الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

بعد واقعة فلاي دبي.. كيف تحاول الشركات استبعاد الطيارين المشتبه بهم؟

  • مشاركة :
post-title
واقعة فلاي دبي - أرشيفية

القاهرة الإخبارية - أحمد أنور

أعادت حادثة الطائرة التابعة لشركة فلاي دبي، التي كانت متجهة من دبي إلى تل أبيب قبل تحويل مسارها إلى السعودية، فتح ملف أمن الطيران من زاوية مختلفة، وأثارت التساؤلات حول مدى قدرة شركات الطيران على التعامل مع التهديدات القادمة من داخل الطائرة نفسها.

وأعادت الواقعة كذلك التذكير بأن الإجراءات الأمنية التي شُددت بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 ركّزت بصورة أساسية على منع الخاطفين والإرهابيين والركاب من الوصول إلى قمرة القيادة، بينما ظل التعامل مع احتمال أن يكون مصدر الخطر أحد أفراد الطاقم أكثر تعقيدًا، إذ يمتلك الطيارون أصلًا صلاحيات واسعة وقدرة مباشرة على الوصول إلى أنظمة التحكم في الطائرة، ما يجعل الأمن الجوي قائمًا في جزء منه على الثقة بالعاملين داخل قمرة القيادة، بحسب تحليل "فايننشال تايمز".

فحص الطاقم

فرضت السلطات الأمريكية بعد هجمات 11 سبتمبر إجراءات أكثر صرامة للتحقق من خلفيات الطيارين وأفراد أطقم الطائرات، بعدما كان الاعتماد في السابق بدرجة أكبر على سجلات التوظيف والتدقيق الأساسي في تاريخ العاملين، بينما أصبحت عمليات التحقق تشمل فحوص السجل الجنائي وتقييمات المخاطر الأمنية، بهدف اكتشاف أي مؤشرات يمكن أن تجعل أحد أفراد الطاقم يمثل تهديدًا محتملًا للطيران.

وأصبحت هذه الإجراءات جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن التي تسبق السماح للطيارين وأفراد الطواقم بالعمل على الرحلات التجارية، فيما تهدف عمليات التحقق إلى تقليص احتمال تسلل أشخاص لديهم سجل جنائي خطير أو صلات بأنشطة تهدد سلامة الطيران إلى مواقع حساسة داخل شركات الطيران.

وخضعت أطقم الطائرات كذلك لإجراءات تحقق من الهوية عند دخول المطارات، إذ يستخدم أفراد الطاقم في الولايات المتحدة نقاط دخول مخصصة لهم، ما يسمح لهم بالوصول إلى مناطق أمنية ومطارات وفق ترتيبات مختلفة عن تلك المطبقة على الركاب، لكن ذلك لا يعني إعفاءهم كلياً من إجراءات التفتيش، إذ يمكن أن يخضعوا لعمليات تفتيش جسدي عشوائية تنفذها إدارة أمن النقل.

قمرة محصنة

حُصنت أبواب قمرة القيادة بصورة جذرية بعد هجمات 11 سبتمبر، بعدما أظهرت الهجمات أن السيطرة على القمرة كانت عنصرًا مركزيًا في اختطاف الطائرات واستخدامها كأسلحة، فاستُبدلت الأبواب الهشة بأخرى مصممة لتوفير حاجز قوي يصعب اختراقه، مع وضع إجراءات إضافية لتنظيم عملية الدخول والخروج من القمرة أثناء الرحلات.

وطُورت لاحقًا متطلبات أمنية إضافية للطائرات الجديدة، من بينها وجود حاجز مادي ثانوي يمكن استخدامه عندما يكون باب قمرة القيادة مفتوحًا، بهدف منع أي شخص من استغلال اللحظات التي يخرج فيها أحد الطيارين للدخول بالقوة إلى القمرة، بينما أصبحت حماية هذا الجزء من الطائرة إحدى أهم طبقات الأمن الجوي الحديث.

وأظهرت حادثة فلاي دبي في المقابل أن تحصين الباب لا يعالج بالضرورة جميع السيناريوهات، إذا كان مصدر الخطر موجودًا بالفعل داخل قمرة القيادة، إذ أشارت تقارير مرتبطة بالحادث إلى أن قائد الطائرة المصاب تمكن من فتح الباب، ما سمح لركاب بالدخول إلى القمرة والمساعدة في السيطرة على المهاجم المزعوم.

