الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

رسائل دورية انعقاد منتدى العلمين إفريقيا

  • مشاركة :
post-title
منتدى العلمين إفريقيا للأعمال 2026

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

تأتى استضافة مصر للنسخة الأولى من منتدى العلمين إفريقيا للأعمال، والتي افتتحت 2 أكتوبر 2026 بمدينة العلمين الجديدة، دليلًا صريحًا على الدور القومي لمصر في المنطقة، وهو المنتدى الذي جاء ثمرة لمبادرة مصرية أقرها الاتحاد الإفريقي، تعقد كل عامين وبشكل دوري في العلمين، وذلك بتنظيم مشترك بين الحكومة المصرية، ومفوضية الاتحاد الإفريقي، ووكالة الاتحاد الإفريقي للتنمية (أودا- نيبادا)، والبنك الإفريقي للتصدير والاستيراد.

وقد جاء انعقاد المنتدى بعد مرور ما يقرب من 6 أشهر على صدور قرار قمة الاتحاد الإفريقي في فبراير 2026، بشأن عقد منتدى للأعمال كل سنتين في مصر اعتبارًا من عام 2026، لإشراك القطاع الخاص الإفريقي وتعزيز التعاون دعمًا لأجندة 2063، وقد طُلِب من وكالة الاتحاد الإفريقي للتنمية تيسير تنظيم المنتدى بالتعاون مع أصحاب المصلحة المعنيين، بما في ذلك المصارف الإفريقية متعددة الأطراف للتنمية والمؤسسات المالية الإفريقية.

ويكتسب انعقاد المنتدى في مصر في هذا التوقيت أهميته من عدة أوجه:

أولها أهمية القارة الإفريقية بالنسبة لمصر باعتبار أنها أحد أهم دوائر السياسة الخارجية، لا سيما وأنها ترتبط بمحددات الأمن القومي المصري، وفي مقدمتها الأمن المائي.

وثانيها أن المنتدى يعقد بالتزامن مع انعقاد الدورة الثامنة لاجتماع القمة الإفريقي لمنتصف العام للاتحاد الإفريقي في 4 أكتوبر 2026، بمشاركة رؤساء دول وحكومات، وممثلي الدول ومفوضية الاتحاد الإفريقي ورؤساء التجمعات الإقليمية الثمانية الإفريقية.

وثالثه، أن انعقاد المنتدى يتزامن مع مرور ربع قرن على إطلاق مبادرة الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا "النيباد"، والتي انطلقت منذ عام 2021، وأضحت الذراع التنفيذية للاتحاد الإفريقي في ترجمة أهداف أجندة إفريقيا 2063 إلى برامج ومشروعات تنموية. 

ورابعها، أن هناك آمالًا معقودة على أن يتحول منتدى العلمين إفريقيا للأعمال إلى دافوس إفريقيا، ليصبح منصة دولية تتمكن من حشد الموارد وبناء الشراكات الاقتصادية المستدامة العابرة للحدود، وذلك من خلال الترويج للفرص الاستثمارية الإفريقية في ظل ما تزخر به القارة السمراء من موارد.

وخامسها: دورية انعقاد المنتدى، فإدراكًا للدور المحوري للقطاع الخاص حرصت مصر على إطلاق منتدى العلمين إفريقيا للأعمال ليكون منصة دورية تجمع قادة وصناع القرار بالمستثمرين والمؤسسات التمويلية في القارة الإفريقية.

تأسيسًا على ما سبق يثار تساؤل مركزي حول رسائل انعقاد منتدى العلمين إفريقيا في نسخته الأولي بالتزامن مع العديد من الفعاليات الإفريقية الأخرى مثل قمة منتصف الاتحاد الإفريقي، وقمة النيباد بمناسبة مرور 25 عامًا على تأسيسها في يوليو 2001، وماهية التحديات التي تواجه ترجمة تلك الرسائل، وما تضمنه إعلان العلمين من مقترحات تنفيذية لواجهة تلك التحديات.

