على جزيرة أمريكية صغيرة في أقصى غرب المحيط الهادئ، وعلى بُعد آلاف الأميال عن واشنطن، نشأت ظاهرة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى رحلة ولادة، لكنها تحولت إلى قضية تتقاطع فيها الهجرة والجنسية والمصالح الأمنية.
سايبان، الجزيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها نحو 50 ألف نسمة، أصبحت خلال السنوات الماضية مقصدًا لنساء صينيات حوامل يسافرن إليها قبيل الولادة، على أمل أن يحصل أطفالهن على الجنسية الأمريكية، فيما بدأت السلطات الأمريكية تضيّق الخناق على ما تسميه "سياحة الولادة".
وبين شقق سكنية، تستقبل الحوامل، ومترجمين يرافقونهن إلى المستشفيات، وخدمات تنظم لهن استخراج الوثائق وجوازات السفر، نشأت في الجزيرة صناعة خفية تدور حول حلم الحصول على جواز سفر أمريكي. لكن ما كان يُنظر إليه باعتباره فرصة لعائلات تبحث عن مستقبل مختلف لأطفالها، بات يثير في سايبان أسئلة أكثر حساسية، تتعلق بمدى استغلال نظام الهجرة، واحتمالات الاتجار بالبشر، وصولًا إلى المخاوف من النفوذ الصيني في جزيرة تتمتع بموقع استراتيجي بالغ الأهمية للولايات المتحدة.
ومع توقيع الرئيس دونالد ترامب في 6 أغسطس الماضي أمرًا تنفيذيًا يستهدف "سياحة الولادة" تعود سايبان إلى واجهة الجدل الأمريكي حول الجنسية بالميلاد، لتكشف الجزيرة الصغيرة عن قصة أكبر بكثير من رحلات نساء حوامل عبر المحيط.
رحلات الولادة
نقلت صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية عن ميلاني، وهي مترجمة تتحدث الإنجليزية والصينية، أنها استُدعيت إلى المستشفى الرئيسي في سايبان لمساعدة امرأة صينية تبلغ 36 عامًا، وصلت بمفردها من الصين للولادة.
وقالت المرأة، وفق ميلاني، إنها ادخرت أكثر من خمس سنوات من أجل إنجاب طفلها في سايبان، وإن هدفها كان حصوله على جواز سفر أمريكي، بما يمنحه خيارًا بين الصين ودولة أخرى.
وأوضحت ميلاني أنها ترجمت هذا العام لأربع أمهات صينيات أنجبن أطفالًا أمريكيين في سايبان، مشيرة إلى وجود أكثر من عشرة مترجمين يؤدون المهمة نفسها في الجزيرة.
اقتصاد خفي
وبحسب التقرير، تراجعت ظاهرة سياحة الولادة إلى حد كبير عن الظهور العلني بعد جائحة كورونا، في أعقاب فرض حد أقصى للإقامة لمدة 14 يومًا، بينما تلجأ بعض النساء إلى تجاوز مدة التأشيرة والاختباء لتجنب السلطات.
ويقول سكان إن أنشطة اقتصادية محلية أصبحت توفر، بصورة غير معلنة، خدمات للنساء الحوامل، من بينها نقلهن إلى المستشفى، وتوفير البقالة، والترجمة خلال المواعيد الطبية، وإعداد الطعام داخل الشقق التي يقمن فيها.
كما رصد التقرير متاجر ومواقع إلكترونية باللغة الصينية تروّج للولادة في سايبان، وتعرض خدمات تشمل استخراج شهادة الميلاد، وبطاقة الضمان الاجتماعي، ووثائق السفر الصينية وجواز السفر الأمريكي للطفل.
تشديد أمريكي
وفي السادس من أغسطس الماضي، وقّع ترامب أمرًا تنفيذيًا أعلن فيه عزمه إنهاء سياحة الولادة، معتبرًا أن السفر إلى الولايات المتحدة بغرض إنجاب طفل والحصول له على الجنسية تلقائيًا يمثل ممارسة استغلالية.
وتضم سايبان نحو 50 ألف نسمة، وتتمتع بموقع استراتيجي في غرب المحيط الهادئ، على مسافة نحو 1700 ميل من تايوان و1800 ميل من الصين و1400 ميل من اليابان، كما تبعد نحو ساعة بالطائرة عن جزيرة جوام التي تستضيف قاعدة عسكرية أمريكية كبيرة.
مخاوف أمنية
وقال الطبيب جيف فريش، الذي يعمل في مستشفى الجزيرة، إنه شهد حالات يشتبه في ارتباطها بسياحة الولادة، وأعرب عن مخاوف من تعرض بعض النساء للاستغلال أو الاتجار بالبشر.
وفي السياق نفسه، دعا عمدة سايبان، رامون كاماشو، سلطات الحدود الأمريكية إلى تشديد الرقابة، معتبرًا أن هناك نقصًا في تطبيق القواعد.
وتتجاوز المخاوف ملف الولادة إلى النفوذ الصيني في الجزيرة. وقال جيمس كينجمان، وهو محامٍ استعانت به الحكومة المحلية لمكافحة الفساد، إن "سايبان تواجه مشكلات فساد"
وحذر جلين هانتر وهو مسؤول محلي من احتمال استغلال الأطفال المولودين بجوازات سفر أمريكية مستقبلًا من جانب الحزب الشيوعي الصيني، وهي مخاوف قدمها بوصفها احتمالًا.
كما حذرت الباحثة كليو باسكال من أن الموقع الاستراتيجي لسايبان يجعلها ذات أهمية عسكرية واستخباراتية بالنسبة إلى الولايات المتحدة والصين.