الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

توازن الضعف.. ما السيناريو القادم للصراع في إثيوبيا؟

  • مشاركة :
post-title
جندي إثيوبي أمام آلية عسكرية مدمرة في إقليم تيجراي- أرشيفية

القاهرة الإخبارية - ضياء نوح

على مدار الأيام الماضية، اشتعل الصراع المسلح داخل إثيوبيا بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيجراي، التي أعلنت في سبتمبر 2026 دخولها حربًا شاملة ضد أديس أبابا مدعومة بتحالف من 7 فصائل عرقية مسلحة، يهدف لإزاحة رئيس الوزراء آبي أحمد والحفاظ على نظام الفيدرالية العرقية في البلاد، رغم غياب التجانس السياسي والتفاهم المشترك بين تلك المكونات التي خاضت قتالًا مريرًا ضد بعضها البعض بالتعاون مع القوات الفيدرالية على خارطة طريق للمرحلة الانتقالية المزمعة، وفض الاشتباك في المناطق المتنازع عليها بين الأقاليم، فضلًا عن تفاوت الأوزان العسكرية والكفاءة الميدانية بين مختلف الفرقاء العسكريين على الأرض.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي أبعاد الصراع الشمال الإثيوبي واحتمالات تمدده جغرافيًا وعسكريًا في الفترة المقبلة.

ديناميات التصعيد

منذ بداية العام الجاري ظهرت بوادر التصعيد في إقليم تيجراي، بالتزامن مع استمرار المناوشات بين قوات الحكومة الفيدرالية ومليشيا فانو الأمهرية. إلا أن التحول الأبرز ظهر مع إعلان جبهة تحرير شعب تيجراي في أبريل 2026 انهيار اتفاق بريتوريا للسلام، واستعادة السلطات التنفيذية والتشريعية في الإقليم بعد مماطلة أديس أبابا في إجراء الانتخابات والتمديد للإدارة الانتقالية بالإقليم لمدة عام إضافي.

وعلى مدار الأشهر الماضية دأبت الجبهة على إبراز رسائل إيجابية للشعوب الإثيوبية وصولًا لإعلان الحرب "الدفاعية" الشاملة ضد حكومة آبي أحمد وتشكيل "تحالف القوات الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء" في 20 سبتمبر 2026 مع فصائل تشمل (حركة فانو أمهرة الوطنية، وجيش تحرير أورومو، والجبهة الوطنية لتحرير أوجادين، والجبهة الثورية للوحدة الوطنية العفرية، وحركة تحرير شعب بني شنقول، والحركة الديمقراطية لشعب قُمز) في بيان تلاه زعيم حركة فانو على تلفزيون تيجراي.

(*) خريطة المواجهات: شهدت الجبهة في إقليم تيجراي تطورًا سريعًا مع إعلان الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي السيطرة على 3 مطارات بالإقليم (أكسوم وشاير وميكيللي) في 23 سبتمبر 2026، قبل أن تتوسع خريطة المواجهات في 24 سبتمبر باتجاه إقليم عفار في منطقة ياللو على الحدود مع تيجراي، وشمال غرب تيجراي باتجاه مناطق شمال وللو وواج هميرا بإقليم أمهرة، حيث تقدمت قوات الجبهة بالتعاون مع حركة فانو والحركة الثورية للوحدة الوطنية العفرية.

وعلى الجانب الآخر وبينما أعلنت القوات الفيدرالية قتل نحو 400 من مقاتلي جبهة تحرير تيجراي، عززت أديس أبابا جهودها لقمع التمرد عبر استغلال التفوق في القدرات الجوية المسيّرة، من خلال تنفيذ من 15 إلى 17 هجومًا على منطقة ألاماتا بجنوب إقليم تيجراي في 22 سبتمبر 2026 استهدفت مواقع من بينها مستشفى وعدة مدارس، كما نقل مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مزاعم بوقوف القوات الفيدرالية خلف قصف قرية كوبو في إقليم أمهرة بقذائف الهاون في 23 سبتمبر 2026، وصولًا لقصف مناطق تسليموي وماي جابا وشيرارو حول نهر تيكيزي قرب الحدود الإريترية في منطقة غرب تيجراي المتنازع عليها في 24 سبتمبر.

