تتحول المسيّرات البحرية الأوكرانية من قوارب سريعة بدائية معدلة إلى منصات متطورة لتنفيذ مهام هجومية ودفاعية في البحر الأسود، في تطور يعيد تشكيل أساليب الحرب البحرية ويدفع دولًا أخرى إلى دراسة التجربة الأوكرانية والاستفادة من تقنياتها.
ومن إطلاق صواريخ أرض-جو إلى حمل مسيّرات جوية وتنفيذ عمليات ضد أهداف روسية، باتت القوارب غير المأهولة تؤدي أدوارًا تتجاوز مهام القوارب الانتحارية التي استخدمتها كييف في بداية الحرب، وفقًا لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.
تفوق متدرج
عندما بدأت روسيا حربها الشاملة على أوكرانيا، كانت موسكو تتمتع بتفوق واضح في الممرات المائية. لكن كييف وسعت تدريجيًا عمليات المسيّرات البحرية، وتمكنت، وفق التقرير، من إغراق نحو ثلث أسطول البحر الأسود الروسي باستخدام قوارب سريعة يتم التحكم فيها عن بُعد ومزودة بمتفجرات.
وتعمل أوكرانيا حاليًا على إنشاء طبقات دفاع وهجوم بحرية تعتمد على المسيّرات، مع تطوير استخداماتها بصورة مستمرة. وفي إحدى التجارب، أنزل قارب مسيّر مركبة برية رباعية العجلات يتم التحكم فيها عن بُعد، ومزودة بمدفع رشاش، على شبه جزيرة تسيطر عليها روسيا، في عملية وصفتها أوكرانيا بأنها أول هجوم برمائي تنفذه روبوتات بالكامل.
وقال سام جي. تانجري، أستاذ الاستراتيجية البحرية في الكلية الحربية البحرية الأمريكية، إن "المسيّرات البحرية لا تمثل بديلًا عن الأساطيل التقليدية، وإنما أداة إضافية ضمن أدوات الحرب الحديثة"، مشيرًا إلى أنها ستُستخدم في النزاعات المستقبلية.
حاملات طائرات مصغرة
ومن أبرز التطورات الأوكرانية تحويل بعض القوارب غير المأهولة إلى منصات لإطلاق المسيّرات الجوية، بما يشبه حاملات الطائرات المصغرة.
وبحسب قائد وحدة في الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، يحمل الاسم الحركي "ناينث"، استُخدمت هذه المنصات خلال التحضير لهجمات على موانئ روسية، بعدما ساعدت رادارات مثبتة على منصات نفط بحرية في رصد القوارب المسيّرة القادمة.
ولمواجهة ذلك، جرى تجهيز قارب "كاتران" البحري، الذي يبلغ وزنه 3.5 طن، بعدد من المسيّرات الاعتراضية. وأُطلقت هذه المسيّرات ليلًا من سطح القارب، وتمكنت من تدمير هوائيات الرادار، ما أتاح لقوارب بحرية أخرى مواصلة طريقها نحو أهدافها.
وفي أبريل، استخدم اللواء 412 للأنظمة غير المأهولة في أوكرانيا مسيّرات اعتراضية أُطلقت من منصة مائية لإسقاط طائرتين مسيّرتين روسيتين من طراز "شاهد".
اهتمام دولي
وأثارت التجربة الأوكرانية اهتمام دول أخرى، إذ بدأت شركات دفاعية أجنبية التعاون مع منتجي المسيّرات البحرية الأوكرانيين. وأبرمت شركة "يوفورس" الأوكرانية اتفاقًا لإقامة مشروع مشترك لإنتاج مسيّراتها البحرية في الولايات المتحدة، فيما افتتحت شركة "كونجسبيرج" النرويجية مكتبًا في أوكرانيا وبدأت التعاون مع شركة أوكرانية منتجة للمسيّرات البحرية.
كما أبدت دول شمال أوروبا ودول البلطيق واليابان اهتمامًا بالتعاون في هذا المجال. وتعود جذور التجربة إلى محاولات بدأت في ربيع 2023، عندما استندت المسيّرات الأولى من طراز "ماجورا" إلى قوارب مدنية منتجة في أوديسا، قبل أن تتطور تدريجيًا عبر التجربة والخطأ.
ويركّز القادة الأوكرانيون على سرعة تطوير التكنولوجيا وتكييفها مع التهديدات الجديدة، مؤكدين أن العنصر الحاسم في حرب المسيّرات لا يكمن في المنصة وحدها، وإنما في قدرة الفرق المشغلة لها على الابتكار والتكيف السريع.