الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

اتجاهان متباينان.. كيف تنظر القوى الكبرى لإصلاح الأمم المتحدة؟

  • مشاركة :
post-title
زعماء روسيا والصين والولايات المتحدة- تعبيرية

القاهرة الإخبارية - ضياء نوح

في تعليقات متزامنة قبيل انطلاق أعمال الدورة 81 لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أظهرت الولايات المتحدة وروسيا والصين الحاجة لإصلاح المنظمة الدولية لأداء دورها المحوري في الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، وفي بناء نظام تمثيل أكثر عدلًا يحقق المنفعة المتبادلة ويدفع جهود التنمية ويعكس تغيُّر موازين القوى على الأرض. ولم تنحصر مواقف القوى الكبرى في الخطابات والمطالبات بإصلاح المنظمة على المستويين السياسي والتنظيمي فحسب، وإنما ارتبطت الممارسات والتحركات بإصلاح النظام المالي العالمي ومعالجة قضايا التمويل لمؤسسات ووكالات المنظمة، وفق رؤيتين متعارضتين، ترتكز أولاهما على ضبط وتقليص الإنفاق وفق منطق الفاعلية الوظيفية وثانيهما على التزام القوى الكبرى بصدارة جهود الإصلاح والتنمية وتعزيز حوكمة صندوق النقد والبنك الدوليين.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي مقاربات القوى الثلاث الكبرى، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين، لإصلاح منظومة الأمم المتحدة، ومواضع الاتفاق والاختلاف فيما بينها.

اتجاهان متباينان

تظهر تصريحات ممثلي وزعماء القوى الدولية تباينًا في مقاربتهم لإصلاح الأمم المتحدة على النحو التالي:

(*) الاتجاه الوظيفي: تركزت انتقادات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمنظمة الأمم المتحدة في عدم دعمها لجهوده في بناء السلام العالمي، وعليه تركزت تحركات واشنطن في مسارين متوازيين؛ أولهما إعلاء رؤيتها في "تحقيق الرخاء عبر السلام وإعادة الأمم المتحدة لأسس عملها" في حفظ السلم والأمن الدوليين وتعزيز مسؤوليتها في إدارة الموارد (المالية) المُوكَلة إليها (وفق موقع وزارة الخارجية الأمريكية)، وثانيهما في محاسبة المنظمة ماليًا وسياسيًا، ومنها القرار التنفيذي في يناير 2026 بالانسحاب ووقف تمويل أكثر من 30 منظمة وهيئة أممية، كان آخرها المجلس الأممي لحقوق الإنسان، الذي انتقد أخيرًا في تقرير لتقصي الحقائق، سلوك القوات الأمريكية بقصف مدرسة بمدينة ميناب جنوب إيران خلال الحرب الأخيرة التي اندلعت في 28 فبراير 2026. الاتجاه الأمريكي في تخفيض المساهمة في تمويل وكالات الأمم المتحدة تسبب في وقف عمليات منظمات الإغاثة الأممية في بعض مناطق الصراع، إلا أن واشنطن احتفظت في الوقت ذاته بورقة التمويل كأداة ضغط على المنظمة وليس للقضاء عليها أو تقويض دور الولايات المتحدة الرئيسي داخلها، والذي منحها تمرير قرار تدشين مجلس السلام، رغم تحفُّظ روسيا والصين على اختصاصات المجلس غير المحددة بنطاق غزة. ويُعبّر عن تلك الرؤية تصريحات الرئيس الأمريكي خلال لقائه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش في سبتمبر 2025، بالقول: "بلدنا يدعم الأمم المتحدة 100%. قد اختلف معها أحيانًا، لكن أؤيدها بشدة؛ لأنني أعتقد أن إمكانية تحقيق السلام مع هذه المؤسسات كبيرة جدًا"، وتصريحاته أمام المؤتمر الصحفي بالبيت الأبيض في 20 يناير 2026 بأن "الأمم المتحدة ليست مفيدة للغاية. أنا من أشد المعجبين بإمكاناتها، لكنها لم ترتقِ إلى مستوى هذه الإمكانات قط... أعتقد أنه يجب السماح للأمم المتحدة بالاستمرار لأن إمكاناتها هائلة"، وتعكس موازنة بين القدرات التمويلية وتحقيق الغاية الرئيسية في حفظ السلم والأمن الدوليين وفق رؤية البيت الأبيض.