رسائل متنوعة

يعكس انعقاد منتدى العلمين إفريقيا، العديد من الرسائل، والتي يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

(-) محورية الدائرة الإفريقية: يعكس انعقاد المنتدى كل عامين وبشكل دوري في مدينة العلمين المصرية محورية الدائرة الإفريقية في توجهات السياسة الخارجية المصرية، وهو الاهتمام الذي انعكس فيما تضمنه الكتاب الأبيض الصادر عن وزارة الخارجية المصرية ديسمبر 2025 بعنوان "الاتزان الإستراتيجي.. ملامح من السياسة الخارجية المصرية في 10 سنوات"، والذي أشار إلى أن البعد الإفريقي يعد أحد الأبعاد المركزية في إستراتيجية الأمن القومي المصري، وأن السياسة الخارجية المصرية تجاه إفريقيا واجهت العديد من التحديات، إذ جاءت الاستجابة المصرية لها عبر التحرك على ثلاثة محاور أساسية.

وقد تَمثَّل المحور الأول في العودة إلى الاتحاد الإفريقي، ليس فقط من خلال إنهاء تجميد الأنشطة، بل عبر استعادة الدور القيادي لمصر داخل الاتحاد، وهو ما تُوّج بتولي مصر رئاسة الاتحاد الإفريقي عام 2019، وذلك لأول مرة منذ تأسيسه، وبعد 26 عامًا من آخر مرة ترأست فيها مصر منظمة الوحدة الإفريقية قبل تطويرها وتغيير اسمها إلى الاتحاد الإفريقي. أما المحور الثاني، فتَمثَّل في إعادة تأسيس الدور المصري النشط في إفريقيا على أسس من الشراكة التنموية "دبلوماسية الشراكة من أجل التنمية مع إفريقيا" وتعزيز العلاقات الثنائية السياسية والاقتصادية، وتقديم مقترحات عملية للتعاون الفني والتجاري والاستثماري، إلى جانب توسيع مساحات التفاهم والمصالح المشتركة مع الدول الإفريقية ودعم التجارة البينية، فيما ركز المحور الثالث على بلورة سياسة مائية مصرية تقوم على المزج بين التعاون التنموي والمائي مع دول حوض النيل، مع التمسك الكامل بحقوق مصر المائية، والتركيز على المصالح المشتركة والشراكات التنموية المتكافئة.

وتماشيًا مع كون مصر مركز اقليمي للسياسات الإفريقية، فإن القاهرة تستضيف عددًا من المقرات الرئيسية للمنظمات الإفريقية، مما جعلها مركزًا إقليميًا لصياغة السياسات الإفريقية وتعزيز التعاون بين دول القارة، وأبرزها: الوفد الدائم للاتحاد الإفريقي لدى جامعة الدول العربية، ومركز الاتحاد الإفريقي لإعادة الإعمار والتنمية بعد النزاعات، ووكالة الفضاء الإفريقية، ومركز التميز الإفريقي للمرونة والتكيف مع المناخ والوكالة الإقليمية للاستثمار التابعة للكوميسا، والبنك الإفريقي للتصدير والاستيراد.

(-) مرور ربع قرن على إطلاق النيباد: تزامن انعقاد منتدى العلمين إفريقيا للأعمال مع مرور ما يقرب من ربع قرن على تأسيس وإطلاق النيباد في يوليو 2001، ومسمى النيباد (NEPAD) هو اختصار لـمصطلح "الشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا" (New Partnership for Africa's Development)، وهي المبادرة والرؤية التنموية الاقتصادية والاجتماعية للاتحاد الإفريقي. وقد ترأس الرئيس عبد الفتاح السيسي أعمال قمة الدول المؤسسة لوكالة الاتحاد الإفريقي (أودا –نيباد). برئاسة مشتركة مع رئيس أنجولا رئيس اللجنة التوجيهية لرؤساء الدول والحكومات للوكالة. وهي مصر والجزائر ونيجيريا والسنغال وجنوب إفريقيا، فضلًا عن رئيس بوروندي بصفته الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي، وممثلي مفوضية الاتحاد الإفريقي، والمديرة التنفيذية لوكالة أودا- نيباد. وذلك وفقًا لبيان المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية السفير محمد الشناوي.

وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي تولى رئاسة اللجنة التوجيهية لرؤساء دول وحكومات الوكالة الإفريقية للتنمية (النيباد) في فبراير 2024. وتمثلت أهم الانجازات في إطلاق خطة اللجنة التوجيهية في الانتهاء من تقييم الخطة العشرية الأولى والثانية عبر برامج ومبادرات إقليمية ووطنية. كما أطلقت الوكالة مبادرة "فريق إفريقيا" لحشد التمويل اللازم لتمويل نحو 300 مشروعًا، بالإضافة إلى استمرار مشروعات وبرامج الوكالة في مجالات الزراعة والأمن الغذائي، قاريًا والتحول الصناعي والصحة والبيئة، وتمكين الشباب والمرأة، والعلوم والتكنولوجيا.

(-) التكامل التنموي الإفريقي: يعكس انعقاد منتدى العلمين إفريقيا للأعمال أهمية ومحورية التكامل التنموي الإفريقي، الذى يعد أحد أدوات إحلال السلام والتنمية الإفريقية في ظل وجود العديد من المؤسسات والتجمعات الاقتصادية الإفريقية التنموية سواء على مستوى أقاليم القارة الإفريقية أو على مستوى التكامل التنموي من خلال الاتحاد الإفريقي، بما يكفل تعزيز المصالح المشتركة لدول القارة وجعل الحدود بمثابة جسور للتعاون في ظل تنامي التوترات الجيوسياسية، والنزاعات والجريمة المنظمة العابرة للحدود، والتطرف والإرهاب، واضطراب سلاسل الإمداد والتمويل وارتفاع تكلفة الغذاء والطاقة والتمويل. وهو ما يُمثل ضغوطًا على الدول الإفريقية تفوق قدرة أي دولة على مواجهتها منفردة بما يتطلب تكامل القدرات وصناعة المستقبل بالجهود الإفريقية المشترك. لذلك فإن تفعيل منظمة التجارة الحرة القارية الإفريقية التى دخلت عام 2019 خلال الرئاسة المصرية للاتحاد الإفريقي سيسهم فى دعم التجارة البينية وتنميتها فى ظل ما تعانيه الدول الإفريقية من محدودية الانتاج والتصنيع، وضعف الاستثمار فى الطرق والبنية الرقمية، والذي ينعكس بدوره على التكامل التنموي بينها.

(-) تعزيز الشراكات العالمية مع إفريقيا: تأتى مشاركة ممثلي مجتمع الأعمال والمؤسسات الاقتصادية لتجعل من تدشين المنتدى منصة إفريقية نحو العالمية فيما يتعلق بالترويج للفرص الاستثمارية في العديد من المجالات منها ما يتعلق بالاستثمار في البنية التحتية، ومجالات الأمن الغذائي، والبيئي والتكنولوجيا الحديثة، والذكاء الاصطناعي، والتصنيع، والموانئ، فضلًا عن محورية الاستثمار في استقرار إفريقيا بشكل عام وتنميتها، لاسيما وأن إفريقيا تشرُف على العديد من الممرات الدولية التي تتحكم في امدادات الطاقة من مناطق الإنتاج إلى الدول الغربية والآسيوية، ومنها على سبيل المثال مصر تطُل على قناة السويس والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، وهي الممر الأهم الذي يربط بين آسيا وأوروبا، وجيبوتي تطل على مضيق باب المندب وخليج عدن، وتعد قاعدة إستراتيجية لمراقبة الملاحة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، وإريتريا تطل على ساحل البحر الأحمر المواجه لممر باب المندب الإستراتيجي، أما المغرب فيطل على مضيق جبل طارق الذي يربط البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي. لذلك فإن الاستثمارات في استقرار إفريقيا هو استقرارًا للعالم.

