الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

لحظة دافوس.. هل تنسحب أمريكا من الأمم المتحدة؟

  • مشاركة :
post-title
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

جاء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من 66 منظمة دولية تابعة للأمم المتحدة، وكذلك ما طرحه خلال فعاليات المؤتمر الاقتصادي العالمي (دافوس 2026) في 21 يناير 2026 بشأن تشكيل مجلس عالمي للسلام، ليثير العديد من التساؤلات في قاعات المنتدى (الذي أقيم تحت شعار "روح الحوار") عمّا إذا كان المنتدى بمناقشاته قادرًا على لعب دور المنقذ لنظام دولي يتداعى، أم أنه سيكون شاهدًا على إطلاق رصاصة الرحمة على النظام الدولي القائم؟.. إيذانًا ببدء تفكك منظومة الأمم المتحدة التي شُكَّلت خلال ما يزيد على ثمانية عقود متتالية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتأسيسها عام 1945 للقواعد المنظمة للعلاقات الدولية، التي قامت على التعددية والتعاون في إطار مبادئ القانون الدولي الراسخة.

وحتى إن احتفظت الدول الخمس الكبرى (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، بريطانيا، فرنسا) -التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية- بحق النقض (الفيتو)، إلا أن الممارسات الدولية التي تمت في إطار تلك المنظومة حافظت على استقرار النظام الدولي القائم على القواعد والأطر المؤسسية، والقيم التي شكَّلت ركائز مؤثرة حالت دون فوضى لا يُعرف مداها، برغم أن الصراعات لم تتوقف سواء في إفريقيا أو آسيا وحتى أوروبا، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية نفسها تعرّضت لأكبر هجوم في 11 سبتمبر 2001، والتي كانت تتباهي دائمًا بكونها أمة فوق التل؛ أي بعيدة عن أي مصادر للتهديدات.

المفارقة أن توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ ولايته الأولى ثم ولايته الثانية التي بدأت في يناير 2025 بدت غير منسجمة مع المنظومة الدولية القائمة، سعيًا منه للحفاظ على مكانة الولايات المتحدة كقطب مهيمن على تفاعلات السياسة الدولية، ورفع تكلفة البديل الآخر الرامي لخلق تعددية قطبية، حتى وإن كانت من الناحية الاقتصادية، فجاءت قراراته بالانسحاب من اتفاقية باريس المناخية، ومن منظمة الصحة العالمية، وسحب تمويل الأونروا، ووقف برامج المنح والمساعدات الأمريكية في المجالات التعليمية، ليكلل كل ذلك مؤخرًا بطرحه لفكرة مجلس السلام العالمي بمنتدى بدافوس 2026، والذي يبدو أنه سيكون وفق بعض الخبراء بديلاً لمجلس الأمن الدولي الحالي، وهو الأمر الذي يعني تقويضًا مباشرًا لدور الأمم المتحدة ومؤسساتها وأجهزتها الرسمية، بما يجعل من "لحظة دافوس" تدشينًا لمرحلة مفصلية ما بين نظامين دوليين، كما كانت "لحظة السويس" عام 1956 محطة فارقة لصعود الإمبراطورية الأمريكية على مسرح السياسة الدولية بديلًا للإمبراطورية البريطانية، ولتؤكد "لحظة دافوس" على سعي ترامب لاستمرار تلك الهيمنة، وإعادة إنتاجها ذاتيًا والحفاظ على مكتسباتها، بدلًا من مزاحمتها على القمة من قوى أخرى صاعدة اقتصاديًا وعسكريًا بقوة على المسرح الدولي تسعي لاقتناص الفرصة والانتقال إلى نظام دولي متعدد الأقطاب.

مؤشرات متعددة

هناك العديد من المؤشرات التي تعكس السعي الأمريكي لتقويض منظومة الأمم المتحدة، وهو ما يمكن الإشاره إليه على النحو التالي:

(*) تدشين مجلس السلام العالمي: أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن مجلس السلام الذي شكله قد يحل محل الأمم المتحدة، والتي انتقدها لعدم فاعليتها في إنهاء الحروب، وهو الأمر الذي أشار إليه خلال مؤتمر صحفي من البيت الأبيض في 20 يناير 2026 قائلًا إن "الأمم المتحدة لم تكن مفيدة على الإطلاق، أنا من أشد المعجبين بإمكاناتها، لكنها لم ترق إلى مستوى هذه الإمكانات قط، كان ينبغي على الأمم المتحدة أن تنهي جميع الحروب التي أنهيتها بنفسي، لم أذهب إليها قط، ولم يخطر ببالي حتى الذهاب إليها". 

