على الرغم من الدعم الكبير الذي تقدمه الإدارة الأمريكية لإسرائيل، فإن الشعب الأمريكي يقف على النقيض تمامًا، إذ قرر مواجهة ما يصفه منتقدون بالممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين يوميًا في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولكن على طريقته الخاصة.
وكان قطاع الفنون والترفيه والثقافة الأمريكي أحد أبرز القطاعات التي واجهت الممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، إذ وُضع فنانون يهود وإسرائيليون على القائمة السوداء، وتعرض بعضهم للإقصاء والتهميش تدريجيًا، وفقًا لتقارير تناولت ما وصفته باستبعاد الأصوات اليهودية والإسرائيلية من الحياة الثقافية الأمريكية.
الاستبعاد والطرد
وبحسب صحيفة "جيروزاليم بوست"، التي استندت إلى تقارير أصدرتها رابطة مكافحة التشهير (ADL)، شمل تقييمٌ 40 متحفًا فنيًا رائدًا في الولايات المتحدة، ولم يتضمن أيٌّ منها الهوية اليهودية ضمن التزامات التنوع والشمول الخاصة به، فيما اعترف متحف واحد فقط بشهر التراث اليهودي الأمريكي في مايو 2026. وأوضحت النتائج أن 20 متحفًا فقط من أصل 40 شاركت في عملية مراجعة التقييمات، بينما حقق متحف واحد المعيار الذهبي وفقًا لتقييم الرابطة.
وفي قطاع المسارح، يتعرض فنانون يهود وإسرائيليون، ممن يؤيدون علنًا إسرائيل في حربها على غزة، للمضايقة والاحتجاج ضد مشاركاتهم أو إلغاء فعالياتهم، كما تم استبعاد بعضهم من عروض وفعاليات حية، وفقًا لرصد رابطة مكافحة التشهير. ويشير تقرير الرابطة إلى 65 حادثة استهدفت فنانين يهودًا وإسرائيليين وصهاينة بشكل علني، وشملت التدقيق والاحتجاج والتعطيل والإلغاء في أماكن للعروض.
حذف وتغيير
أما في قطاع التأليف والنشر الأدبي، فيتم التعامل مع الكتب التي تتضمن شخصيات يهودية أو إسرائيلية أو صهيونية، والمخطوطات التي تتناول الهوية اليهودية أو إسرائيل المعاصرة، على أنها محفوفة بالمخاطر التجارية، كما أشار تقرير رابطة مكافحة التشهير إلى أن مؤلفين أُبلغوا بضرورة حذف كلمات عبرية أو تغيير أسماء شخصيات يهودية من أعمالهم إذا أرادوا نشرها، بدعوى المخاوف المتعلقة بالسوق أو قابلية التسويق.
وفي قطاع الترفيه، يواجه اليهود والإسرائيليون والصهاينة الأمريكيون، المؤيدون لإسرائيل في حربها على غزة، عقبات متزايدة وعلنية في مجالات الموسيقى الحية والكوميديا والمسرح والرقص والأفلام والفعاليات الجامعية. ورصدت رابطة مكافحة التشهير 65 حادثة استهدفت فنانين يهودًا وإسرائيليين وصهاينة في أماكن للعروض، منذ 7 أكتوبر 2023، وشملت الاحتجاج والتعطيل والضغط والإلغاء.
حملات مقاطعة
ولا يتوقف الأمر عند مسؤولي القطاعات الثقافية الأمريكية، بل امتدت المقاطعة لتشمل المؤلفين عبر مجتمعات القراء على الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، مثل BookTok وBookstagram وX، إذ يتم تصنيف الكتب وفقًا للانتماءات والمواقف السياسية، ويتم حث القراء على عدم شراء أعمال بعض المؤلفين أو مراجعتها أو الترويج لها.
بالإضافة إلى ذلك، استهدفت حملات المقاطعة العابرة للحدود مؤسسات النشر الإسرائيلية وحقوق الترجمة، ويشمل ذلك رسالة صدرت عام 2024 في مهرجان "بالفست"، وقّعها أكثر من ألف كاتب، تحث على مقاطعة شاملة لدور النشر والوكالات الأدبية والمهرجانات الإسرائيلية.
الإبادة في غزة
يأتي ذلك الضغط على خلفية الحرب في غزة منذ 7 أكتوبر 2023، والتي تصفها جهات فلسطينية ودولية بالإبادة الجماعية، حيث استشهد في قطاع غزة وحده 74,040 فلسطينيًا، أغلبهم من الأطفال والنساء، فيما بلغ إجمالي الإصابات 175,168، بينما بلغت حصيلة الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر من العام الماضي 1,439 شهيدًا، وفقًا لوزارة الصحة في قطاع غزة.
وفي الضفة الغربية، يواجه الفلسطينيون موجة نزوح واسعة، فيما يسرع المستوطنون إلى الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين، بدعم من حكومة نتنياهو، التي قامت منذ توليها السلطة وحتى الآن بتهجير أكثر من 70 تجمعًا رعويًا، مقابل بناء 100 مستوطنة غير مرخصة.
ضغط عالمي هائل
وبسبب ذلك، تواجه إسرائيل ضغطًا دوليًا واسعًا، إذ شهدت أعمال الدورة السنوية الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة انتقادات وتحركات دبلوماسية واسعة ضد الحكومة الإسرائيلية الحالية بقيادة نتنياهو، على خلفية الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وافتتحت الدورة الـ81 في 8 سبتمبر 2026، فيما عُقدت المناقشة العامة رفيعة المستوى بين 22 و28 سبتمبر.
كما سلطت وسائل الإعلام والصحف العالمية الضوء على كلمة نتنياهو في الأمم المتحدة، التي ألقاها في 24 سبتمبر، وشهدت خروج عشرات الوفود من قاعة الجمعية العامة أثناء بدء كلمته، بينما تحدثت تقارير عن بقاء صفوف من المقاعد خالية خلال الخطاب.
ولأول مرة منذ نشأة الاحتلال، تجتمع 12 دولة أوروبية وغربية معًا لتوجيه ضربة قوية إلى حكومة نتنياهو، الذي يكافح من أجل الاستمرار في السلطة، وأعلنت عقوبات تستهدف السلع والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية.
ويأتي ذلك الضغط العالمي في الوقت الذي كشفت فيه صور جديدة التقطتها Google Earth حجم الدمار الهائل وغير المسبوق الذي لحق بأغلبية المناطق والمدن والبلدات في غزة، والتي كانت قبل سنوات نابضة بالحياة، إلا أنها تحولت، بسبب الهجمات الإسرائيلية، إلى ركام.