تزامنًا مع التطورات الميدانية المتسارعة على جبهات القتال بين الحكومة الشرعية وميليشيا "الحوثي"، بدأت القوات المسلحة اليمنية في إعادة تموضعها وتعزيز انتشارها بمناطق الساحل الغربي، وأعلنت أنها ستبدأ استخدام "كل الأسلحة" للقضاء على أي تحركات عسكرية بالمناطق المحيطة بالمخا.
ودعت القوات المسلحة في بيان لها 10 سبتمبر 2026، المدنيين لتجنب استخدام طريق تعز-المخا حتى إشعار آخر. ما يطرح مجموعة من التساؤلات حول أهمية السيطرة على المخا "المدينة والميناء" في الإستراتيجية العسكرية للحكومة الشرعية و"الحوثيين"؟ وما الوضع الراهن لميناء المخا؟ وهل تشكّل السيطرة على الميناء نقطة ارتكاز في خريطة السيطرة العسكرية وموازين القوى؟
أهمية المخا في الجغرافيا العسكرية
بشكل عام تكتسب مدينة وميناء "المخا" أهميتهما الإستراتيجية من تداخل العوامل الجغرافية والعسكرية والاقتصادية والتاريخية، ما جعلها نقطة ارتكاز حيوية في الساحل الغربي لليمن جنوب البحر الأحمر عبر التاريخ.
(*) الأهمية الجغرافية والتاريخية: تعد "المخا" البوابة الشمالية لمضيق باب المندب، وتقع على بُعد نحو 65–75 كم شمال المضيق، أحد أهم الممرات المائية الحاكمة لتجارة النفط والسلع العالمية بين المحيط الهندي وقناة السويس، كما يمنحها الموقع إمكان مراقبة حركة الملاحة البحرية ومتابعة السفن العابرة في الجزء الجنوبي من البحر الأحمر، ويجعلها موقعًا إستراتيجيًا للإشراف والتأمين البحري.
- اكتسبت المخا شهرة عالمية منذ القرن السابع عشر بصفتها الميناء الرئيسي لتصدير البن اليمني الشهير، وكان يطلق عليها اسم "موكا"، وهي مركز تجارة البن العالمي، ومن اسمها اشتق اسم القهوة الشهير عالميًا "Mocha".
- نقطة التقاء تجارية تاريخية: شكّلت المخا عبر التاريخ جسرًا تجاريًا ربط بين الجزيرة العربية وشبه القارة الهندية والحبشة وأوروبا.
الأهمية العسكرية والأمنية
تمثل المخا نقطة الفصل والتواصل بين المحافظات الممتدة على طول الشريط الساحلي "مثل الحديدة شمالًا مرورًا بلحج وصولًا إلى عدن جنوبًا"، فهي بمثابة نقطة تأمين الساحل الغربي وقاعدة عمليات ومناورة، فالسيطرة على المخا تتيح التحكم في خطوط الإمداد البرية والبحرية المؤدية إلى عمق المحافظات الداخلية مثل تعز، وتؤثر بشكل مباشر على موازين القوى في الميدان.
- أي تطور في منطقة "المخا" يخرجه من نطاق الأزمة الداخلية إلى فضاء الأبعاد الإقليمية والدولية المرتبطة بأمن وسلامة البحر الأحمر.
- تتميز "المخا" بأنها تقع على المسار الساحلي الواصل بين ميناء الحديدة وباب المندب، علاوة على ذلك تشكل هذه المنطقة عقدة تربط بين جبهات غرب مدينة تعز بالساحل والبحر الأحمر، ويمنح المدينة أهمية عسكرية وإستراتيجية ولوجستية، فضلًا عن أهميتها الاقتصادية من حيث عمليات الإمداد والنقل وسهولة الوصول إلى البحر الأحمر.
محورية "المخا" في الصراع الدائر
تمثل مدينة وميناء المخا إحدى أكثر النقاط الميدانية خطورة وتأثيرًا في مسار الصراع المسلح واتجاهاته، بين القوات الحكومية و"القوات المشتركة في الساحل الغربي" بقيادة طارق صالح، وميليشيا "الحوثي" في اليمن.
1- تتيح التحكم بـ"مفتاح" مضيق باب المندب والبحر الأحمر
أ- بالنسبة للحوثيين: تعتبر السيطرة عليها أو التمركز القريب منها مفتاحًا للسيطرة النارية واللوجستية على المضيق وخطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر، إذ تمنح السيطرة على هذا الميناء ورقة ضغط جيوسياسية كبرى لاستكمال تهديد حركة السفن واستعراض النفوذ الإقليمي.