خريطة تطورات الصراع في شمال إثيوبيا في الفترة من 20 إلى 24 سبتمبر 2026- أكليد

(*) تكتيكات متباينة: إضافة لاعتمادها الكبير على سلاح الطائرات المسيّرة، أقدمت السلطات الإثيوبية على قطع الاتصالات الهاتفية والإنترنت عن إقليم تيجراي باستثناء المنطقة الشمالية الغربية المتنازع عليها، ما يعزز المخاوف بصراع دموي على غرار الحرب السابقة (2020 – 2022) التي أودت بحياة نحو 600 ألف مواطن ونزوح نحو مليون آخرين، في ظل انقطاع واسع للكهرباء والخدمات المصرفية وكل أوجه الدعم الإنساني عن منطقة النزاع.

وبالتوازي يفرض طرفا الحرب تجنيدًا واسعًا في صفوفيهما عبر حملات التجنيد القسري وشملت تجنيد الأطفال من قبل "جبهة تيجراي". وعلى الجانب الآخر تسارع الجبهة في توسيع نطاق الصراع بالاستفادة من زخم التحالف الناشئ عبر شن هجمات سريعة ومتزامنة على امتداد الحدود الإقليمية لدعم الفصائل المتحالفة وتشتيت القوات الفيدرالية والتعجيل بسيناريو انهيار حكومة أديس أبابا خوفًا من انحسار الصراع في الإقليم بالتوازي مع منع وصول الإمدادات للسكان المدنيين وبالتبعية تفكيك التحالف الناشئ عبر إحباط مخطط توحيد الجبهات. ويتضح من ذلك أن تكتيكات الحرب البرية لتحالف المعارضة المسلحة ينحسر في التقدم السريع والسيطرة على الأرض بالاعتماد على خفة الحركة ووجود فصائل محلية قادرة على الانتشار ومشاغلة القوات الحكومية، بيد أن التمدد البري السريع دون الوصول للعاصمة أديس أبابا يهدد بتحويل السيطرة الميدانية المؤقتة إلى استنزاف بطيء يرفع كلفة الحرب على الجبهة ويقوض بقاء تحالفها، فضلًا عن بث الانقسامات في صفوف الجبهة نفسها التي اعتقلت رئيس الإدارة الانتقالية المعينة من قبل أديس أبابا تديسي وريدي ورئيس الاستخبارات في قوات دفاع تيجراي واتهامهما بمشاركة معلومات مع الحكومة الفيدرالية.

(*) مواقف متباينة: على الرغم من وجود اشتباكات متقطعة بين القوات الفيدرالية من جهة وحركة "فانو" الأمهرية وجيش تحرير أورومو وباقي الفصائل العرقية من جهة أخرى، إلا أن المعادلتين السياسية والأمنية في البلاد منذ 3 عقود أبرزت تشابك مصالح السلطات الفيدرالية والفصائل العرقية المسلحة أيديولوجيًا وبراجماتيًا خلال سيطرة أقلية التيجراي على السلطة في البلاد، إلا أن المتغير الأبرز في تلك الحالة هو صعود آبي أحمد ومساعيه لتفكيك حالة تعدد مراكز القوى داخل البلاد، فضلًا عن توظيف بعض الفصائل في تقويض فصائل أخرى على غرار التحالف مع فانو لتقويض سيطرة الجبهة خلال صراع (2020 - 2022)، فضلًا عن تنسيق جيش تحرير أورومو مع القوات الفيدرالية لمحاربة قوات فانو في غرب أوروميا حتى أغسطس الماضي، وفق منصة أكليد.

توازن الضعف

استنادًا للطرح السابق، يمكن الوقوف على تطورات الصراع الإثيوبي في سياق أي من السيناريوهين التاليين:

(-) حسم سريع: ويشمل نجاح أي من الطرفين بتقويض تحالفات وقدرات الطرف الآخر بدعم عسكري (تسليحي) متواصل أو ذهاب الطرفين باتجاه تسوية سياسية سريعة تجنب البلاد الانزلاق في فوضى حرب أهلية شاملة وتعزز اضطراب منطقة القرن الإفريقي وجوارها المباشر في البحر الأحمر. ويتضمن ذلك السيناريو نجاح "تحالف البقاء" بقيادة جبهة تحرير شعب تيجراي في الوصول للعاصمة وإجبار الحكومة الفيدرالية على التوصل لتسوية تنهي الصراع وتُفضي لتحالف جديد يعيد ترميم الفيدرالية الإثيوبية، أو قطع خطوط إمداد الجبهة وتثبيت سيطرة القوات الفيدرالية على المحاور الرئيسية للعاصمة أديس أبابا بالتوازي مع تفعيل وساطات إقليمية جديدة للتوصل لتسوية شاملة. وتقف أمام ذلك السيناريو العديد من العقبات..