ومجلس السلام العالمي كان اقترحه ترامب لأول مرة في سبتمبر 2025 عندما أعلن عن خطته لإنهاء الحرب في غزة قبل أن يوضح لاحقًا أن صلاحيات المجلس ستتوسع لتشمل معالجة النزاعات الأخرى حول العالم.

 وجاء في ميثاق تأسيس المجلس أنه بمثابة منظمة دولية تهدف إلى تعزيز الاستقرار واعادة إقامة حوكمة موثوقة وشرعية، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات أو المهددة بها. 

كما ينتقد الميثاق النهج والمؤسسات التي فشلت مرارًا في إشارة واضحة إلى الأمم المتحدة، داعيًا إلى التحلي بالشجاعة من أجل الابتعاد عنها، ومشددًا على الحاجة إلى منظمة سلام أكثر مرونة وفاعلية، وينص الميثاق على أن مدة عضوية الدول الأعضاء ستكون ثلاث سنوات كحد أقصى لتمويل أنشطة المجلس والحصول على العضوية الدائمة.

(*) تغييب قواعد القانون الدولي: يمثل احترام قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني أحد مقومات وكفاءة النظام الدولي وفاعليته، إلا أن مقترحات ترامب وأفكاره شكلت تغييبًا لمقتضيات القانون الدولي ومبادئه، ومنها أفكاره حول تهجير الفلسطينيين وتحويل غزة إلى ريفيرا، وسعيه للاستيلاء على جزيرة جرينلاند، وإصداره قرارًا تنفيذيًا بفرض عقوبات على قضاة وكبار موظفي المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما شكل تقويضًا لفرص العدالة الدولية، وهو الإجراء الذي اتخذه ترامب منتقدًا إصدارها أوامر اعتقال لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف جالانت، وهو الأمر الذي دفع 79 دولة وهي الدول التي تشكل ثلثي أعضاء المحكمة بالإعلان في بيان مشترك عن دعمها للمحكمة الجنائية الدولية، وحذرت من العقاب وإضعاف سيادة القانون الدولي، واستقلالية المحكمة.

(*) انتهاك مبدأ السيادة الوطنية: تشكل السيادة الوطنية أحد مرتكزات الدولة الوطنية ومظهر من مظاهر استقلالها الوطني منذ تشكيل الأمم المتحدة وحصول الدول على استقلالها، وبالتالي فإن استقرار النظام الدولي يرتبط في أحد جوانبه بالحفاظ على سيادة الدول ومنع انتهاكها والتصدى لمحاولات النيل من تلك السيادة. هذا الواقع ربما يتنافى مع توجهات ترامب منذ مجيئه إلى السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، والأمثلة على ذلك متعددة منها: استخدام خريطة تظهر فيها كندا كجزء من الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها الولاية رقم 51، ومطالبته بإعادة السيطرة على إدارة قناة بنما، وكذلك مطالبته بشراء جزيرة جرينلاند من الدنمارك، وهو الأمر الذي أثير مؤخرًا وترفضه الدول الأوروبية. 

ويبدو أن هذه التوجهات لم تكن جديدة على السياسة الأمريكية، فهي تجد صداها في خبرات أمريكية تاريخية من كوبا وبنما إلى تشيلى، والعراق باحتلاله في أبريل 2003 والذي جسد ذروة الاستيلاء على مقدرات الشعوب، وتغييب القانون الدولي باستخدام الحل العسكري والحصار الاقتصادي وتجاهل المفاوضات، والضغط على الأمم المتحدة من أجل تسليم أمريكا الملف كاملًا، وكذلك تسخير الأدوات الإعلامية لخدمة الأغراض الأمريكية.

(*) تقويض ركائز العولمة: تشكل العولمة أحد تجليات الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي من خلال نشر أنماط الثقافة الأمريكية، إلا أن اتجاه ترامب نحو اتخاذ الإجراءات الحمائية يمثل تقويضًا لركائز العولمة التي تقوم على حرية انتقال الأفراد والبضائع بين الدول دون قيود، إذ اتخذ قرارًا بفرض رسوم جمركية بهدف مواجهة الصعود الاقتصادي للعديد من القوى الرامية لاعتلاء قمة النظام الدولي وفي مقدمتها الصين.

(*) توظيف الأعداء الجدد في الفكر الأمريكي: وفقًا لنعوم تشومسكي، في كتابه "النظام العالمي القديم الجديد"، والصادر عن جامعة كولومبيا عام 1996، فإن السياسة الأمريكية لم تتغير منذ لحظة سقوط الاتحاد السوفييتي في الثمانينات، لكنها فقط اتخذت شكلًا جديدًا يسمى بضرورة البحث عن أعداء جدد تستمد منهم الولايات المتحدة ما تقول عنه إنها مصادر تهديد خارجية.

