شهدت أعمال الدورة السنوية الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، أكبر هجوم دولي ضد الحكومة الإسرائيلية الحالية بقيادة بنيامين نتنياهو، بسبب جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي خلّفت عشرات الآلاف من الضحايا في غزة والضفة الغربية.
ويجتمع قادة العالم في نيويورك من 22 إلى 28 سبتمبر الجاري، بحضور 130 من رؤساء الدول والحكومات والمسؤولين الكبار، في أكبر حشد دولي؛ بحثًا مخرج للحروب والأزمات التي تجتاح الكوكب، تحت شعار "أمم متحدة في خدمة الجميع".
تحذيرات من انهيار حل الدولتين
كان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، أول من استهل حديثه بالتأكيد على أن الجرائم التي تعرّض لها الفلسطينيون في قطاع غزة على نطاق واسع من القتل والدمار، لم يشهده طوال سنوات توليه منصب الأمين العام للأمم المتحدة.
وأضاف جوتيريش أن العنف والتهجير والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية ينذران بخطر التطهير العرقي، بما يُقوّض مسار السلام، محذرًا من انهيار حل الدولتين، داعيًا إلى امتثال جميع الأطراف للقانون الدولي وأوامر محكمة العدل الدولية بشأن غزة.
أكبر مقبرة للأطفال
كما كان خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أحد أشد الخطابات ضد الاحتلال، إذ وصف غزة بأنها "أكبر مقبرة للأطفال في العالم"، مشددًا على أنها المكان الذي يشهد أعلى معدل لبتر أطراف الأطفال في العالم الحديث.
ووصف الرئيس التركي قطاع غزة بأنه "أكثر معسكرات الاعتقال اللاإنسانية والمخزية في عصرنا الحالي"، داعيًا جميع الدول في العالم، التي لم تعترف بعد بدولة فلسطينية، إلى القيام بذلك، وإلى زيادة الضغط الدولي على حكومة إسرائيل.
وانتقد أردوغان قرار الولايات المتحدة بمنع الرئيس الفلسطيني محمود عباس من زيارة نيويورك، مؤكدًا أن تركيا ستواصل تمثيل صوت الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، وهي الجملة التي غادر في أعقابها الوفد الإسرائيلي، قاعة الجمعية العامة.
وصمة عار على الإنسانية
في السياق ذاته، استخدم أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أشدّ العبارات في الخطاب الدولي حول الحرب على قطاع غزة، مؤكدًا أن ما حدث في غزة هو إبادة جماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، واصفًا أحداث القطاع بأنها "وصمة عار في ضمير الإنسانية".
وانتقد الشيخ تميم قادة الاحتلال الإسرائيلي الذين تحدثوا علنًا عن تشجيع هجرة سكان غزة، ودعا حكومة بنيامين نتنياهو إلى وقف أنشطتها العسكرية، والانسحاب من غزة، ورفع الحصار عن الشعب الفلسطيني.
محاولات محو الوجود الفلسطيني
من جانبه، أكد الملك عبد الله الثاني ملك الأردن، في كلمته، أن الدمار في قطاع غزة وعمليات الضم الفعلي للأراضي في الضفة الغربية يندرجان ضمن "محاولة لمحو الوجود الفلسطيني"، لافتًا إلى أن السياسة الإسرائيلية تهدف إلى جعل إقامة دولة فلسطينية أمرًا مستحيلًا.
ووصف العاهل الأردني ما يحدث للفلسطينيين في الضفة الغربية بأنه "تهجير قسري"، واعتبره "جريمة حرب"، متهمًا قادة الاحتلال الإسرائيلي بأن لديهم "شهوة للتوسع" تجعلهم تهديدًا إقليميًا، داعيًا العالم إلى التوقف عن اعتبار "غزة والضفة الغربية" قضيتين منفصلتين.
وشدد الملك عبدالله على أنهما وجهان لعملة واحدة من الإستراتيجية الإسرائيلية، من خلال تدمير غزة من جهة، وضم فعلي لأراضي الضفة الغربية من جهة أخرى، بهدف جعل إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة أمرًا مستحيلًا.
انتهاك سيادة الدول
جاءت الانتقادات ضد جرائم الاحتلال الإسرائيلي أيضًا من الجانب الآخر من العالم، حيث انتقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في خطابه أمام الجمعية العامة، الوضع في قطاع غزة بشدة، مشددًا على أنه بالرغم من اتفاقات السلام، لم يُعاد فتح أي ممر إنساني حتى الآن.
وتساءل الرئيس الفرنسي: "هل نقف مكتوفي اليدين ونشاهد مشهدًا يُخجلنا جميعًا؟"، كما هاجم سياسة إسرائيل في الضفة الغربية، مشيرًا إلى أن التطورات هناك تُقلل يومًا بعد يوم من إمكانية قيام دولة فلسطينية، ساخرًا من الأفكار الإسرائيلية التي تعتقد أن انتهاك سيادة الدول المجاورة سيُعزز أمن إسرائيل.
دولة قابلة للحياة
بدوره، انضم رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام إلى الانتقادات الموجهة لدولة الاحتلال، في خطابه أمام التجمع العالمي، وشدد على أن هجمات حركة حماس في 7 أكتوبر، لا تبرر تصرفات الحكومة الإسرائيلية في غزة أو الضفة الغربية.
وحذر بيرنهام من أن بريطانيا لن تقف مكتوفة اليدين في ظل استمرار المعاناة في غزة وتهديد احتمالية حل الدولتين، منتقدًا التوسع الإسرائيلي في البناء بمنطقة E1، والذي قال إنه قد يجعل إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة أمرًا مستحيلًا.
ودافع رئيس الوزراء البريطاني عن قرار حكومته بتقييد الاتفاقيات مع المستوطنات، وأضاف أنه إذا استمرت بريطانيا في الحديث عن حل الدولتين دون أن تدعمه بأفعال، فإن ثقة الجمهور بالسياسة ستتآكل أكثر.
أجيال من الصدمة والألم
كما وجّه الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، انتقادات لاذعة إلى قادة الاحتلال الإسرائيلي، حيث شدد على أن أجيالًا من الفلسطينيين ستعاني من الألم والصدمة التي خلّفتها الإبادة الجماعية، التي ارتكبتها حكومة بنيامين نتنياهو ضد النساء والأطفال في غزة.
كما هاجم الرئيس البرازيلي في كلمته الإجراءات المتخذة ضد المحكمة الجنائية الدولية وموظفيها، وحذر من أن التوسع الاستيطاني المستمر في الضفة الغربية يجعل حل الدولتين أقل احتمالًا.
ومن المتوقع أن يلقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كلمة اليوم، ووفقًا للقناة الـ 12 الإسرائيلية، وعد بالرد على الانتقادات الموجهة لحكومته، ومواجهة ما وصفه بالأكاذيب والمعلومات المضللة حول الحرب.
وأسفرت حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، والتي استمرت قرابة ثلاث سنوات، عن استشهاد أكثر من 73,821 فلسطينيًا، وفقًا لوزارة الصحة في غزة، أغلبهم من النساء والأطفال والمسنين، بجانب تدمير 90% من البنية التحتية للقطاع.