرية يمكن تقديمها داخل روسيا باعتبارها دليلًا على نجاح الحرب، وهو ما قد يدفعه إلى زيادة وتيرة العمليات ضد أوكرانيا خلال الأشهر المقبلة.

وأفاد رئيس الاستخبارات الألمانية بأن برلين لا ترى في الوقت الحالي دليلًا على استعداد روسيا لشن هجوم واسع النطاق على إحدى دول حلف الناتو، لكنه أكد في المقابل أن تنفيذ عمليات محددة وأصغر حجمًا يمثل احتمالًا قائمًا، مستعيدًا نموذج "الرجال الخضر الصغار" الذين استخدمتهم موسكو في السيطرة على مواقع استراتيجية في شبه جزيرة القرم عام 2014.

وأوضح أن هذا النوع من العمليات يمكن أن يبدأ بعناصر مسلحة أو قوات غير معلنة الهوية، ثم يتطور وفق رد فعل الطرف الآخر، ما يسمح لروسيا بالمناورة واختبار ردود الفعل من دون الإعلان منذ البداية عن دخولها في مواجهة عسكرية مباشرة مع دولة عضو في الناتو.

موقف ميرز

جاءت تحذيرات ياجر بعد أيام من زيارة فريدريش ميرز إلى العاصمة الأوكرانية كييف، حيث حاول المستشار الألماني التأكيد على استمرار الدعم الألماني لأوكرانيا في مواجهة روسيا، في وقت يواجه فيه حكومته ضغوطًا داخلية متزايدة بعد النتائج القوية التي حققها حزب البديل من أجل ألمانيا في الانتخابات الإقليمية الأخيرة.

وأكد ميرز خلال زيارته إلى كييف أنه لا يزال متمسكًا بموقفه الداعم لأوكرانيا، ووجه رسالة مباشرة إلى بوتين قائلًا: "يا سيد بوتين، ضع حدًا لهذه الحرب العبثية"، في عبارة استلهمت خطاب الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان الشهير أمام جدار برلين عام 1987، بينما سعى ميرز من خلال الزيارة إلى إظهار أن الأزمات السياسية الداخلية في ألمانيا لن تدفع حكومته إلى التخلي عن سياستها تجاه روسيا.

وكشفت التصريحات الألمانية الأخيرة أن برلين باتت تتعامل مع التهديد الروسي على أنه يتجاوز نطاق الحرب داخل أوكرانيا، إذ تشارك ألمانيا في تقديم الدعم العسكري والمالي لكييف، وتستضيف قوات أمريكية وقوات تابعة للناتو، كما تعمل على تعزيز قدراتها الدفاعية تحسبًا لاحتمال توسع المواجهة في أوروبا.

وأكدت التطورات في المقابل أن هامش المناورة أمام الحكومات الأوروبية أصبح أكثر ضيقًا، فالتعامل مع عمليات التخريب والهجمات السيبرانية والطائرات المسيّرة يتطلب الردع من دون التسبب في مواجهة مباشرة، بينما يمكن أن يؤدي تجاهل تلك العمليات إلى تشجيع موسكو على اختبار حدود الرد الأوروبي بصورة أكبر.

وأظهرت تحذيرات رئيس الاستخبارات الخارجية الألمانية أن الخطر الذي تواجهه برلين لم يعد يُنظر إليه باعتباره احتمالًا بعيدًا مرتبطًا فقط باندلاع حرب مستقبلية بين روسيا وحلف الناتو، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بسلسلة من العمليات المحدودة والهجينة التي يمكن أن تتطور بصورة غير محسوبة، في وقت تسعى فيه ألمانيا إلى حماية بنيتها التحتية والحفاظ على دعمها لأوكرانيا من دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية واسعة مع موسكو.