(*) الاتجاه الهيكلي: أبرزت رؤيتا الرئيسين الصيني شي جين بينج والروسي فلاديمير بوتين تقاربًا في تصور البلدين لاتجاهات إصلاح الأمم المتحدة كمنظومة صُنع قرار متعددة الأقطاب، وانعكاس مصالح مختلفة ينبغي تمثيلها على أسس المساواة في السيادة والتعبير في التنوع الثقافي والحضاري العالمي، مع الحفاظ على كيان الأمم المتحدة كإطار جامع ومنصة وحيدة لتنسيق تلك الرؤى والمصالح المتباينة، مع الحفاظ على مواقع تلك القوى في صدارة المشهد الجيوسياسي الدولي الذي فرضته نتائج الحرب العالمية الثانية في تشكيل مجلس الأمن الدولي مع بعض التحسينات.

ويرتكز ذلك الاتجاه على دعائم أساسية، تشمل التمثيل العادل لدول الجنوب العالمي والشرق في مؤسسات صُنع القرار الأممي، مثل توسيع عضوية مجلس الأمن الدولي، وإصلاح النظام المالي والتجاري الدولي؛ في ظل التحول المتسارع في خريطة الاقتصاد العالمي ووجود مراكز نمو جديدة في الجنوب، ومواجهة ظواهر الحمائية والأحادية القطبية بـ"التحول المتسارع نحو تعدد الأقطاب".

نقاط الاشتباك

تكمن نقطة الاتفاق الأساسية بين الولايات المتحدة (في عهد دونالد ترامب)، وروسيا والصين، في الحفاظ على النظام الدولي القائم ممثلًا في منظومة الأمم المتحدة، وبصفة خاصة مجلس الأمن الدولي المُكلَّف بحفظ السلم والأمن الدوليين، رغم اختلاف شعارات القادة. ففي 1 سبتمبر 2026 قدمت الصين 641.4 مليون دولار للميزانية العامة للأمم المتحدة، لتكون ثاني أكبر مساهم بعد الولايات المتحدة والتي قدمت نحو 725 مليون دولار لصالح الميزانية العامة للمنظمة في 15 سبتمبر 2026، بعد دفع 102 مليون دولار لصالح عمليات حفظ السلام الأممية في 11 سبتمبر 2026، حسب وكالة رويترز، وهو ما أبقى الولايات المتحدة مدينة للمنظمة بنحو 1.312 مليار دولار، إلا أنها تجنبت الخضوع للماة 19 من ميثاق المنظمة، التي تنص على إسقاط حق التصويت في الجمعية العامة إذا لم تسدد الدولة العضو التزاماتها المالية لسنتين متتاليتين.

في المقابل، تتباين القوى الدولية الثلاث في نظرتها للخريطة الدولية، إذ تنخرط روسيا في صراع ممتد على الأراضي الأوكرانية يخلق توترًا واضطرابات في عموم القارة الأوروبية، وتعزز تحالفاتها مع كوريا الشمالية وإيران بدرجات متفاوتة إستراتيجيًا وعسكريًا، فيما تُقدِم الولايات المتحدة على مغامرات عسكرية ترتكز على استثنائية القوة الأمريكية على المستويين العسكري والاقتصادي وبقائها خارج نطاق أي تفويض أممي أو غطاء شرعي.

ويركز خطاب الصين على تعزيز الشراكات الاقتصادية وعدم الانخراط في تحالفات، وأولوية الحوار على منطق المواجهة رغم بروز البعد العسكري في سياسات الصينية الإقليمية تجاه تايوان واليابان ودول بحر الصين الجنوبي على صعيد الترهيب وتثبيت معادلات الردع والإبقاء على ملف تايوان خارج أي مساومات عسكرية.

وإجمالًا؛ تظهر تصريحات قادة الولايات المتحدة والصين وروسيا تباينًا في رؤية الدول الثلاث لدور وأهمية الأمم المتحدة، ففي حين اعتبرها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "منصة لتنسيق المصالح" ركزت على دورها في تخفيف التوتر وإنهاء الصراعات وتعزيز مكانة موسكو كقطب دولي، اعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن المنظمة بمقرها على أراضي بلاده، وبكونها المساهم الرئيسي في موازنتها، انعكاسًا للقيادة الاستثنائية للولايات المتحدة للنظام الدولي، والتي يجب أن تكون أداة طيعة للقيادة الأمريكية "الخيَّرة" للبشرية نحو السلام والرخاء، وفي المقابل ترتكز رؤية الرئيس الصيني على إبقاء النظام الدولي القائم كإطار حاكم للتنافس الإستراتيجي يمنع العودة لـ"قانون الغاب" ويحقق مصالح الصين في الصعود السلمي وإعادة التوحيد كحق تاريخي لا يقبل التشكيك، حتى وإن اضطُرت بكين لاستخدام القوة ضد تايبيه في نهاية المطاف.