الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

إنذارات الصواريخ تكلف أوكرانيا 45 مليون دولار في الساعة

  • مشاركة :
post-title
الحرب الأوكرانية - أرشيفية

القاهرة الإخبارية - أحمد أنور

كشفت الحرب الأوكرانية وجهًا اقتصاديًا أكثر قسوةً مع تحول صفارات الإنذار من مجرد تحذيرات أمنية إلى تكلفة يومية تضغط على الشركات والعمال والدولة، إذ باتت كل ساعة يقضيها الموظفون داخل الملاجئ تعني توقفًا في الإنتاج وتعطلًا في النقل والخدمات، بينما تواصل روسيا استهداف المنشآت التي تقوم عليها الحياة الاقتصادية في المدن الأوكرانية، في وقت تحاول فيه كييف الموازنة بين حماية السكان والحفاظ على دوران عجلة الاقتصاد.

وقدّرت السلطات الأوكرانية أن إنذارات الصواريخ تكلف الاقتصاد نحو 45 مليون دولار عن كل ساعة يتوقف فيها النشاط التجاري بسبب لجوء الموظفين إلى الملاجئ، وقال وزير الاقتصاد والبيئة أولكسندر كرافشينكو، إن الهجمات الروسية تسببت هذا العام وحده في أضرار تقدر بنحو 10 مليارات دولار للأصول الثابتة، بينما استمرت صفارات الإنذار في بعض الأيام لنحو 10 ساعات، بحسب صحيفة "الجارديان" البريطانية.

اقتصاد متوقف

أوضح كرافشينكو أن روسيا كثفت، خلال الأسابيع الأخيرة، استهداف المنشآت الصناعية والمخازن ومراكز الخدمات اللوجستية ومراكز البيانات، في محاولة لإلحاق الضرر بالبنية التحتية التي تدعم الاقتصاد الأوكراني، معتبرًا أن موسكو تعمل على "تدمير الاقتصاد بأكمله تقريبًا"، بعدما طوّرت طائرات مُسيّرة مزودة بمحركات نفاثة وأصبحت تستخدمها لاستهداف مواقع لم تكن ضمن نطاق الهجمات السابقة.

وأضاف الوزير أن المشكلة لم تعد تقتصر على الأضرار المباشرة التي تحدثها الصواريخ والطائرات المُسيّرة، إذ يتوقف النشاط الاقتصادي في كل مرة يضطر فيها العاملون إلى ترك مكاتبهم ومصانعهم والانتقال إلى الملاجئ، موضحًا أن القاعدة البسيطة أصبحت أن "الأعمال تتوقف عندما يكون الناس داخل المخابئ"، وهو ما يراكم الخسائر حتى في حال عدم إصابة المنشأة المستهدفة.

إنذارات جديدة

اعتمدت الحكومة الأوكرانية أخيرًا نظامًا جديدًا من مستويين للإنذار الجوي، بهدف الحد من التأثير الاقتصادي للإنذارات الممتدة، إذ يشير الإنذار الأحمر إلى وجود تهديد صاروخي ويُلزم السكان بالاحتماء، بينما يُستخدم الإنذار الأصفر في حال رصد تهديد بطائرات مُسيّرة، بما يسمح لعدد أكبر من الشركات بمواصلة العمل.

وأكد كرافشينكو أن أكثر من نصف الشركات واصلت نشاطها خلال الإنذارات الصفراء، لكن النظام لم يضمن السلامة بصورة كاملة، بعدما أثبتت غارة روسية على الأكاديمية الوطنية للعلوم في وسط كييف أن الطائرات المُسيّرة الجديدة قادرة على إصابة أهداف داخل العاصمة حتى خلال فترات لا يُرفع فيها سوى مستوى التحذير الأصفر، حيث قُتل شخصان بينما كان الموظفون لا يزالون داخل المبنى.

وأبقت هذه الآلية الاقتصاد أمام معادلة صعبة، إذ تسعى الحكومة إلى السماح باستمرار العمل عندما يكون الخطر أقل، لكنها تواجه في الوقت نفسه احتمال وقوع هجمات خلال تلك الفترات، ما يجعل أي قرار بشأن إبقاء المنشآت مفتوحة مرتبطًا بتقدير مستمر للمخاطر وليس بمجرد لون التحذير الصادر عن السلطات.

أضرار متصاعدة

سجلت الهجمات الروسية أضرارًا مباشرة بنحو 10 مليارات دولار في الأصول الثابتة خلال العام الجاري، وفق تقديرات كرافشينكو، وشملت المصانع والمنشآت الصناعية والمخازن والبنية التحتية اللوجستية، إلى جانب مراكز البيانات التي أصبحت هدفًا متزايدًا مع توسع موسكو في الضغط على الاقتصاد الرقمي الأوكراني.

