الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

معادلة استقرار البحر الأحمر في الرؤية المصرية

  • مشاركة :
post-title
البحر الأحمر

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

يُشكّل استقرار البحر الأحمر أحد مرتكزات الرؤية المصرية لتحقيق معادلة استقرار إقليم الشرق الأوسط ككل، لا سيما وأنه يُمثّل واحدًا من أهم الممرات الإستراتيجية التي تربط بين ثلاث قارات، هي: آسيا وإفريقيا وأوروبا، كما يتحكم في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، ويربط المحيط الهندي ببحر العرب من الجنوب عبر مضيق باب المندب، والبحر المتوسط من الشمال عبر قناة السويس.

ويُعَد البحر الأحمر ممرًا رئيسيًا لعبور ناقلات النفط والغاز الطبيعي القادمة من الخليج العربي إلى الأسواق العالمية في أوروبا وأمريكا الشمالية. هذه الأهمية جعلت من استقرار البحر الأحمر هدفًا للقوى الإقليمية، وفي مقدمتها مصر والسعودية، فالأولى لديها قناة السويس التي يمر منها ما يقارب 8% من حجم التجارة العالمية، و12% من تدفقات نفط المنطقة إلى الخارج. والثانية تتأثر بسلوك مليشيا "الحوثي" بعد التقدم الذي أحرزته على طول الساحل الغربي لليمن، بما في ذلك إعلان بسط سيطرتها على العديد من الجزر في البحر الأحمر، وفي مقدمتها جزيرة بريم (ميون)، فضلًا عن استهداف المليشيا لمنشآت النفط السعودية مثل "خط شرق-غرب"؛ في إطار عملية شد الأطراف وتوظيف الوكلاء من قبل إيران للتخفيف من الاستهداف الأمريكي للأراضي الإيرانية في نطاق مضيق هرمز.

لتصبح معادلة الطاقة في الإقليم ما بين مطرقة إيران في مضيق هرمز، وسندان مليشيا "الحوثي" في مضيق باب المندب. يُضاف إلى التحديات السابقة سعي إثيوبيا كدولة حبيسة للحصول على موطئ قدم على ساحل البحر الأحمر من خلال الاعتراف بما يسمى "أرض الصومال" المزعومة بعد إعلان الانفصال من جانب واحد عن الصومال الفيدرالي، الذي يواجه تحديات إرهابية متزايدة من قبل تنظيم "الشباب" الإرهابي، فضلًا عن تعقُّد المشهد السوداني ودخول البلاد متاهة الحرب المتواصلة منذ 3 سنوات مع مليشيا "الدعم السريع".

وسعيًا للحد من تلك التهديدات المتنامية في نطاق البحر الأحمر وعلى ضفتيه الشرقية والغربية، تتبلور الرؤية المصرية لمعادلة استقرار البحر الأحمر لتقوم على محورية خفض التصعيد، وإعطاء الحلول السياسية الأولوية للحفاظ على وحدة الدولة الوطنية في اليمن والصومال والسودان. وحلحلة الصراعات الرئيسية، ومنها تسوية القضية الفلسطينية من خلال حل الدولتين، ووقف التصعيد العسكري الأمريكي الإيراني وتسويته بالطرق السلمية والحوار والمفاوضات بين أطراف الصراع، وكذلك رفض الاستهداف الإيراني لأراضي دول الخليج العربي، إذ يُمثّل الخليج العربي امتدادًا للأمن القومي المصري، وهو ما أكسب الزيارات المتبادلة بين مصر ودول الخليج، على مستوى لقاءات القمة، أهميتها المحورية.

معادلة محورية

تتنوع أبعاد المعادلة المصرية لاستقرار البحر الأحمر وجعله نطاقًا مستقرًا ومزدهرًا وبعيدًا عن التجاذبات الإقليمية والدولية من خلال المرتكزات التي يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

(*) زيارات القمم الرئاسية المتبادلة: تُشكّل آلية القمة الرئاسية على مستوى القادة أحد ركائز المعادلة المصرية لاستقرار البحر الأحمر، وهي الزيارات التي قام بها الرئيس السيسي لعدد من الدول المتأثرة بتداعيات التوترات في نطاق البحر الأحمر. فقد كانت جولات الرئيس الخليجية لكل من الإمارات والسعودية وقطر والبحرين، داعمة لاستقرار دول الخليج ورافضة لاستهداف أراضيها من قبل إيران أو من قبل مليشيا "الحوثي"، وكذلك استقبال الرئيس السيسي لقادة من دول الخليج، لتقوم الرؤية المشتركة على ضرورة احترام حسن الجوار، وانتهاج الحوار كسبيل لتسوية الصراعات. وكذلك التأكيد على وحدة وتماسك الدول العربية وصون مقدراتها والحفاظ على سيادتها، ورفض أي أدوار للفاعلين من غير الدول. لذلك تتبنى مصر أهمية حصر السلاح بيد الدولة في كل دول الأزمات العربية.