(-) إفريقيا مستقبل العالم: يعكس انعقاد منتدى العلمين إفريقيا للأعمال رسالة محورية مفادها أن إفريقيا مستقبل العالم، من خلال بحث سبل تعزيز العمل الإفريقي المشترك ودفع جهود التنمية والتكامل القاري. وهو التوصيف الذي ذكره الرئيس الأمريكي السابق "جو بايدن" خلال استضافته للقمة الأمريكية الإفريقية؛ لوصف واقع ومستقبل القارة السمراء لما تزخر بها من موارد طبيعية وبشرية هائلة. هذا التوصيف يتماشى مع اتجاه القوى الكبرى لعقد شراكات اقتصادية وتنموية مع دول القارة سواء بشكل منفرد أو من خلال شراكة إستراتيجية مع الاتحاد الإفريقي.

من هنا جاءت القمم لتتوالى على إفريقيا ومنها القمة الامريكية الإفريقية، والقمة الروسية الإفريقية، والقمة الصينية الإفريقية، والقمة الاوروبية الإفريقية، والقمة الفرنسية الإفريقية، والقمة الإفريقية البريطانية، والقمة الإفريقية الألمانية. وغيرها. ويعكس هذا الزخم الدولي للتعاون مع دول القارة الإفريقية ما تمتلكه القارة من موارد ضخمة فهي قارة شابة.، يغلب على سكانها الطابع الشبابي، كما تحتل إفريقيا المرتبة الأولى عالميًا في إنتاج واحتياطي العديد من المعادن النفيسة والإستراتيجية مثل الذهب، والماس، والبلاتين، والكوبالت. كما تحتل المرتبة الأولى عالميًا في إنتاج الكاكاو. إذا يتركز في مناطق غرب إفريقيا مثل كوت ديفوار وغانا. ويوجد بها ما يقرب من 8% من احتياطيات الغاز الطبيعي للأرض، وثلث الاحتياطيات المعدنية العالمية، وعُشر احتياطيات النفط العالمية. أيضًا، يوجد أكثر من ثلثي الأراضي الصالحة للزراعة في العالم وثلث الغابات المطيرة الاستوائية التي تخزن ثاني أكسيد الكربون في العالم في إفريقيا.

(-) العلمين وصناعة المستقبل: تمتلك مدينة العلمين قصة تحول استثنائي من ذاكرة التاريخ الى صناعة المستقبل، كنموذج فريد لمدينة مصرية إفريقية حديثة تجمع بين التنمية المستدامة والاستثمار والسياحة، والمعرفة لتفتح افاق جديدة بين إفريقيا والعالم، لقد اضحت مدينة العلمين الجديدة مدينة تجمع بين مقومات الاستثمار والمعرفة بعد أن اصبحت نموذج لما يُمكن أن تصنعه الإرادة وانتصار التنمية على الصراع. فالعلمين كانت إحدى ساحات المواجهة خلال الحرب العالمية الثانية، وبفضل الإرادة المصرية تحولت لتصبح ساحة تجمع العديد من الفعاليات الاقليمية والدولية التى تعلى من قيم التعاون وتحويل التحديات إلى فرص يمكن البناء عليها للنهوض والتنمية.

مجمل القول يحمل انعقاد منتدى العلمين إفريقيا في نسخته الأولي العديد من الرسائل التي تعزز من السلام والتنمية والاستقرار في إفريقيا، إذ تعد القارة مستقبل العالم بما تمتلكه من مقومات بشرية وطبيعية تحتاج لتوظيفها لتحقيق التكامل التنموي الإفريقي من خلال تعزيز السوق، كما أنها تعطى الجميع الحق في التنمية المستدامة، وهو ما قد يتأتى من خلال التفعيل الكامل لاتفاقية التجارة الحرة الإفريقية. وهو ما يعنى أن هذا التكامل التنموي، وإن ظل دون المأمول فإن فرصه لا زالت قائمة مع حق كل دول القارة في التنمية بشرط عدم الإضرار بمصالح الدول الأخرى، وهو ما يعنى أيضا ضرورة الإدارة المستدامة للموارد المشتركة وفى مقدمتها المياه من خلال التعاون في إدارة الأنهار العابرة للحدود وفقا لمبادئ القانون الدولي الراسخة ومنها عدم التسبب في ضرر جوهري، وحق الإخطار المسبق للمشروعات، والتوارث الدولي للمعاهدات، وهي المبادئ التي تمثل اختبارًا حقيقيًا لحدود التكامل التنموي الإفريقي.