ب- بالنسبة للقوات الحكومية: تعد السيطرة على مدينة وميناء "المخا" خط الدفاع الأول الذي كان يفصل الحوثيين عن التقدم جنوبًا ويحول دون تمكنهم من حصار باب المندب، وكذلك تأمين حماية خطوط التجارة العالمية.
2- السيطرة على خطوط الإمداد وشريان الحياة لمحافظة تعز
تؤدي عملية فصل أو تعزيز اتصال الطرق إحدى المهام الرئيسية لمدينة "المخا" فمن خلالها يمكن القطع والتحكم بالطرق الرئيسية بين محافظة تعز المرتفعة والموانئ الساحلية باليمن.
أ- بالنسبة للحوثيين: التمركز في "المخا" يمنحهم القدرة على فرض حصار كامل ومطبق على مدينة تعز من جهة الغرب، إضافة إلى قطع التواصل اللوجستي بين القوات الحكومية الموجودة في الجنوب في محافظتي "عدن ولحج" والقوات المتمركزة في الساحل الغربي بمحافظتي "الحديدة-الخوخة".
ب- بالنسبة للحكومة: تعتبر مدينة وميناء "المخا" الشريان الوحيد لفك الحصر التجاري والإنساني عن محافظة تعز واستقبال المواد التموينية والإغاثية بعيدًا عن سيطرة ميليشيا "الحوثي" في ميناء الحديدة.
3- مركز الثقل للقيادة العسكرية والبنية التحتية
تعتبر مدينة "المخا":
أ- المقر الرئيس لقوات "المقاومة الوطنية" والقوات المشتركة في الساحل الغربي "التي يقودها طارق صالح"، وبالتالي فإن استهداف المدينة والميناء ومطارها يعد محاولة لتفكيك مركز التخطيط العسكري للقوات المناهضة للحوثيين في الساحل الغربي.
ب- تأمين الميناء والمطار: يوجد بمدينة "المخا"، ميناء المخا الحيوي ومطار إستراتيجي متطور، ما يجعلها قاعدة إنزال وإمداد وقوة ردع للمناهضين لجماعة الحوثي.
4- التنافس على الموانئ والشرعية الاقتصادية
كان ميناء "المخا" بديلًا لوجستيًا لمناطق الحكومة الشرعية.
أ- بالنسبة للحكومة الشرعية: تتيح السيطرة الحكومية على الميناء للحكومة اليمنية استقبال السلع وتوليد الإيرادات الجمركية، وتخفيف الاعتماد على ميناء الحديدة الذي يسيطر عليه الحوثيون، ما يجردهم من احتكار التحكم بآلية الاستيراد إلى اليمن.
ب- بالنسبة لميليشيا "الحوثي": فقد كانوا يستهدفون الميناء باستمرار بالصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة لمنع تعافيه وتدشين نشاطه التجاري الكامل، بغرض إبقاء المنطقة تحت الضغط العسكري المستمر.
خريطة السيطرة والوضع الراهن للساحل الغربي
شهدت خريطة السيطرة الميدانية في منطقة مضيق باب المندب والساحل الغربي لليمن تحولًا دراماتيكيًا وسريعًا، خلال الأيام القليلة الماضية، عقب التقدم العسكري الأخير لميليشيا "الحوثي" التي أعلنت تمكنها من السيطرة على مدينة وميناء "المخا" الإستراتيجي.
1- موقع سيطرة ميليشيا "الحوثي"
تعتمد الميليشيا حاليًا خطة التمدد السريع جنوبًا لفرض السيطرة النارية الكاملة على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، على النحو التالي:
أ- مدينة وميناء "المخا" ومطارها، حيث تفرض ميليشيا الحوثي سيطرتها الميدانية الكاملة على المدينة والميناء البحري والمطار الإستراتيجي كما أعلنت لوسائل الإعلام في الحادي عشر من سبتمبر الجاري.
ب- فرضت القوات التابعة للميليشيا سيطرتها العسكرية على مديرية باب المندب "مركز ذو باب": أكلمت عناصر الميليشيا تقدمها وتثبيت نقاط تمركزها في مركز مديرية ذو باب والشريط الساحلي المحيط بها.
ج- الجزر الإستراتيجية "حنيش الكبرى- حنيش الصغرى" شمل تمدد الحوثيين ميدانيًا، من فرض السيطرة على جزيرة ميون الإستراتيجية الواقعة في قلب مضيق باب المندب، إضافة إلى جزر حنيش وزُقر بالبحر الأحمر.