وأضافت كييف أن تراجع قدرة موانئ البحر الأسود على العمل زاد الضغط على الاقتصاد، بعدما كانت تلك الموانئ تنقل الجزء الأكبر من صادرات البلاد قبل أن تؤدي الحرب والضغوط العسكرية الروسية إلى تقييد حركة الشحن، ما جعل سلاسل الإمداد والنقل أكثر تكلفة وأقل قدرة على الاستجابة للصدمات.

واعتبر الوزير أن الشتاء المقبل قد يكون "الأصعب والأشد قسوة" خلال سنوات الحرب، في ظل توقعات بزيادة الضغوط على قطاع الطاقة والبنية التحتية والشركات التي استنزفتها أشهر من الهجمات، بينما تعمل الحكومة على الاستعداد لاحتمال تضرر شبكات الكهرباء والمنشآت الحيوية بصورة أوسع خلال الأشهر الباردة.

وطرحت السلطات أيضًا توسيع قدرة الشركات الخاصة على شراء أنظمة للدفاع الجوي، في محاولة لتوزيع جزء من مسؤولية الحماية على القطاع الخاص، لكن كرافشينكو حذر من أن أي شركة لن تستطيع توفير حماية كاملة لنفسها في مواجهة الصواريخ والطائرات المُسيّرة، ما يعني استمرار اعتماد النشاط الاقتصادي على منظومة الدفاع الحكومية والدعم الخارجي.

أزمة مالية

واجهت أوكرانيا في الوقت نفسه فجوة مالية كبيرة مع استمرار ارتفاع تكاليف الحرب وتراجع بعض الإيرادات، إذ وضع الرئيس فولوديمير زيلينسكي العجز المتبقي في موازنة العام الحالي عند نحو 27 مليار دولار، قبل أن تقول الحكومة إنها تمكنت من خفضه إلى 20 مليار دولار من خلال خفض الإنفاق وتحديد موارد داخلية إضافية، بينما كانت دول أوروبية قد وافقت بالفعل على حزمة قروض بقيمة 90 مليار يورو تغطي عامي 2026 و2027.

وطلبت كييف دعمًا إضافيًا من الاتحاد الأوروبي واليابان وكندا وبريطانيا، بما في ذلك إمكانية تقديم بعض القروض المقررة للعام المقبل في وقت أقرب، بينما قدرت احتياجات التمويل الخارجي لأوكرانيا في 2027 بنحو 52.6 مليار دولار، لم يتم تأمين سوى نحو 20 مليار دولار منها حتى الآن، ما يعني أن البلاد ستواجه فجوة إضافية مع استمرار الحرب وتكاليفها.

وأكد كرافشينكو أن ارتفاع العجز لا يرتبط بسوء إدارة أو فساد، رافضًا تحميله لوزير الدفاع السابق ميخايلو فيودوروف أو لسياسات توسيع برنامج الطائرات المسيرة، وقال إن السبب الأساسي يتمثل في انخفاض الإيرادات عن المتوقع وارتفاع تكلفة الحرب، خصوصًا الإنفاق على الدفاع الجوي وتطوير طائرات مُسيّرة قادرة على اعتراض الأسلحة الروسية الجديدة.

واعترف الوزير في المقابل بأن قضايا الفساد أثرت في ثقة المواطنين والداعمين الغربيين، بعدما أظهر استطلاع لمعهد كييف الدولي لعلم الاجتماع أن 50% من الأوكرانيين يعتبرون الفساد الحكومي أكبر مصدر للقلق، مقابل 40% أشاروا إلى الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة، فيما رأى 72% من المشاركين أن زيلينسكي يتحمل مسؤولية شخصية عن أفعال فاسدة يرتكبها أشخاص من حوله.

وحذر كرافشينكو من أن التعب الأوروبي بشأن الحرب يتزايد، وقال إن الحكومة الأوكرانية تدرك أن استمرار الدعم الخارجي ليس مضمونًا إلى الأبد، خصوصًا مع صعود قوى سياسية في دول أوروبية تشكك في استمرار تقديم المساعدات لكييف، وهو ما يجعل الحفاظ على الاقتصاد وتشغيل الشركات وتأمين التمويل الخارجي جزءًا من معركة موازية للحرب، لا تقل أهمية عن حماية المدن والمنشآت من الهجمات الروسية.