وكشفت هذه النقطة تحديدًا عن معضلة أمنية يصعب حلها، فالإجراءات المصممة لمنع شخص موجود خارج القمرة من اقتحامها تصبح أقل فاعلية عندما يكون الخطر أحد الأشخاص المصرح لهم أصلًا بدخولها، وهو ما يجعل اكتشاف السلوك المريب قبل وقوع الحادث أكثر أهمية من الاعتماد على الأبواب المحصنة وحدها.

 تدريب وتسليح

شددت سلطات الطيران الأمريكية أيضًا متطلبات التدريب الأمني لأطقم الطائرات، فأصبح الطيارون وأفراد طاقم المقصورة يخضعون لتدريبات متكررة تتضمن التعامل مع عمليات الاختطاف، والدفاع عن النفس، والاستجابة للتهديدات داخل الطائرة، بينما تحوّل التركيز منذ 11 سبتمبر من مجرد الامتثال للخاطفين إلى الاستعداد للمقاومة ومنع السيطرة على قمرة القيادة.

وأُنشئ في الولايات المتحدة أيضًا برنامج "ضباط قمرة القيادة الفيدراليين"، الذي يسمح لبعض الطيارين المؤهلين بحمل أسلحة نارية أثناء الرحلات، بهدف استخدام تلك الأسلحة في مواجهة أعمال العنف الإجرامية ومحاولات القرصنة الجوية، على أن يخضع المشاركون لشروط محددة تشمل التدريب المتخصص وإعادة التأهيل على استخدام السلاح والفحوص الطبية.

واختلف هذا النظام بصورة كبيرة عن الوضع قبل هجمات 11 سبتمبر، عندما لم يكن أفراد الأطقم يخضعون للمستوى نفسه من الفحص الأمني المطبق على الركاب، ولم يكن هناك برنامج يسمح للطيارين المؤهلين بحمل أسلحة داخل قمرة القيادة في إطار رسمي تابع للسلطات الأمريكية.

وأصبح التدريب في الوقت نفسه جزءًا من منظومة متعددة الطبقات، إذ تتكامل إجراءات فحص الخلفيات والتحقق من الهوية والأبواب المحصنة والتدريب الأمني، إلى جانب التدابير الأخرى على الأرض وفي المطارات، لتقليل فرص وقوع حادث يمكن أن يؤدي إلى فقدان السيطرة على الطائرة.

خطر داخلي

أثبتت حوادث سابقة أن وجود إجراءات أمنية صارمة لا يمكن أن يلغي تمامًا احتمال ارتكاب أحد أفراد الطاقم فعلًا متعمدًا ضد الطائرة، ففي عام 2015 أغلق مساعد قائد طائرة تابعة لشركة جيرمان وينجز باب قمرة القيادة على قائد الطائرة بعدما خرج لدخول دورة المياه، قبل أن يتسبب لاحقًا في تحطم الطائرة فوق جبال الألب الفرنسية ومقتل جميع من كانوا على متنها.

وأظهر ذلك الحادث أن الشخص الذي يمتلك أصلًا صلاحية تشغيل الطائرة والدخول إلى قمرة القيادة يمكن أن يمثل تحديًا أمنيًا مختلفًا تمامًا عن الخاطف التقليدي، لأن من الصعب بناء نظام يمنع الطيار من الوصول إلى الأنظمة التي يحتاج إليها لأداء عمله من دون تعطيل التشغيل الطبيعي للطائرة.

وأعاد حادث "فلاي دبي" طرح المعضلة نفسها، إذ أشارت الروايات المتداولة إلى أن الخطر نشأ داخل قمرة القيادة وأن الركاب اضطروا إلى التدخل بعد اندلاع اشتباك بين الطيارين، بينما أصبحت الطائرة في الوقت نفسه مضطرة إلى تغيير مسارها والهبوط في السعودية، وسط إجراءات أمنية إسرائيلية مكثفة.

وأظهرت هذه الوقائع أن طبقات الأمن الحديثة، رغم تطورها الكبير خلال السنوات الماضية، لا تستطيع إلغاء عنصر الثقة البشرية بصورة كاملة، لأن الطيار يحتاج بالضرورة إلى صلاحيات واسعة لإدارة الطائرة، فيما لا تزال بعض السيناريوهات، خصوصًا تلك التي يكون فيها مصدر الخطر أحد أفراد الطاقم، صعبة المعالجة من الناحية التقنية والعملية.