2- تموضع القوات الحكومية والقوات المشتركة
تراجعت القوات الحكومية والمقاومة الوطنية عقب قرار إعادة التموضع، وتتركز خريطة انتشارها الحالية على النحو التالي:
أ- خطوط الدفاع الجنوبية: انسحبت القوات المدافعة باتجاه الحدود الإدارية لمحافظة لحج وشمال العاصمة المؤقتة عدن لتشكيل حزام دفاعي جديد لمنع أي اختراق إضافي نحو الجنوب.
ب- الجبهات الشرقية في تعز: تحافظ القوات الحكومية على وجودها في بعض المرتفعات الجبلية المحيطة بمديريات الوازعية وموزع، في محاولة لتثبيت نقاط تماس ومراقبة التمدد الحوثي الساحلي.
3- الوضع الميداني والتداعيات المباشرة
أ-السيطرة النارية لميليشيا "الحوثي" على الممر الدولي: أتاح التمدد في ذو باب وميون للميليشيا القدرة على التمركز المباشر والإشراف الصاروخي وبالطائرات المسيّرة على حركة خطوط الملاحة الدولية عبر المضيق.
ب- كثافة نارية وضربات الطيران والغارات الجوية للقوات الحكومية: تشهد جبهة المخا وذوباب غارات جوية مكثفة تستهدف تجمعات ومقرات الميليشيا في الميناء والمطار، في محاولة لعرقلة تثبيت تمركزهم وتدمير التعزيزات العسكرية الواصلة للمنطقة.
ج- تداعيات سيطرة الحوثيين على مدينة وميناء المخا اليمنى: تُعد السيطرة على مدينة وميناء المخا نقطة تحوّل محورية في المشهد اليمني والإقليمي، نظرًا للموقع الإستراتيجي للمدينة على الساحل الغربي وقربها المباشر (نحو 70 كم) من مضيق باب المندب.
أهم التداعيات العسكرية والأمنية
1- التداعيات الأمنية
· تمنح السيطرة على مدينة وميناء "المخا" قدرة عملياتية على فرض هيمنة نارية ونشر منصات صواريخ وطائرات مسيّرة تشرف مباشرة على ممر الملاحة الدولي عبر مضيق باب المندب وجزيرة ميون "بريم".
· يتيح الاستحواذ على الشريط الساحلي وجزر البحر الأحمر "مثل أرخبيل حنيش الكبرى والصغرى وميون" إنشاء خطوط إمداد وتهريب بحري أكثر فاعلية للأسلحة والمعدات التكنولوجية.
· تغيير موازين القوى في تعز والساحل الغربي: تقطع هذه الخطوة خطوط إمداد القوات الحكومية والمقاومة الوطنية، ما يضيّق الخناق على محافظة تعز.
2- التداعيات السياسية والإقليمية
- ستؤدي سيطرة الحوثيين على مدينة وميناء "المخا" إلى تعقيد مسار الحل السياسي من جهة، وإضعاف الموقف التفاوضي للحكومة اليمنية الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي من جهة أخرى، وتعطيل الجهود الأممية والدولية لإحياء الهدنة أو التوصل إلى تسوية من جهة ثالثة.
- ستدفع سيطرة مليشيا "الحوثي" على "المخا" نحو زيادة التدويل العسكري للبحر الأحمر، واستدعاء مزيد من التواجد والعمليات العسكرية للتحالفات الدولية والأمريكية-الغربية لتأمين خطوط الملاحة وردًا على هجمات الجماعة.
- زيادة الضغط على دول الجوار والمنطقة خاصة الدول المشاطئة للبحر الأحمر.
وإجمالًا؛ كان ميناء ومدينة المخا بمثابة منطقة ثقل عسكري للقوات المسلحة الحكومية التي تمركزت في هذه المنطقة تحت قيادة طارق صالح، خاصة أنها أصبحت في السنوات الأخيرة مركزًا رئيسيًا لـ"المقاومة الوطنية" الحكومية ومقرًا للقوات المشتركة بالساحل الغربى أيضًا، وعلى ذلك يمثل سيطرة ميليشيا "الحوثي" على هذه المنطقة بما فيها الميناء، سيطرة فعلية على مركز القيادة والإمداد الرئيسي وتضيف لهم ميزة القدرة على تهديد جبهات غرب مدينة تعز وتوابعها وبالتالي إعادة تشكيل ميزان القوى على امتداد الساحل الغربي.