الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

تفاعلات القوى الإقليمية والدولية مع تطورات الأزمة الإثيوبية

  • مشاركة :
post-title
عناصر من جبهة تيجراي خلال اشتباكات سابقة مع القوات الفيدرالية الإثيوبية 2021

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

تشهد إثيوبيا تصعيدًا عسكريًا في إقليم تيجراي، إذ اتسعت رقعة المواجهات خلال الفترة الأخيرة لتشمل مناطق تيجراي وأمهرة وعفار، حيث استعادت جبهة تحرير شعب تيجراي حضورها العسكري، وانضمت إليها قوى مسلحة أخرى، من بينها فانو في أمهرة وقوى من عفار وأوروميا، لتعلن سبع من الجماعات المسلحة في 21 سبتمبر 2026 تشكيل "تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء"، وهو التحالف الذي أضحى يضم عدد من الجماعات التي سبق أن تصادمت فيما بينها، وهو ما يعني تقاربًا بين أطراف كانت متضادة المصالح والتوجهات، وهو ما شكل تعقيدًا للأزمة ومساراتها، بعد أن استولت قوات مرتبطة بـ"جبهة تيجراي" على مطارات رئيسية في الإقليم، ووصولًا للقتال على الحدود مع أمهرة وعفار، فضلًا عن إعلان عن إغلاق مطارات في مناطق أخرى نتيجة اتساع نطاق المواجهات، وهو ما تزامنت معه تحذيرات قوى إقليمية ودولية من مخاطر اتساع المواجهات وضرورة إعلاء الحوار لتسوية الخلافات تجنبًا للتصعيد العسكري، ومنع اتساع رقعة الصراع في منطقة القرن الإفريقي.

لذلك يُثار تساؤل محوري حول مواقف القوى الإقليمية والدولية، وحدود تفاعلها مع الواقع الإثيوبي وأزماته المتلاحقة، لا سيما أن تأثيرات تلك المواجهات تتقاطع مع أزمات الداخل الإثيوبي ومعضلات السودان وأزمات البحر الأحمر المعقدة، وكذلك مع قضايا الأمن المائى لدول حوض نهر النيل، لا سيما أن إثيوبيا دولة متعددة القوميات لها امتدادات في دول الجوار، في ظل ضعف عام للدولة الإفريقية واستمرار الصراع حول توزيع السلطة والثروة والنفوذ، لذلك فإن تطورات الأزمة الإثيوبية تعيد إلى الواجهة معضلة الدولة الوطنية الإفريقية واستقرارها لتتجاوز حدود المواجهات مع تيجراي.

مواقف متنوعة

في إطار تطورات الأزمة الإثيوبية في إقليم تيجراي، فإن هناك تنوعًا في مواقف القوى الإقليمية والدولية، والتي يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

(*) مفوضية الاتحاد الإفريقي: أشار رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف إلى تصاعد التوترات إثر سيطرة قوات تيجراي على مطارات مدنية في ميكيلي وأكسوم وشيري، واحتجاز موظفين فيدراليين، داعيًا إلى أقصى درجات ضبط النفس والوقف الفوري للتصعيد والعودة إلى الحوار المباشر في إطار اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022، كما دعا دول الجوار إلى تجنب أي خطوات يمكن أن تزيد التوتر، والأهم أن الاتحاد الإفريقي أعاد التأكيد على أن اتفاق بريتوريا يمثل أساسًا للسلام والاستقرار والمصالحة في إثيوبيا.

وإذا كان اتفاق بريتوريا أنهى الحرب بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيجراي، إلا أنه لم يحسم القضايا الخلافية التي أدت إلى اندلاع الصراع ومنها: قضايا الأراضي المتنازع عليها ومستقبل الترتيبات السياسية في تيجراي ودمج القوات والعلاقة بين المركز والأقاليم وكذلك مستقبل النظام الفيدرالي الإثني، دون تسوية نهائية.

(*) دول الجوار الإثيوبي: تقع إريتريا على حدود تيجراي، وتدعو إلى تسوية الصراع وفق مبادئ الحوار السلمي، لا سيما أن البحر الأحمر ودول الجوار الاثيوبي المشاطئة له كأحد أهم الممرات الإستراتيجية في العالم، تتأثر بالتوترات في دولة معقدة القوميات والعرقيات كإثيوبيا في ظل تقاطعها مع منطقة القرن الإفريقي التي تعاني من توترات لا تهدأ، ومنها تحديات الاستقرار في الصومال وجنوب السودان وكينيا وجيبوتى التي توجد بها أول قاعدة عسكرية صينية في الخارج.

ولهذا، فإن أي توسع للصراع الإثيوبي قد يعمق من الأزمات الإقليمية في منطقة تعاني أصلًا من أزمات متشابكة، ولا يعني ذلك افتراض وقوع مواجهة إقليمية، لكنه يعني أن استمرار الحرب يرفع عدد الأطراف التي قد تتأثر بها أو تحاول حماية مصالحها، فالحكومة الإثيوبية تتهم إريتريا بدعم القوى المناوئة لها بينما تنفي أسمرة هذه الاتهامات.

(*) القوى الدولية: أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش عن القلق إزاء التدهور السريع للوضع في شمال إثيوبيا، بما في ذلك الاستيلاء على مطارات ميكيلي وأكسوم وشاير، وتكثيف القتال في تيجراي وما حولها وانتشار الأعمال العدائية إلى المناطق المجاورة.