(*) الدعوة لحرية الملاحة الدولية وأمن الممرات الدولية: تقوم الرؤية المصرية لمعادلة استقرار البحر الأحمر على أهمية حرية الملاحة الدولية، و ضمان المرور في الممرات البحرية وفق ما تكفله الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي تمنع فرض الحصار داخل المضائق والممرات المائية الدولية التي تربط بين أعالي البحار مثل مضيقي هرمز وباب المندب، وتؤكد على حق المرور العابر والآمن للسفن حتى أثناء النزاعات. كما تنص قواعد القانون البحري الدولي على حظر مهاجمة أو تدمير السفن التجارية التابعة لدول محايدة (غير مشاركة في الحرب)، ما لم تقم بكسر حصار معلن قانونيًا أو تهريب أسلحة ومعدات حربية.

(*) مبادرة حوكمة البحر الأحمر: برز مفهوم حوكمة البحر الأحمر كمقاربة شاملة طرحت لتعزيز الاستقرار على ضفتيه، انطلاقًا من حقيقة مؤداها أن أمن وإدارة البحر الأحمر يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة، ودعم وحدة وسيادة الدول المطلة عليه، ورفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية تتجاوز تلك الحقائق. وبرزت تلك الرؤية في إطلاق وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي، في أكتوبر 2025، "مبادرة السويس والبحر الأحمر للتنمية الاقتصادية والبحرية" "STREAM" كخريطة طريق لتعزيز التنمية المستدامة في المنطقة من خلال أربعة محاور رئيسية، تشمل الاقتصاد الأزرق، وتطوير البنية التحتية والموانئ، والحفاظ على البيئة، وتعميق التكامل الاقتصادي، مؤكدًا أن تحقيق الاستقرار والازدهار في البحر الأحمر يتطلب إرادة سياسية وتعاونًا عربيًا إفريقيًا، ودعمًا دوليًا فاعلًا.

ويُشكّل التعاون الثنائي والمؤسسى مدخلًا رئيسيًا لرؤية مصر لتعزيز التعاون التنموي بين دول البحر الأحمر في سياق مزدهر من خلال شراكات تنموية على غرار التعاون التنموي بين دول شمال وجنوب المتوسط، ليصبح البحر الأحمر شراكة تنموية بين الدول المشاطئة لشرقه وغربه، سواء من خلال تعزيز التعاون التنموي عبر عقد اتفاقات تنموية واقتصادية مع دوله، ومنها على سبيل المثال: الصومال وإريتريا وجيبوتي، وإطلاق رحلات جوية مباشرة إلى جيبوتي ومقديشيو. كما تشمل عقد اتفاقيات للبنية التحتية والتجارة مع كينيا وأوغندا وجنوب السودان، وكذلك المشاركة في مواجهة القرصنة البحرية والاتجار غير المشروع عبر البحر الأحمر. وتسعى أيضًا لتفعيل التعاون الأمني في إطار مجلس الدول المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن والذي أُنشئ بمبادرة سعودية عام 2020 ليكون إطارًا رسميًا للتنسيق في مجالات الأمن والتنمية. ويتولى المجلس تنسيق المواقف الأمنية وتنظيم أنشطة الصيد والملاحة. ويُعَد أول منصة إقليمية تُعنى بإدارة البحر الأحمر.

وإجمالًا؛ يُشكّل البحر الأحمر في الرؤية المصرية مجالًا أرحب بين دوله المشاطئة لتعزيز الاستفادة من فرص التعاون والتكامل التنموي بين غربه وشرقه، في ظل ما يزخر به من مقومات متنوعة بحرية وموارد طبيعية وبشرية تتيح فرصًا واعدة للاستثمار في البنية التحتية، وضمان الأمن الغذائي والمائي، وكذلك ضمان حرية الملاحة البحرية عبره. ويأتي ذلك من خلال توافر إرادة مشتركة للدول المشاطئة لجعله منطقة تعاون لا صراع، وهو ما يعني تحييد توظيف القوى الإقليمية والدولية لتخوم البحر الأحمر في لعبة الصراعات والتوازنات الدولية التي لا تخدم سوى مصالح القوى الكبرى والإقليمية التوسعية في إطار مشاريعها المتضادة.