أولها أن قدرات الطرفين العسكرية غير قادرة على حسم الصراع بصورة نهائية دون تقديم تنازلات في ملفات داخلية وخارجية، وتبدو الجبهة أكثر مرونة للقبول بتقديم تنازلات سياسية مقابل الحفاظ على موقعها في النظام السياسي الفيدرالي قبل عهد آبي أحمد وعدم تقديم تنازلات من أراضي الإقليم المتنازع عليها وتركها في سياق المفاوضات المؤجلة مع فصائل التحالف، بينما ستفقد أي تنازلات داخلية أو خارجية حكومة آبي أحمد زخم مشروعه السياسي لإصلاح النظام الفيدرالي وجعله أكثر مركزية ومعالجة الوضع الجغرافي والاستراتيجي لبلاده كدولة حبيسة تعتمد في تجارتها على دول الجوار.

ثاني تلك العقبات هو غياب الثقة الضرورية لإبرام اتفاق، سواء بين الطرفين المتنازعين أو ثقة كلا الطرفين في الأطراف الإقليمية والدولية في ظل انحيازها المسبق لأحد الطرفين، بينما تأتي ثالث تلك العقبات في تفاوت أوزان القوى بين فصائل التحالف؛ إذ تقدر قوات "جبهة تيجراي" بنحو 270 ألف مقاتل بحسب تقديرات الإدارة الانتقالية للإقليم في 2024، بينما يتراوح عدد قوات فانو بين 15 و20 ألفًا، بحسب صحيفة لوموند الفرنسية، وهو ما قد يعرقل فرص الحسم بتباين تكتيكات الفرقاء بين السيطرة الميدانية وعمليات الكر والفر.

(-) حرب استنزاف مطولة: وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا، إذ من المتوقع أن ترتبط الأزمة في إثيوبيا بالصراع الجيوسياسي الأوسع في الشرق الأوسط وجنوب البحر الأحمر، في ظل تقاطع مصالح أطراف إقليمية مع أطراف الصراع، بالتوازي مع تغيير الظروف الإقليمية عن حرب (2020 - 2022) التي شهدت انخراطًا إريتريًا إلى جانب القوات الفيدرالية الإثيوبية، مع تحول في الخطاب الرسمي والإعلامي الرقمي باتجاه توطيد العلاقات بين إريتريا وإقليم تيجراي تحت مسمى "تحالف تسيمدو"، الذي ظهر للمرة الأولى خلال حوار للرئيس أسياس أفورقي مع التلفزيون الرسمي في 2023، وهو ما لا يعني بالضرورة أن العلاقات تحولت من العداء إلى التحالف متعدد الأركان، وإنما في بروز توجه على جانبي الحدود لتوثيق العلاقات الشعبية ومعالجة آثار الحرب الأخيرة وهو ما تلقفته الجبهة بالانفتاح على توثيق العلاقات الشعبية وتهدئة مخاوف أسمرة تجاه نوايا الحركة ويمنحها طرق إمداد للالتفاف على أي حصار إثيوبي محتمل. وعلى الرغم من تفوق الحكومة الفيدرالية على الصعيد الجوي، إلا أن قدراتها في القصف الجوي لا تمنحها تفوقًا ميدانيًا كاسحًا بينما تعزز من اتساع نطاق الصراع وتوسيع الانتقادات لعمليات القصف الموسعة للمناطق الميدانية.

وإجمالًا؛ تُظهر التطورات في إثيوبيا تراكم محفّزات الصراع وسط تراجع فرص التوصل لتسوية قادرة على كبح الأزمة، أو توصل الأطراف إلى غياب قدرات الحسم العسكري رغم وضوح أهداف كلا الطرفين في إسقاط حكومة آبي أحمد من جهة، وتقويض مشهد الفصائل العرقية وإلغاء حق الأقاليم في الانفصال من جهة أخرى.