ودعا الأمين العام الأطراف إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، وخفض التوتر على الفور، وحماية المدنيين وضمان وصول شركاء العمل الإنساني إلى المحتاجين للمساعدات بشكل آمن وبدون عوائق، وتجنب الأعمال التي قد تؤدي إلى نشوب صراع أوسع وأكثر تدميرًا.

من جهته، شدد الاتحاد الأوروبي على أن الخلافات لا يمكن تسويتها إلا عبر الحوار البناء وليس العمل العسكري، داعيًا إلى حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني وضمان أمن وسلامة العمليات الإنسانية.

كما شددت الخارجية الصينية ومندوبها لدى الأمم المتحدة على أن الإثيوبيين يمتلكون الحكمة والقدرة لحل نزاعاتهم الداخلية بأنفسهم، ودعت بكين الأطراف المعنية في أزمات إثيوبيا إلى وقف الأعمال العدائية وتجنب أي تصعيد عسكري.

سيناريوهات محتملة

في إطار تفاعلات القوى الإقليمية والدولية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطورات الأزمة الإثيوبية التي تتجاوز حدود مواجهات الحكومة الفيدرالية مع جبهة تيجراي وصولًا لتهديد أمن منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي على النحو التالي:

السيناريو الأول: تسوية الأزمة بين القوات الحكومية وتحالف القوى المناوئة لها وذلك من خلال العودة إلى اتفاق بريتوريا الموقَّع في نوفمبر 2022، هذا السيناريو سيتوقف على مدى إعادة النظر في العلاقة بين المركز والأقاليم، ومعالجة قضية الأراضي المتنازع عليها، ووضع ترتيبات واضحة بشأن القوات المسلحة الإقليمية، وصولًا إلى حوار سياسي يبني الثقة بين القوى الإثيوبية المختلفة.

ويمتلك هذا السيناريو فرصًا ضئيلة، نظرًا لتعقد المشهد الحالي في ظل عمليات إعادة تموضع لقوى متضادة في أهدافها في إطار تحالف مناوئ للحكومة الفيدرالية الإثيوبية.

السيناريو الثاني: الانقسام الداخلي، ويقوم هذا السيناريو على احتمالية توسع الاضطرابات الداخلية وتعقدها بانضمام أطراف أخرى في أقاليم مهمشة بما يعني استمرار الاستنزاف المتبادل من دون حسم الصراع أو تسويته، هذا السيناريو سيتوقف تحققه على مدى تمسك رئيس الوزراء الإثيوبي آبى أحمد بطموحاته السياسية في دولة متعددة القوميات، وهو ما جعل بعض التحليلات تصفه بملك إثيوبيا السابع، فضلًا عن الاعتقاد بأن مشروعات السدود ستوحد الإثيوبيين خلف قيادته، وهو الأمر الذي لم يتحقق بعد تجدد المواجهات خلال 2026 ووصولها إلى الذروة في سبتمبر 2026.

ويجعل هذا الواقع الحكومة الإثيوبية في موقف معقد ما بين طموحات داخلية يتم توظيفها إقليميًا دون الأخذ في الاعتبار لحقوق دول حوض نهر النيل المائية.

السيناريو الثالث: التداخل الإقليمي للأزمة بما يعني انتقال تأثير المواجهات بين تيجراي والقوى المتحالفة معها من ناحية والحكومة الفيدرالية الإثيوبية من ناحية أخرى إلى دول الجوار الإثيوبي في ظل ما تعانيه دول الجوار من أزمات، وكذلك في ظل رفض دول الجوار لطموحات إثيوبيا الإقليمية وصولًا لرفضها وصول أديس أبابا (السيادي) لموانئ البحر الأحمر، إذ تشير العديد من التحليلات إلى أن التنافس الإثيوبي الإريتري أصبح أحد العوامل الأساسية التي تجعل الأزمة الداخلية الإثيوبية قابلة للتحول إلى صراع إقليمي في ظل أطماع إثيوبيا ومحاولتها الخروج من معضلة الدولة الحبيسة إلى موانئ البحر الأحمر ومنها ميناء بربرة الصومالي بتوقيع اتفاق مع ما يسمى "أرض الصومال" لهذا الغرض، في ظل تمسك إريتريا بأن شؤون منطقة البحر الأحمر وأمنه ومهدداته تخص الدول المشاطئة له فقط.

يضاف إلى ذلك تعقد الأزمة السودانية وتداخلها، لاسيما أن حالة الاضطرابات الحالية في تيجراي سيكون لها تداعياتها على مناطق الجوار السوداني مع إثيوبيا ما سيعمِّق من حالة السيولة والفوضي وانتشار لظاهرة تجار الحروب في المناطق الحدودية التي ستعمق من مآسي النازحين واللاجئين.

مجمل القول، تطالب القوى الإقليمية والدولية المعنية بأمن البحر الأحمر وأمن منطقة القرن الإفريقي بضرورة تسوية الصراع في إطار مبادئ الحوار والتسوية السلمية للخلافات، غير أن أخطر ما في المشهد الإثيوبي الحالي أن الحدود الفاصلة ما بين الحرب الأهلية الداخلية والحرب الإقليمية أضحت غير واضحة، وهو ما يجعل إثيوبيا إما أمام محطة مفصلية في تاريخ صراع القوميات وإما أن تتمكن من تسوية الصراع بالحوار أو ستتحول حدود الخطوط بين الدول في تلك المنطقة الهشة إلى ممرات تزيد من تعقيد الأزمة وانتشارها إقليميًا.