ويشير إلى أن الولايات المتحدة وجدت بالفعل ما تبحث عنه في أشكال من التهديدات مثل الإرهاب الدولي، والتجارة الدولية للمخدرات، والأصولية الإسلامية، وعدم الاستقرار في دول العالم النامي، وصور الفساد بشكل عام. ويقول تشومسكي إن الولايات المتحدة لم تنفك تعلن محاربتها لهؤلاء الأعداء الجدد، غير أننا لو تفحصنا بمفهوم الإرهاب الدولي، على سبيل المثال، سنجد أنه لم يتم الإشارة فيه –لا من بعيد ولا قريب- إلى دور الولايات المتحدة وزبائنها في هذا الإرهاب. وهي مشاركات يقول عنها تشومسكي بأنها كسرت الأرقام القياسية كافة، بينما لم يشر إليها بكلمة واحدة في وسائل الإعلام أو الدراسات السياسية الأمريكية الرصينة.

(*) عملية مادورو: عكست عملية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والتي نفذتها القوات الأمريكية في كاراكاس في 3 يناير 2026، حالة السيولة التي يمر بها النظام الدولى وافتقاده إلى القواعد أو المؤسسات التي تضبط حركته، وهو ما دفع الولايات المتحدة الأمريكية لتنفيذ تلك العملية، والتي إن انطوت على تجاهل مبادىء القانون الدولي كما رددت العديد من الدول كرد فعل على ما حدث باعتباره عمل غير شرعي، وانتهاك لسيادة فنزويلا ووحدتها وسلامتها الإقليمية، إلا أنها تعد سابقة بالغة الخطورة على المجتمع الدولي وآليات تسوية صراعاته المتفجرة في مناطق متعددة من العالم.

وتكمن خطورتها ليس فقط فيما ردده الرئيس الأمريكي وما ألمح إليه وزير خارجيته ماركو روبيو من إمكانية تكرار السيناريو مع دول أخرى في أمريكا اللاتينية، وتحديدًا كوبا، مشيرًا إلى أن المسؤولين الكوبيين يجب أن يقلقوا بعد تطورات فنزويلا، وإنما أيضًا في احتمالية محاكاة قوى دولية أو إقليمية لما حدث في فنزويلا مع الدول والأنظمة المناؤئة لسياساتها، وهو ما سيشكل خروجًا على الأعراف الدولية المستقرة، وبما سيدخل العالم في دوامة من الصراعات التي لن تنتهي أو تتوقف.

مجمل القول تشكل لحظة دافوس 2026 والإعلان عن مجلس السلام العالمي والأفول المحتمل للأمم المتحدة إذا ما قررت أمريكا الانسحاب منها، نقطة تحول مفصلية ما بين عالمين، كما سبق أن كانت لحظة السويس بعد أزمة السويس والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 إيذانًا بالصعود الإمبراطوري الأمريكي على مسرح السياسة الدولية بديلًا عن الإمبراطورية البريطانية، ومرورًا بلحظة برلين في عام 1989 بانهيار سور برلين، والتي جسدت انهيار الاتحاد السوفييتي، وبدء مرحلة الأحادية القطبية الأمريكية. فما بين لحظة السويس 1956، ولحظة دافوس 2026 مر ما يقرب من 70 عامًا بما يعنى أن النظام الدولي القائم ربما استنفذ مبررات بقائه. وأن ثمة نظام دولي قيد التشكيل تسعى الولايات المتحدة لاختطافه وإحكام هيمنتها ونفوذها الدولي عليه من خلال رفع تكلفة البديل الآخر، والمتمثل في تعددية قطبية تحد من النفوذ الأمريكي، وهو ما يعكسه التقطير الاقتصادي الأمريكي بالانسحاب من المنظمات الدولية، ووقف برامج دعم المنح والمساعدات التعليمية الأمريكية لتذكير دول العالم بدور الهيمنة الاقتصادية الأمريكية. 

في مقابل التقطير الاقتصادي ثمة تمدد وإعادة انتشار عسكرى في مختلف ربوع العالم تعكسه التحالفات الإستراتيجية التي تعقدها واشنطن مثل تحالفات (أوكوس، وكواد، وحارس الازدهار) وهي التحالفات التي تسعى من خلالها الولايات المتحدة لبقاء هيمنتها، وإعادة إنتاجها للحفاظ على مصالحها الإستراتيجية، ومنع صعود قوى أخرى لقمة النظام الدولي الذي يعاد تشكيله ليصبح قرنًا أمريكيًا جديدًا.